img img

تنبيه

السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، نُرَحِّبُ بِجَمِيعِ أَعْضَاءِ "مَجَالِسِ العِلْمِ النَّافِعِ" وَزُوَّارِهَا، ونَدْعُوهُم للاطِّلَاع عَلَى بُنُود وقَوانٍينٍ المَجالِسِ ، وَفَّقَنَا اللهُ جَمِيعًا لحُسْنِ الإِفَادَةِ والاستِفَادَةِ

العودة   مَجَالِس العِلْمِ النَّافِعِ > مَجَالِسُ العِلْمِ النَّافِعِ لِشُيُوخِ ودُعَاةِ أَهْل السُّنَّةِ بالجَزَائرِ –حَفِظَهُمْ اللهُ-. > مجالس فضيلة الشيخ بن حنفية العابدين –حفظه الله-
التسجيل التعليمـــات قائمة الأعضاء التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 06-30-2019, 03:56 AM   رقم المشاركة : 171
معلومات العضو
سماعيل السلفي
مشرف







سماعيل السلفي غير متواجد حالياً

افتراضي رد: خواطر متجددة تحت عنوان" عبر و فكر "

الخاطرة 158

الٓر‌ۚ تِلۡكَ ءَايَـٰتُ ٱلۡڪِتَـٰبِ وَقُرۡءَانٍ مُّبِينٍ (١) رُّبَمَا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ ڪَفَرُواْ لَوۡ كَانُواْ مُسۡلِمِينَ (٢) ذَرۡهُمۡ يَأۡڪُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلۡهِهِمُ ٱلۡأَمَلُ‌ۖ فَسَوۡفَ يَعۡلَمُونَ (٣)،

في هذا السياق الكريم أربع مسائل:
الأولى: "الٓر‌ۚ"، من أحسن ما وقفت عليه من كلام أهل العلم في المقصود بهذه الأحرف المقطعة؛ أنه لجلب انتباه السامع وشده إلى ما يذكر بعدها، وهو القرآن الكريم، فالمقصود قرع هذه الأحرف الأسماع بغير المعتاد عند العرب من الكلام، ومما يلجأ إليه في هذا الزمن لجلب الاهتمام تغليظ الخط، وإعطاؤه لونا مغايرا للون الكتابة العام، أو تمييزه بسطور تحته .
والسور التي جاء فيها ذكر القرآن بعد هذه الأحرف هي سور البقرة وآل عمران والأعراف ويونس وهود ويوسف والرعد وإبراهيم والحجر وطه والشعراء والنمل والقصص ولقمان والسجدة ويس وص والمؤمن وفصلت والشورى والزخرف والدخان والجاثية والأحقاف وق .
الثانية: "تِلۡكَ ءَايَـٰتُ ٱلۡڪِتَـٰبِ وَقُرۡءَانٍ مُّبِينٍ (١)"، قدم هنا ذكر الكتاب على القرآن، وجاء العكس في سورة النمل، فقدم القرآن على الكتاب: "طس تلك آيات القرآن وكتاب مبين" .
ووجهه أن الذي ولي الأحرف المقطعة في سورة الحجر قوله تعالى: "رُّبَمَا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ ڪَفَرُواْ لَوۡ كَانُواْ مُسۡلِمِينَ"، والكفار ليسوا من قراءة القرآن في شيء، فكان تقديم وصف الكتاب هو المناسب، وفي ذكره كالتهديد لهم بأنه سيصير كتابا متداولا ويبقى، أما في سورة النمل فالسياق في المؤمنين، وهم مطالبون بقراءة القرآن، وبالاستماع إليه، فإنه هدى ورحمة لهم، فجاء بعدها: "هدى ورحمة للمحسنين"، أما الكتاب فهو وسيلة إلى القراءة .
الثالثة: قوله تعالى: "رُّبَمَا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ ڪَفَرُواْ لَوۡ كَانُواْ مُسۡلِمِينَ (٢)"، للعلماء فيما تفيده رب مذاهب، أشهرها أنها في الأصل للتقليل، فكيف يمضي هذا القول مع أن ندم الكفار حين يعاينون الموت محقق، وكذا فيما بعده، وقد حكى الله عنهم هذا وذاك في مواضع من كتابه كقوله: "حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت"، وقال: "ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين"، وقال: "ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رؤوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون"، فلم أوثر التقليل؟ .
وجهه أن العاقل يكفيه في تجنب الخطر أن يظن حصوله، فلا يقدم على ما فيه ضرره ولو ظنا، فكيف إذا كان موقنا به كما هو المطلوب في إيمان المؤمن بالغيب؟، ومن أمثلته قوله تعالى: "أو لم ينظروا في ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من شيء وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم"، قال صاحب المنار: "فإن صح إنكارهم له(يعني القرآن) وما هو بصحيح فلا ضرر عليهم من الاحتياط ..."، والمرء لا يعلم وقت موته، فكيف يسوف التوبة والرجوع إلى الحق؟، وقد فسر بعضهم الظن بهذا المعنى في قوله تعالى: "الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم"، وقوله تعالى: "إني ظننت أني ملاق حسابيه"، وليس بجيد، فإن الذين لا يستثقلون الصلاة إنما هم الموقنون .
ومما قيل:
قال المنجم والطبيب كلاهما ** لا تبعث الأجساد قلت: إليكما !
إن صح قولكما فلست بخاسر ** أو صح قولي فالخسار عليكما.
يتبع...
بن حنفية العابدين
٢٦ شوال ١٤٤٠







التوقيع



قال تعالى:" وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا"
  رد مع اقتباس
قديم 07-03-2019, 09:03 PM   رقم المشاركة : 172
معلومات العضو
سماعيل السلفي
مشرف







سماعيل السلفي غير متواجد حالياً

افتراضي رد: خواطر متجددة تحت عنوان" عبر و فكر "

الخاطرة 158 (2)

... تابع

الرابعة: قوله تعالى: "ذَرۡهُمۡ يَأۡڪُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلۡهِهِمُ ٱلۡأَمَلُ‌ۖ فَسَوۡفَ يَعۡلَمُونَ" (٣) هو تهديد ووعيد، جاء في صورة الدعوة إلى متاركتهم، بدايته تلميح، ونهايته تصريح، وفيه أمور:
1--"ذَرۡهُمۡ يَأۡڪُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ"، هو ذم لهم لقصر همهم على الجري وراء شهواتهم، فهم خدام أجسام، وقد شبههم بالأنعام .
ومع ان الله أحل للمؤمنين الطيبات في الدنيا، وهي خالصة لهم يوم القيامة؛ فإنهم مدعوون إلى الاقتصاد، فلم يؤمروا بالأكل والشرب، إلا لبيان الإباحة، مقرونة بالنهي عن الإسراف، أو بالأمر بالشكر، أو لإبطال القول بتحريمها، أو لغير ذلك من الدواعي والقيود، والمقصود لا يخفى .
ومنه الاكتفاء في سورة الأحقاف بذكر ما لهم في الآخرة من النعيم في مقابل ما ذكره من تمتع غيرهم في الدنيا إذ قال: "إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم".
لكنك تجد ذلك في الجنة في سورة الطور: "إن المتقين في جنات ونعيم"، إلى قوله: "كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون"، ومثلها في المرسلات: "كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون"، وبعدها في الكفار: "كلوا وتمتعوا قليلا إنكم مجرمون"، وفي سورة الحاقة: "كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية"، وقال: "وذرني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم قليلا"، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم ينهى عن الإرفاه، وهو المبالغة في التنعم بمختلف صوره .
2 -- "وَيُلۡهِهِمُ ٱلۡأَمَلُ‌ۖ "، ذمهم بإلهاء الأمل لهم عما ينبغي أن يهتموا به، والأمل ما يتوقعونه من حصول ما يرغبون ويشتهون من زينة الدنيا، وقد قيل "ما أطال امرؤ الأمل إلا أساء العمل"، أما ما كان من الأمل طاعة، أو مشروعا غير مله عن حق؛ فلا ضير فيه، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "صلاح هذه الأمة بالزهد واليقين، ويهلك آخرها بالبخل والأمل" .
3 -- تسلية النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى لا يأسى عليهم، ببيان "قلة جدوى الحرص على إيمانهم".
4 -- وليس فيه حجة على ترك دعوتهم، فإن المقصود تثبيت فؤاد الداعي، فلا يفت في عضده إعراض الناس عن الحق، ولهذا كثيرا ما يقترن الأمران: التخفيف عن الداعي أثر الإعراض عن الحق، مع أمره بالاستمرار على الدعوة كما في قوله تعالى: "وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا وغرتهم الحياة الدنيا وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع"، وقوله سبحانه: "قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون"، وقوله: "أفنضرب عنكم الذكر صفحا إن كنتم قوما مسرفين"، والقول بأن الآية على ظاهرها من المتاركة، وأنها منسوخة بآية السيف بعيد، وما أكثر ما جني على قواعد الدعوة وأصولها بآية السيف !! .
5 -- يؤخذ من هذا أن السكوت على الباطل بحجة كثرة المعرضين عن الحق، أو لأن الكلام يشوه سمعة الدعاة عند الناس، فلا يستمعون إليهم، وما إلى ذلك؛ غير صحيح إن لم يكن من تلبيس إبليس .
إنه لعجب أن تصنع الدعوة إلى الحق هذه المفاسد في نظر بعض الدعاة، ولا يصنع شيئا منها هذا الذي يجري بينهم، مما هو عفن أخلاقي من السب والشتم، ونشر القبائح، وتتبع السقطات، واستقصاء الهفوات، وتمجيد الأشخاص، والانتصارللأهواء، مما لم نسمع مثله ولا علمناه، وهو ينم عن خرق في العقول، ومرض مستحكم في النفوس، ولو أمسك امرؤ لسانه لخوفه على نفسه من الفتنة ما كان ملوما .
6 -- "فَسَوۡفَ يَعۡلَمُونَ"، مع ما في هذا من التهديد فإن فيه تهيئة نفس الداعي لمزيد من المصابرة والمغالبة وعدم استعجال النتائج، وهو ما يفيده الحرف (سوف)، فإن زمانه أوسع من السين عند البصريين، وهو تهديد بعذاب الدنيا، وصوره كثيرة، وهي نائلة كل من اتصف بما ذكر لا فرق بين المؤمنين والكافرين، كل بحسبه، فلا محاباة في سنن الله التي لا تجد لها تبديلا ولا تحويلا .
قال القرطبي: "طول الأمل داء ومرض مزمن، ومتى تمكن من القلب فسد مزاجه، واشتد علاجه، ولم يفارقه داء، ولا نجع فيه دواء، بل أعيا الأطباء، وبئس من بريئه الحكماء والعلماء، وحقيقة الأمل الحرص على الدنيا والانكباب عليها، والحب لها، والإعراض عن الآخرة، وروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "نجا أول هذه الأمة باليقين والزهد، ويهلك آخرها بالبخل والأمل، ويروى عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه قام على درج مسجد دمشق فقال: يا أهل دمشق ألا تسمعون من أخ لكم ناصح؟، إن من قبلكم كانوا يجمعون كثيرا، ويبنون مشيدا، ويأملون بعيدا، فأصبح جمعهم بورا، وبناؤهم قبورا، وأملهم غرورا، هذه عاد قد ملأت الأرض مالا، وخيلا ورجالا، فمن يشتري مني اليوم تركتهم بدرهمين؟، وأنشد:
يا ذا المؤمل آمالا وإن بعدت ** منه ويزعم أن يحظى بأقصاها !!
أنى تفوز بما ترجوه ويك وما ** أصبحت في ثقة من نيل أدناها؟.

بن حنفية العابدين

30 شوال 1440







التوقيع



قال تعالى:" وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا"
  رد مع اقتباس
قديم 07-08-2019, 10:25 AM   رقم المشاركة : 173
معلومات العضو
سماعيل السلفي
مشرف







سماعيل السلفي غير متواجد حالياً

افتراضي رد: خواطر متجددة تحت عنوان" عبر و فكر "

الخاطرة 159

ذكر مالك في كتاب الجامع من موطئه بلاغا؛ أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أراد أن يخرج إلى العراق فقال له كعب الأحبار رحمه الله : "لا تخرج إليها يا أمير المؤمنين، فإن بها تسعة أعشار السحر، وبها فسفة الجن، وبها الداء العضال" .
هذا الذي ذكره كعب عن العراق بعضه لا يعرف إلا بتوقيف، كفسقة الجن، والغالب أن يكون من الإسرائيليات، وهي كثيرة فيما أثر عنه وعن وهب بن منبه، وأخطرها عنهما ما كان في التفسير، والداء العضال هو الذي لا يرجى برؤه، ويعيي الأطباء أمره، والمقصود ما تتعذر محاولة إصلاحه من أمور الدنيا والدين، ومن أخطر ذلك البدع، وليس يلازم أن يكون هذا الذي يذكر عن العراق أو عن غيره دائما .
وإذا صح أن كعبا نصح عمر بهذا، فإنه لم يأخذ بقوله، وإلا لأخلى العراق ممن نزلها من الصحابة، فإن الخوف عليهم أشد من الخوف عليه، كيف وهو المسدد المقتدى به؟، وما سلك فجا إلا سلك الشيطان فجا غير فجه، وقد جاء أنه نصح عمر بالصلاة في موضع من المسجد الأقصى فأبى عليه، وقال: أما علمت أن لنا صدور المساجد؟ .
ومهما يكن فإن الأمر كما قال سلمان لأبي الدرداء رضي الله عنهما حين دعاه إلى القدوم إلى الأرض المقدسة فأجابه بقوله: "إن الأرض لا تقدس أحدا وإنما يقدس الإنسان عمله" !!، ومقابل هذا صحيح أيضا .
وقد روى ابن حبيب عن مطرف أن مالكا سئل عن الداء العضال في كلام كعب؛ فقال: "أبو حنيفة وأصحابه"، وذلك أنه أضل الناس بوجهين: بالإرجاء، ونقض السنن بالرأي، والعالم قد يغيب عنه الدليل فيقول بالرأي والقياس ويستمر عليه ثم يتلقاه عنه أتباعه يناضلون دونه بغير حق .
وقد تلطف أبو جعفر الداودي فأحسن في توجيه هذه الرواية عن مالك، واعتذر عنه بقوله: "إن هذا الذي ذكره ابن حبيب إن كان سلم من الغلط وثبت، فقد يكون ذلك من مالك في وقت حرج، اضطره لشيء ذكر له عنه، مما أنكره، فضاق به صدره، فقال ذلك، والعالم قد يحضره ضيق صدر؛ فيتقول ما يستغفر الله منه بعد وقت، إذا زال غضبه"، انتهى بالنقل عن المنتقى، فهل عرفت في الدعاة اليوم من تراجع عن شيء علنا مما وقع فيه في إخوانه ؟، أم أنهم لا يصدر عنهم غير الحق ؟ .
أما أبو الوليد الباجي رحمه الله فقد أنكر هذا النقل فقال: "وعندي أن هذه الرواية غير صحيحة عن مالك رضي الله عنه، لأن مالكا على ما يعرف من عقله وعلمه وفضله ودينه، وإمساكه عن القول في الناس إلا بما صح عنده وثبت؛ لم يكن ليطلق على أحد من المسلمين ما لم يتحققه، ومن أصحاب أبي حنيفة عبد الله بن المبارك، وقد اشتهر إكرام مالك له وتفضيله إياه، وقد علم أن مالكا ذكر أبا حنيفة بالعلم بالمسائل، وأخذ أبو حنيفة عنه أحاديث، وأخذ عنه محمد بن الحسن الموطأ، وهو مما أروي عن أبي ذر عن عبد (الله) بن أحمد رضي الله عنه، وقد شهر تناهي أبي حنيفة في العبادة، وزهده في الدنيا، وقد امتحن وضرب بالسوط على أن يلي القضاء فامتنع، وما كان مالك ليتكلم فيه إلا بما يليق بفضله، ولا نعلم أن مالكا تكلم في أحد من أهل الرأي، وإنما تكلم في قوم من أصحاب الحديث من جهة النقل، وقد روي عنه أنه قال: أدركت بالمدينة قوما لم تكن لهم عيوب فبحثوا عن عيوب الناس فذكر الناس لهم عيوبا، وأدركت بها قوما كانت لهم عيوب فسكتوا عن عيوب الناس فسكت الناس عن عيوبهم، فمالك رحمه الله يزهد الناس عن العيوب، ومن أين يبحث عن عيوب الناس؟، وكيف يذكر الأئمة بما لا يليق بفضله؟، وقد ذكرت في كتاب فرق الفقهاء ما نقل عنه من ذلك وبينت وجهه..." .
ربما كان فيما وصف به الباجي مالكا رحمهما الله ما يفتقر إلى البيان مما لم يقصده، فإنه لا يعني أن مالكا لم يكن يرد ما يراه مما خالف فيه أهل العراق الحق، ويكفيك أن تقرأ باب القضاء بالشاهد واليمين في الموطإ لتقف على هذا الأدب الذي كان عليه القوم في طريق الانتصار للحق، لا لنفوسهم، وأنهم يفرقون بين هذا وبين الطعن في الناس بأسمائهم إلا في الحال التي يلزم ذلك، واعتبر بما في كتاب ترك الحيل من صحيح البخاري الذي رد فيه على الحنفية كيف كان قوله، والمقصود ما في كلام الباجي من الإنصاف، وذكر ما كان معروفا عن أبي حنيفة من الفضل والعلم والزهد في الدنيا، وتحمل الأذى في طريق الحق، ولا يصح أن يقال إن المرء يسكت عن عيوب الناس التي تسبب ضررا للأمة في دينها خوفا من أن يتحدث الناس عن عيوبه، بل المقصود الترهيب من تتبع عورات الناس، فكيف بالفرح عند الظفر بها وإذاعتها كما عليه فريق من الناس اليوم؟، وقد جاء فيه قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "يا معشر من آمن بلسانه، ولم يدخل الإيمان في قلبه، لا تؤذوا المسلمين، ولا تعيروهم، ولا تتبعوا عوراتهم، فإن من تتبع عورة أخيه المسلم؛ يتتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله" .

شيخنا بن حنفية العابدين حفظه الله ، 4 من ذي القعدة 1440







التوقيع



قال تعالى:" وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا"
  رد مع اقتباس
قديم 07-11-2019, 05:10 AM   رقم المشاركة : 174
معلومات العضو
سماعيل السلفي
مشرف







سماعيل السلفي غير متواجد حالياً

افتراضي رد: خواطر متجددة تحت عنوان" عبر و فكر "

الخاطرة ١٦٠

أشفق على الذين يقفون إلى جانب فرنسا من غير قصد، لكنهم يخدمون غرضها بإطالة أمد الأزمة الذي قد يدخل البلاد في متاهات الفوضى .
لم أكن وأنا طفل أعرف فرنسا باسمها، ولا شيئا عن موقعها وجغرافيتها، ولا عن مبادئ ثورتها الكاذبة، كنت أعرف اسمها الذي أشاعه المجاهدون في منطقة سعيدة وما حولها إبان الثورة الجهادية، وهو (الخناء)، يعرفه الصغير والكبير، هو وصف قبيح لعجوز شمطاء نطقها لا يفهم، وصورتها لا تحمد، ولا عيب في الخلق، سموها كذلك احتقارا وازدراء، وإن تجملت بالمساحيق والألوان .
استقرت في أذهاننا هذه الصورة، ثم ترسخت بما عشناه وشاهدناه من القتل والتحريق، والتدمير والتخريب، والمداهمات، وتعذيب المساجين وسحب القتلى بالسيارات، وقصف الطائرات، وإقامة المحتشدات، والمناطق العسكرية المحرمة .
كان يطلق على من يتجسس لصالحها (البياع)، وكان مصيره القتل، وكان التحذير من عساكرها وسياراتها أن ينادي الناس بعضهم بعضا يا البقري البقري!!، أي البقر البقر، وكنا نعرف من تجنس بجنسيتها ونمقته، بل كان لبعض سكان البوادي مقاومة سلبية لا يذهبون إلى المدن كي لا يشاهدوا المحتلين وأزياءهم .
لقد استيقنا فيما بعد أن جيوش فرنسا التي ارتحلت عن بلدنا خلفت استدمارا أنكى وأخطر، خطط له بعض ساستها، ونصبوا وكلاء عنهم استماتوا في التمكين لهم، وقد صرح الجنرال دوغول بعودة فرنسا للجزائر بعد سنين في مذكراته التي سماها الأمل (!!) .
فرنسا يسوؤها أن يقوم في الجزائر نظام سياسي يتخلص من نفوذها الظاهر والخفي، وتقوم المعاملة بينها وبينه على الندية وتبادل المصالح، هذا كلامنا لمن يخدمون إرادتها من حيث لا يشعرون، فليراجعوا مواقفهم، أما الذين يعلنون ذلك وهم معروفون، فهم خونة مجرمون، وشرذمة قليلون .
إن رأوا في السلم نفعا سارعوا ** يطلبون السلم يخشون الردى
وأسروا خلف سلم كاذب ** شن حرب تجعل السلم سدى
باحتواء الجيل في أخلاقه ** صادفا بالمكر عن نور الهدى
يظهرون الحب والود لمن ** غرهم في جهلهم هذا الجدا
وهم الصياد يعطي حبه ** ليصيد الطير لا حب الندى
فلهم في وجهنا بشر بدأ ** ولهم في ظهرنا غرس المدى
إن أرونا اليوم ثغرا باسما ** فلما ينوون من غدر غدا
من قصيدة لشيخنا عز الدين علي السيد رحمه الله عنوانها (الأعداء) .

7 من ذي القعدة 1440







التوقيع



قال تعالى:" وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا"
  رد مع اقتباس
قديم 07-15-2019, 01:43 PM   رقم المشاركة : 175
معلومات العضو
سماعيل السلفي
مشرف







سماعيل السلفي غير متواجد حالياً

افتراضي رد: خواطر متجددة تحت عنوان" عبر و فكر "

الخاطرة ١٦١
كتب عبد الله بن عمر رضي الله عنهما إلى عبد الملك بن مروان يبايعه: بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد: لعبد الله بن عبد الملك أمير المؤمنين، سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، وأقر لك بالسمع والطاعة على سنة الله، وسنة رسوله فيما استطعت".
رواه مالك عن عبد الله بن دينار، ورواه البخاري عنه أيضا قال: "شهدت ابن عمر حيث اجتمع الناس على عبد الملك، قال وكتب: إني أقر بالسمع والطاعة لعبد الله عبد الملك أمير المؤمنين على سنة الله وسنة رسوله ما استطعت، وإني بني قد أقروا بمثل ذلك".
في هذا الأثر من العلم :
1- بدء الرسائل بالبسملة، وهذا ثابت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما في رسالته إلى هرقل ملك الروم وغيره، فهي السنة في بدء الرسائل .
* أما الخطب فابتداؤها بالحمد، كما في خطبة الحاجة التي كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يفتتح بها خطبه، ولم يأت عنه افتتاح الخطب بغير الحمد، وما جاء في الأحاديث من ثنائه على الله بما هو أهله؛ لا يدل على خلاف هذا .
* وأما قراءة القرآن فابتداؤها بالاستعاذة من الشيطان، كما قال الله تعالى: "فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم"، وقد رأيت بعضهم يبتدئ بها الخطب والدروس .
2 - وفيه تذكير ابن عمر عبد الملك بن مروان بعبوديته لله تعالى التي ينبغي أن تكون أساس حكمه قبل ذكره اسمه، فاسمه وإن كان يذكر بملك الله الحق، وأن ملك غيره راجع إليه؛ إلا أن معاني أسماء الأعلام تتناسى بكثرة الاستعمال، ثم ثلث بلقبه الذي هو أمير المؤمنين .
3 - وفيه استغناء المبايع بالكتابة عن الحضور، وهي من طرق التحمل والأداء .
4 - وفيه بيان أن طاعة الحاكم مقيدة بطاعة الله ورسوله، نصا أو اجتهادا .
5 - وفيه أنها مقيدة بالاستطاعة كغيرها من التكاليف .
* وقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يذكر المبايعين بقيد الاستطاعة رحمة بهم
6 - وفيه الاكتفاء في المبايعة بإخبار الشخص عن مبايعة بنيه، ولعلهم قد وكلوه على ذلك .
* ومن السنة في المبايعة مد اليد ومصافحة الرجال، وقد قال الله تعالى: "إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم" .
* وقد كان الغلمان ينشأون على حضور مبايعة أولي الأمر وممارسة البيعة، فقد روى ابن عبد البر في التمهيد والنسائي في الكبرى عن أبي العفيف وقيل ابن المعيقيب قال: "شهدت أبا بكر الصديق رضي الله عنه يبايع الناس بعد نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم، فتجتمع عليه العصابة فيقول لهم: "أتبايعون على السمع والطاعة لله ولكتابه ثم للأمير"؟، فيقولون: نعم، فتعلمت شرطه هذا وأنا كالمحتلم أو فوقه، فلما خلا من عنده؛ أتيته فابتدأته فقلت: "أبايعك على السمع والطاعة لله ولكتابه ثم للأمير، فصعد في البصر، ورأيته أعجبه".
وروى ابن عبد البر عن عمرو بن عطية قال: "أتيت عمر بن الخطاب وأنا غلام فبايعته على كتاب الله، وعلى سنة رسوله: هي لنا، وهي علينا، فضحك وبايعني".
فقارن هذا الوعي السياسي وحضور المشاهد والاقتداء بالأخيار الذي كان عليه الغلمان في عهد الصحابة: (هي لنا، وهي علينا) (أبايعك على السمع والطاعة لله ولكتابه ثم للأمير) قارنه بجنون ما عليه الكهول والشيوخ المفتونين بنصر الكرة الموهوم، بل سمعت بعض (المفتين) يبكي بحرقة، ويخلط اللهو بالجد فيدعو بالنصر للهلال على الصليب:
سارت مشرقة وسرت مغربا ** شتان بين مشرق ومغرب !! .
12 من ذي القعدة 1440







التوقيع



قال تعالى:" وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا"
  رد مع اقتباس
قديم 07-15-2019, 06:53 PM   رقم المشاركة : 176
معلومات العضو
سماعيل السلفي
مشرف







سماعيل السلفي غير متواجد حالياً

افتراضي رد: خواطر متجددة تحت عنوان" عبر و فكر "

تصحيح في الخاطرة ١٦١

كلمة (بن) في البداية مقحمة والصحيح لعبدالله عبدالملك...







التوقيع



قال تعالى:" وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا"
  رد مع اقتباس
قديم 07-18-2019, 01:08 PM   رقم المشاركة : 177
معلومات العضو
سماعيل السلفي
مشرف







سماعيل السلفي غير متواجد حالياً

افتراضي رد: خواطر متجددة تحت عنوان" عبر و فكر "

الخاطرة ١٦٢
من بلاغات مالك في كتاب الجامع أن مسكينا سأل عائشة رضي الله عنها وهي صائمة وليس في بيتها إلا رغيف، فقالت لمولاة لها: "أعطيه إياه"، فقالت: "ليس لك ما تفطرين عليه"، فقالت: "أعطيه إياه"، قالت: "ففعلت"، قالت: "فلما أمسينا أهدى لنا أهل بيت أو إنسان، ما كان يهدي لنا، شاة وكفنها، فدعتني عائشة أم المؤمنين فقالت: "كلي من هذا، هذا خير من قرصك".
في هذا الأثر ثلاثة مباحث:
أولها: ما كانت عليه أم المؤمنين من الإيثار على نفسها، واثقة بأن الله يعوضها خيرا مما أعطت عاجلا أو آجلا، وكثيرا ما يعجل الله للمنفق الإخلاف، وهو مجرب - والله - مصداقا لقول الله تعالى "وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه"، وقوله في الحديث القدسي: "يا ابن آدم أنفق أنفق عليك"، وتأمل قولها لمولاتها: "كلي من هذا، هذا خير من قرصك"، و"ما" في قولها: "ما كان يهدي لنا"؛ نافية، ويحتمل أن تكون موصولة، والأول أنسب للمقام .
وثانيها: ما عرف عن الصديقة أنها تعطي القليل وتعطي الكثير، وهذا يسهل معه العطاء والإنفاق، وقد استطعمها مسكين وبين يديها عنب، فقالت لإنسان: "خذ حبة فأعطه إياها"، فجعل ينظر إليها ويعجب، فقالت: "أتعجب؟، كم ترى في هذه الحبة من مثقال ذرة"؟، وأحسب أن فعل أم المؤمنين هذا - وقد جاء عن غيرها من الصحابة - أرادت به تعليم الناس حتى لا تغلب العادة، فيصير الإحسان كالإساءة، ويفشو البخل، كما هو حال كثير من الناس اليوم، لأن غالب السائلين يسألون ليدخروا، وقد جاء من التشديد والوعيد في ذلك ما هو معروف، فينبغي للعالم بالشرع أن يقاوم ذلك، أو ليس من السائلين من لا يقبل أن يعطى عشرة دنانير؟، بل ربما اعتبرها إهانة، فليستحضر من شاء أن قيمة المد الذي جعله الشرع كفارة وفدية عند بعض أهل العلم تحوم حول هذا المبلغ، أو هي هو، واستحضر قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة"، وذكر من شاء أن يتذكر بامتناع النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أكل تمرة خشية أن تكون من الصدقة، وبمنع حفيده الحسن رضي الله عنه من أكلها قائلا: "كخ كخ!!، فإنها من الصدقة"، وقال: "يا نساء المؤمنات لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة"، والفرسن للشاة كالقدم للإنسان ...يتبع
14 من ذي القعدة 1440







التوقيع



قال تعالى:" وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا"
  رد مع اقتباس
قديم 07-20-2019, 10:44 AM   رقم المشاركة : 178
معلومات العضو
سماعيل السلفي
مشرف







سماعيل السلفي غير متواجد حالياً

افتراضي رد: خواطر متجددة تحت عنوان" عبر و فكر "

الخاطرة ١٦٢ (٢)
... تابع
وثالث المباحث في غريب هذا الأثر، وهو كلمة "وكفنها" هو بفتح الفاء، ما يغطي به الشيء، والشائع هو الثياب التي يدرج فيها الميت، وبسكون الفاء هو مصدر كفنه يكفنه، وكفنه بالتشديد .
وتكفين الشاة هو طريقة بعض العرب في صلي اللحم أي شيه، يسلخونها ويغطونها كلها بعجين دقيق البر (القمح)، فيكون لها كفنا، ثم يعلقونها على النار لتنضج، فيمتص العجين ما يذوب من ودكها .
أما في عصرنا فكثير من الناس يتخلصون من ودك الضأن، أو يمتنعون من أكل لحمه، لما يشاع من صلته بارتفاع نسبة الشحم في دم الإنسان، ويظن أنه من أسباب حصية الدم، التي قد تسبب الشلل، وأحسب أن مما يساعد على ذلك قلة المشي، وتعاظم الترف، مع ما تعيش عليه الأنعام اليوم من العلف الصناعي .
ومن العجب أن ينفر من لحم الضأن مع ما ورد في الغنم من كونها بركة وغير ذلك، ولا يذكر عن لحم البقر مثل هذا، مع أن فيه قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "ألبان البقر شفاء، وسمنها دواء، ولحومها داء"، وكثير من الناس يفضلون أكله بعد تعريضه للفح النار قليا أو شيا، دون تمام انضاجه، يعتقدون أنه قوة للبدن، فيعظم به عسر هضمه، وقد علل به الترغيب عنه في الحديث المذكور، وحمل بعض العلماء الحديث على بقر الحجاز خاصة ليبسه، ولم تكن تهامة ونجد أرض بقر، ولذلك لم تذكر زكاته في كتاب أبي بكر رضي الله عنه وقد أثره عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وارتبط مقدار زكاته بأرض اليمن حيث بعث إليها معاذ عليه الرضوان .
ولا بأس أن أستطرد إلى ما كان عليه غذاء العرب غالبا، فأذكر بعض أسمائه، لقد كان بسيطا، منه اللحم والتمر والشعير والحيس والخزيرة والعصيدة والحريرة والنجيرة والنخيرة والتلبينة والسويق والثريد، وبعضها متقارب، وربما تداخل أو كان بينه فروق دقيقة .
وكانوا يسمون الخبز ينضج داخل الجمر ورماده (الملة) بفتح الميم، وهو من الفصيح الدارج، ولم يكن غالب طعامهم مما ينضج بالنار، ولعل في لزوم الوضوء مما مسته صلة بذلك، ثم ترك الوضوء منه، وهو مناسب لتطور غذائهم، وكل شيء عند الله بمقدار .
وكان الثريد أفضل طعامهم، وفيه قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام"، وقيل إن هاشم بن عبد مناف إنما سمي كذلك لاشتهاره بهشم الخبز أي كسره وجعله ثريدا لإطعام الناس، وفي غرب الجزائر يقال عن الصحن الذي يوضع فيه الكسكس (مثرد)، اي موضع الثرد، وهو من الفصيح الدارج أيضا.
وكان العرب يقولون عن الحيس والثريد والحريرة ونحوها إنها طعام اليد الواحدة، أما اللحم فهو طعام اليدين، لحاجته إلى المعالجة حال الأكل، وقد قيل لأعرابي: لم تبدأ بأكل اللحم الذي فوق الثريد؟، فقال: لأن اللحم ظاعن، والثريد مقيم"، والظاعن الراحل .
ثم دخل التركيب والخلط طعام العرب، ولاسيما بعد فتوحات الشام واليمن ومصر، حيث تأثروا بعادات تلك الأمم، وكان عمر رضي الله عنه أكثر الناس ترغيبا عن التوسع في أنواع الطعام من غير تحريم، وينزع في ذلك بقول الله تعالى: "ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها"، وربما ذكر للناس ما يعرف من أنواع الطعام التي يستحسنونها، ومع ذلك يتركها زهدا، وقد دعي إلى عرس فرأى قدرا صفراء، وأخرى حمراء، وواحدة مرة، وأخرى حلوة، وواحدة محمضة، (فكدرها) كلها في قدر عظيمة، وقال : إن العرب إذا أكلت هذا قتل بعضها بعضا" !! .
يريد عمر ما يترتب على الترف من المفاسد، وقد قال الله تعالى: "وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا"، وفي الحديث: "فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها وتهلككم كما أهلكتهم" .
16 من ذي القعدة 1440







التوقيع



قال تعالى:" وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا"
  رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 02:17 PM


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2019, vBulletin Solutions, Inc.
جميع الحقوق محفوظة لمجالس العلم النافع
اختصار الروابط