img img

تنبيه

السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، نُرَحِّبُ بِجَمِيعِ أَعْضَاءِ "مَجَالِسِ العِلْمِ النَّافِعِ" وَزُوَّارِهَا، ونَدْعُوهُم للاطِّلَاع عَلَى بُنُود وقَوانٍينٍ المَجالِسِ ، وَفَّقَنَا اللهُ جَمِيعًا لحُسْنِ الإِفَادَةِ والاستِفَادَةِ

العودة   مَجَالِس العِلْمِ النَّافِعِ > مَجَالِسُ العِلْمِ النَّافِعِ لِشُيُوخِ ودُعَاةِ أَهْل السُّنَّةِ بالجَزَائرِ –حَفِظَهُمْ اللهُ-. > مجالس فضيلة الشيخ بن حنفية العابدين –حفظه الله-
التسجيل التعليمـــات قائمة الأعضاء التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 01-11-2019, 09:35 PM   رقم المشاركة : 111
معلومات العضو
سماعيل السلفي
مشرف







سماعيل السلفي غير متواجد حالياً

افتراضي رد: خواطر متجددة تحت عنوان" عبر و فكر "

الخاطرة 106(7)
*** أكثر ما عرفه العرب من تلقيح النبات تأبير النخل، قال صاحب مقاييس اللغة ما معناه: اللقاح في لغتهم يدل على إحبال ذكر لأنثى، ثم يقاس عليه ما يشبه، ومنه لقاح النعم والشجر، أما النعم فتلقحها ذكرانها، وأما الشجر فتلقحه الرياح" .
**** أما التهجين فلم يشع في لغتهم استعماله في النبات، بل قصروه على الحيوان متى لم يكن نتاجه خالصا، أو حصل قبل وقته، كما استعملوه في النطق المدخول، فيقولون: في نطق فلان هجنة، ويقولون هجين لمن أبوه خير من أمه، ويطلقون الهجنة على غلظ الخلق في الخيل كغلظ البراذين، والهاجن التي تحمل قبل وقت السفاد، ويقولون: نكح فلان في بني فلان (فبغلهم!!)، أي هجن اولادهم، ويقولون: أهجنت الشاة إذا حمل عليها في صغرها، وربما قالوا نخلة مهتجنة إذا حملت وهي صغيرة .
***** وإنما لم يشع في لغتهم تهجين النبات؛ لأنه يحصل من غير فعل الناس بين فصائل الجنس الواحد، وأحسب أنه يحصل في الحيوان على نطاق أقل من النبات، والعبرة اختلاف الألوان والأشكال مع اتحاد الاصل، قال الله تعالى: "ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك"، وقال: "وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج" .
****** فهذا التهجين هو السبب في تعدد الأصناف في الحيوان والنبات من حيث الشكل واللون والحجم والطعم والريح والصلابة واللين وغيرها، إذ يحصل بذلك بعض التغيير في مكونات التوريث، كما قد يحصل بالمناخ والتربة والماء .
***** ثم انتقل التهجين من هذا الذي ذكر ومن المعالجة المحدودة التي قد يقوم بها الإنسان إلى صناعة تخصص لها المخابر، وتمارس على نطاق واسع في النبات وفي الحيوان لأغراض كثيرة منذ نهايات الثلث الأول من القرن الميلادي العشرين، ثم تزايدت الأغراض واختلفت مع مرور الزمان، ومنها الحصول على نبات جديد، أو سلالة على صفات خاصة مرغوبة لونا وطعما، ووقت نضج، ومقاومة للأمراض وللحد من تأثير الحشرات والظروف المناخية .
****** ثم تجاوز الأمر هذا الحد إلى التدخل في تعديل المورثات لأغراض اقتصادية في الغالب، وقد تكون لمجرد البحث ولحب الاطلاع كما في الاستنساخ، ومما صار معروفا من هذه الأغراض:
****** * تغيير شكل الثمرة الكروي إلى الشكل المكعب ليتناسب مع التعبئة!!
****** * ومنها تغليظ قشر الثمرة لوقايتها من الفساد مدة ما !!.
****** * ومنها توفير ظروف مناخية لا تتوفر في الطبيعة بالزراعات البلاستيكية .
****** * ومنها حفظ الخضر والفواكه مدة ما في البيوت المبردة .
****** * ومنها التحكم في النضج بتوفير درجة الحرارة المناسبة في تلك الغرف .
****** * ومنها قصر صلاحية الحب على البذر أو الاستهلاك !!
****** ويقول الذين يعنون بالتاريخ لهذا الأمور إنه قد تم بيع بذور الذرة المهجنة للمزارعين أول مرة عام 1922 وبحلول منتصف الأربعينيات من القرن الماضي كانت معظم نباتات الذرة المزروعة في المناطق الرئيسة من النوع المهجن، أما اليوم فقد عم التهجين غير الذرة من الحبوب، وصرنا نعرف البذور المهجنة برموز خاصة تدون على أوعيتها .
******* إذا كان كل هذا قد تم في أقل من قرن فلك أن تتساءل عن الحد الذي سينتهي إليه هذا المسار في تغيير خلق النبات، وطمس معالم تميز اجناسه، وما لذلك من الأثر على الإنسان .
******** لست مؤهلا للكلام عن تفاصيل هذا التأثير، لكن بإمكاني القول غير متردد إن الناس قد تجاوزوا في هذا التدخل القدر النافع لهم، وهو الذي أذن به النبي صلى الله عليه وآله وسلم حين قال: "إن كان ينفعهم فليصنعوه"، وماذا وراء النفع غير الضر بصحة الناس؟، والكلام هنا لأهل التخصص، وإن كانت بعض الآثار بادية، وللحديث بقية* .
********** 4 جمادى الأولى 1440
************* بن حنفية العابدين







التوقيع



قال تعالى:" وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا"
  رد مع اقتباس
قديم 01-19-2019, 06:18 AM   رقم المشاركة : 112
معلومات العضو
سماعيل السلفي
مشرف







سماعيل السلفي غير متواجد حالياً

افتراضي رد: خواطر متجددة تحت عنوان" عبر و فكر "

جمع لخواطر التأبير و اللقاح :

الخاطرة 106
الزوج في لغة العرب ضد الفرد، وهو الشيء يقترن بغيره، كما قال الله تعالى: "جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن الأنعام أزواجا يذرأكم فيه"، ويطلق على أفراد الجنس يجمعهم وصف ما، يكونون به مجموعات، كما قال الله تعالى: "وكنتم أزواجا ثلاثة"، وقال: "احشروا الذين ظلموا وأزواجهم"، أي قرناءهم .
والتزاوج سنة كونية عامة، يقف الناس على كنهها في بعض الأجناس، ويجهلون وجهها في كثير من المخلوقات من الأحياء والجماد، تدخل فيها صلة الذكر بالأنثى، وما بين المعاني من التكامل، أو من التقابل والتضاد، ومنها السالب والموجب في الكهرباء .
وقد دل على شمول هذه الثنائية المخلوقات كلها قول الله تعالى: "سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون"، وما أكثر ما لا نعلم من هذه الأزواج، ومن أسرار ما نعلم منها، وقال: "ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون"، وهذا يعم المخلوقات كلها، وبعدها: "ففروا إلى الله"، أي إذا كان الأمر كذلك فلا يكون اللجأ إلا إلى الله لأنه هو الواحد الأحد الفرد الصمد، وهذا نظير قوله تعالى: "ليس كمثله شيء" عقب تقرير السنة الكونية في التزاوج في سورة الشورى، فالتزاوج في المخلوقات من أعظم البراهين على وحدانية الله .
والتزاوج في الحيوان والنبات الذي هو وسيلة التكاثر والتوالد وما دونها من المصالح والمنافع، سخر الله لحصوله أسبابا يتم بها، منها الغرائز في الإنسان والحيوان، ومنها وسائل التلقيح الأخرى في النبات كالرياح والحشرات والماء، أما تدخل الإنسان في التلقيح فهو استثناء، وأبرز محل له فيما أحسب النخل يؤبر، وقد نهى عنه النبي صلى الله عليه وآلله وسلم حين هاجر إلى المدينة، ثم ترك أمره للناس لأنه من أمور الدنيا، فما حقيقة نهيه؟، وما وجه إذنه؟، وما معنى أنه من أمور الدنيا والحال أنه صلى الله عليه وآله وسلم أعلم بمجال التشريع من غيره الذي يرجع إلى التجربة والاختبار؟، فلننظر في نصوص الأحاديث الواردة في التأبير أولا، ثم لنقف عليها بما قد يصلح جوابا عن تلك الأسئلة .
16 ربيع الثاني 1440
بن حنفية العابدين

الخاطرة 106 (02)

أذكر في هذا الجزء الأحاديث الواردة في تأبير النخل، وقد جاءت عن عدد من الصحابة رضي الله عنهم، منهم أم المؤمنين عائشة، وأنس، ورافع بن خديج، وطلحة، وجابر بن عبد الله، وهي في الجملة في مسند أحمد، وأبي داود الطيالسي، والبزار، وصحيح ابن حبان، وسنن ابن ماجة، ومعجمي الطبراني: الأوسط والكبير، وغيرها، وأحاديث الأربعة الأول هي في صحيح مسلم.
فمنها ما رواه عن رافع بن خديج رضي الله عنه قال: "قدم نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم المدينة وهم يأبرون النخل: يقولون يلقحون النخل، فقال: ما تصنعون"؟، قالوا: كنا نصنعه"، قال: "لعلكم لو لم تفعلوا كان خيرا"، فتركوه، فنفضت، أو فنقصت، قال: "فذكروا ذلك له فقال: "إنما أنا بشر، إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنما أنا بشر"، وهو في صحيح ابن حبان والمعجم الكبير للطبراني .
وروى عن موسى بن طلحة عن أبيه قال: "مررت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقوم على رؤوس النخل، فقال: "ما يصنع هؤلاء"؟، فقالوا: "يلقحونه، يجعلون الذكر في الأنثى فيلقح، فقال: "ما أظن يغني ذلك شيئا، قال: "فأخبروا بذلك فتركوه"، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بذلك فقال: "إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه، فإني إنما ظننت ظنا فلا تؤاخذوني بالظن، إذا حدثتكم عن الله شيئا فخذوا به، فإني لن أكذب على الله عز وجل"، وهو في مسند أحمد، وأبي داود الطيالسي، والبزار، وسنن ابن ماجة .
كما روى عن هشام بن عروة عن أبيه عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وعن ثابت عن أنس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مر بقوم يلقحون، فقال: "لو لم تفعلوا لصلح، قال فخرج شيصا، فمر بهم فقال:"ما لنخلكم؟!، قالوا: قلت كذا وكذا"، قال: "أنتم أعلم بأمر دنياكم" .
وروى الطبراني في معجمه الأوسط عن جابر قال: "أبصر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الناس يلقحون النخل، فقال: "ما للناس؟!، قال: "يلقحون يا رسول الله، قال: "لا لقاح"، أو ما أرى اللقاح بشيء"، فتركوا اللقاح، فجاء تمر الناس شيصا، فقال: "ما أنا بزارع، ولا صاحب نخل، لقحوا".
غريب الحديث :
قوله "يأبرون"، هو ثلاثي، ويقال أيضا يؤبرون رباعي، ومعناه يلقحون، وقد فسر التلقيح في الحديث بأنه وضع الذكر على الأنثى، وقوله "شيصا"، هو الحشف، التمر الذي لا لحم فيه، أو الذي لا يشتد نواه ويقوى، وقوله "فنفضت"، أي تساقط تمرها، وقوله "نقصت"، النقص لازم للنفض، ومن المجرب عند فلاحي جهتنا أن وضع ذكر شجر التين على أنثاه يقل به النفض، وأذكر في الجزء الآتي إن شاء الله كلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم في التأبير وأقوال أهل العلم في معنى هذه الأحاديث .

19 شهر ربيع الثاني 1440
بن حنفية العابدين
الخاطرة 106 (3)
ظاهر أحاديث تأبير النخل التي قيلت في المدينة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رأى ما لم يعهده من قبل وهو التأبير، وقد شكك في ذلك بعضهم محتجا بكونه عربيا نشأ في بلاد العرب، وعمره كان يومئذ ثلاثا وخمسين سنة، فكيف يجهل التأبير؟، وسيأتي ذكر ما فيه .
وفي الأحاديث دلالة على أن إنكاره قد تكرر، لاختلاف الألفاظ، وتعدد الرواة، وانه قد شاع وعلم، فبلغ أم المؤمنين عائشة، وأنه لم يوح إليه فيه شيء رغم طول المدة .
وكلامه صلى الله عليه وآله وسلم في هذه الأحاديث ذو مقامات ثلاثة: الأول هو سؤاله عن التأبير، ومنه قوله: "ما للناس"؟، وقوله: "ما تصنعون"؟، وقوله: "ما يصنع هؤلاء"؟، وهذا سؤال عما يعني، لما قد يترتب على الجواب من حكم بالجواز أو المنع، ولأن الأصل بناء الأعمال على العلم بالشرع، وهو دليل على استمراره على الإنكار لتعدد الوقائع، والسؤال لا يلزم أن يكون لتطلب الفهم، بل قد يقع من أجل ترتيب الحكم عليه، وفي حديث عائشة ابتدأ بالإنكار من غير سؤال .
والمقام الثاني هو مقام الإنكار، وأشده قوله "لا لقاح"، إذ معناه لا لقاح مشروع، فيكون نهيا، وعمومه يتعدى تأبير النخل إلى غيره من تلقيح النبات، بل إنه يتجاوز ذلك إلى كل تلقيح في الحيوان أو النبات يكون بفعل الإنسان، وهو في الحيوان من القياس الأولوي، للاستغناء عنه بالغريزة الجنسية، ودون قوله: "لا لقاح"؛ قوله: "لعلكم لو لم تفعلوا كان خيرا"، وقوله: "لو لم تفعلوا لصلح"، يليه "ما أظن يغني ذلك شيئا" .
والثالث مقام الإذن والإقرار، وفيه قوله: "إنما أنا بشر: إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنما أنا بشر"، وأصرح منه قوله: "أنتم أعلم بأمور دنياكم"، ومثله في المعنى "إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه"، لكنه علق الجواز على حصول المنفعة، وحرف "إن" يفيد قلة وقوع ما يدخل عليه، مما يشير إلى أن الأصل عدم الجواز، فلعله هو الذي تمسك به حين أنكر التلقيح، وأقوى من ذلك كله قوله في حديث جابر إن صح: "لقحوا" .
وقوله في حديث رافع: "وإذا أمرتكم بشيء من رأيي ...الخ"؛ قد لا يكون بلفظه، لقول عكرمة بن عمار أحد رواته: "أو نحو هذا"، لكن ينبغي التنبه بخصوص الرأي إلى شيئين:
أولهما أن الرأي المذموم هو ما كان في مقابل الدليل، وهذا هو الذي يحمل عليه كلام السلف ومن دونهم من العلماء في ذمه، والثاني أن رأي الذي يعيش للشرع ويذعن له، وقد خالط الحق دمه ولحمه ليس كرأي غيره ممن على خلافه، فكيف بالنبي الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ .
وقد يقال إن قوله صلى الله عليه وآله وسلم: "إنما أنا بشر"، خرج مخرج الاعتذار، فكيف ذلك؟، فالظاهر أن المقصود من ذكر بشريته هنا تقرير أنه مثل غيره فيما يخضع للتجربة والاختبار، لكن تقريره لهذا الأصل لا يلزم منه أن يسوى بغيره فيه، وحمله الأبي شارح صحيح مسلم رحمهما الله على أمر آخر فقال: "هذا كله إعتذار لمن ضعف عقله خوف أن يزله الشيطان فيكذب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وإلا فلم يقع منه ما يحتاج إلى عذر .
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: "أنتم أعلم بأمور دنياكم"، لا يراد به العموم، بل هو عموم مراد به الخصوص، فالمقصود ما كان من القبيل الذي ورد عليه، يفسره قوله : "ما أنا بزارع ولا صاحب نخل"، وإلا فما أكثر أمور الدنيا التي تناولها الدين بالتشريع الذي لا يختلف المسلمون في لزومه.
ويتجه هنا سؤال مهم، وهو أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإن سلمنا بأنه في هذه الأمور كغيره لأنها ليست من أمور الدين إلا أنه من غير شك أعلم من غيره بأمور الدنيا التي ليست موضع تشريع، فكيف أنكر التأبير إن كان من الأمور التي لا يدخلها التشريع؟، وللحديث تتمة .
23 ربيع الثاني 1440
بن حنفية العابدين
الخاطرة 106 (4)
أذكر في هذا الجزء بعض أقوال الناس التي عرفتها في أحاديث التأبير وهي أربعة:
الأول: وهو الذي عليه جمهور أهل العلم أن إنكار النبي صلى الله عليه وآله وسلم للتأبير خطأ في أمور المعاش لأن مردها إلى التجربة والاختبار، ونظير ذلك همه بالنهي عن الغيل فلما علم أن فارس يفعلونه فلا يضرهم أذن فيه، لقلة الضرر في مقابل المصلحة الغالبة، وهذا هو ما مدلول الترجمة التي في صحيح مسلم وهي (وجوب امتثال ما قاله شرعا، دون ما ذكره من معايش الدنيا على سبيل الرأي) .
قال النووي رحمه الله، قال العلماء: قوله صلى الله عليه وآلله وسلم: من رأيي، أي في أمر الدنيا ومعايشها، لا على التشريع، فأما ما قاله باجتهاده ورآه شرعا، (ف)يجب العمل به، وليس إبار النخل من هذا النوع، بل من النوع المذكور قبله"، وقال: "وقال العلماء: ولم يكن هذا القول خبرا، وإنما كان ظنا، ...، ورأيه صلى الله عليه واله وسلم في أمور المعايش وظنه كغيره، فلا يمتنع وقوع مثل هذا، ولا نقص في ذلك، وسببه تعلق هممهم بالآخرة ومعارفها"، انتهى، قلت: "تكرر الإنكار منه صلى الله عليه وآله وسلم للتأبير، وهو يراه شائعا معمولا به، ويخبرونه أنهم كانوا يفعلونه، وأنهم يضعون الذكر على الأنثى فتلقح، لا يساعد على إطلاق هذا الذي قاله النووي رحمه الله .
وأرجع الطحاوي في كتابه (شرح مشكل الآثار) ذلك إلى أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يرى "أن الإناث في غير بني آدم لا تأخذ من الذكران شيئا، وهو الذي يغلب على القلوب، ولم يكن ذلك إخبارا عن وحي؟..."، انتهى، قلت: يخدش في هذا القول أن الفطن إذا علم أن من النخل ذكورا وإناثا يتجه ذهنه إلى الغاية من ذلك، ولا بد من علاقة، والفطانة من صفات الأنبياء اللازمة .
والقول الثاني يقع في مقابل الأول، ومضمونه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عربي نشأ في بلاد العرب، وكان عمره حين الهجرة ثلاثا وخمسين سنة، فكيف يسوغ أن يقال إنه يجهل أن النخل يصلح بالتأبير؟، وأول من علمته قال هذا قبل أكثر من أربعين سنة هو الأمير عبد القادر الجزائري رحمه الله في كتابه (المواقف)، وهو ليس عندي الآن لأثبت كلامه، وكتابه هذا فيه أباطيل عقدية كثيرة، وقد أنكر بعض حفدته نسبته إليه، وقد وجه الأمير عبد القدير الحديث بأنه أراد ان يصرفهم عن الاعتماد على الأسباب في تحصيل المنافع، ويرد هذا القول أن النبي صلى الله عليه واله وسلم يمتنع ان يلجأ في هذا الأمر العقدي إلى التعمية فينهاهم عن التأبير، ثم يأذن لهم، بل الحديث نفسه يرد هذا القول لأن ترك التأبير أفضى إلى فساد الثمرة، وهو أمر يربطهم أكثر من ذي قبل بالسبب، ثم إن هذا القول يرفع الثقة بالأخبار وبأخذ المعاني والمقاصد من الألفاظ، والالتفات إلى الأسباب من غير اعتقاد أن الله خالقها شرك، والإعراض عنها حمق وتفريط وتواكل، واصطناعها - لأنها مشروعة - طاعة وتوكل وتوحيد .
وقريب من هذا ما ذكره الشيخ محمد عوامة في كتابه (حجية أفعال النبي صلى الله عليه وآله وسلم أصوليا وحديثيا ...)، ومما قاله: "إن مما يقرره علماء العقيدة والكلام ضرورة العقل الكامل في الأنبياء عليهم الصلاة والسلام عامة، للقيام بحسن الدعوة والتعامل، وبيان شريعة الله لأقوامهم، فهل يوصف بالعقل الكامل من يجهل بدهيا من بدهيات قومه، وأمرا ضروريا من ضروريات معاشهم"؟، ومما ذكره لتقوية ما ذهب إليه معرفة النبي صلى الله عليه وآله وسلم الدقيقة بشوك السعدان مع أن موطنه نجد، كما جاء ذلك في حديث أبي سعيد الخدري عند الشيخين، حيث قال في وصف الصراط: "عليه خطاطيف وكلاليب وحسكة مفلطحة لها شوكة عقيقاء تكون بنجد يقال لها السعدان"، قال: "فمن عرف هذا الوصف الدقيق لشوكة غليظة تكون في بادية نجد لا في بادية الحجاز ...، هل يخفى عليه حاجة النخيل إلى تلقيح؟ ..."، لكنه سدده الله لم يقدم جوابا عن الأحاديث، بل اكتفى ضمنا باستبعاد ظاهرها كما ترى، وفي كلامه ما يتعقب، وللحديث بقية .
25 ربيع الثاني 1440
بن حنفية العابدين
الخاطرة 106 (5)
القول الثالث هو النسخ، ذكره الحافظ محمد بن موسى الحازمي الهمداني في كتابه (الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار)، اذ ترجم للمسألة بقوله "نهي النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن لقاح النخل، ثم الإذن بعد ذلك"، ومن قال بالنسخ أخذه من حديث جابر الذي رواه الحازمي بسنده، وقد سبق ذكر رواية الطبراني له، كما رواه الطحاوي: الثلاثة من طريق مجالد بن سعيد عن عامر الشعبي عن جابر، وفيه قوله : "لا لقاح"، وهذا أبلغ في النهي، ثم قال بعد ذلك "لقحوا" . قال الحازمي: "ذهب بعضهم إلى أن قوله "لا لقاح" في حديث جابر صيغة تدل على النهي، نحو قوله صلى الله عليه وآله وسلم: "لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل"، و"لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد"، قالوا: ولا يقال إن هذا من قبيل المصالح الدنياوية، ولا مدخل له في الأحكام الشرعية، لأن للشارع أن يتحكم في أفعال العباد كيف أراد، فهو من قبيل قوله تعالى: "فإذا طعمتم فانتشروا..."، ثم علل رده هذا الذي نقله من دعوى النسخ قائلا: "لأن المسلمين اتفقوا على استحالة وقوع ما يناقض مدلول المعجزة في حق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بدليل العقل، وذلك نحو الكفر والجهل بالله تعالى والكذب والخطإ في الأحكام الشرعية والغلط، غير أن طائفة ذهبت إلى جواز الغلط عليهم فيما يثبتون بالاجتهاد، لكنهم قالوا لا يقرون عليه..."، ثم انتهى الحازمي إلى أن الحديث يحتمل المذهبين، على ميل منه إلى القول بالنسخ .
قال كاتبه: ما رد به الحازمي دعوى النسخ ليس واضحا، لأن قوله "لا لقاح" ليس خبرا، حتى يقال إن النسخ لا يدخل الأخبار، بل المعنى لا لقاح مشروع، فهو حكم تكليفي، فلو ثبت حديث جابر باللفظ الذي صدر به الحازمي، واعتمد عليه من نقل عنهم القول بالنسخ؛ لأمكن التسليم لما قالوا، لكن الحديث فيه مجالد بن سعيد وكان قد اختلط كما قال الهيثمي في (مجمع الزوائد ومنبع الفوائد)، فلو رد الحازمي القول بالنسخ بضعف الحديث لكفى، وليس من السهل أخذ النسخ من الألفاظ الأخرى .
القول الرابع: يقف عليه من تأمل الألفاظ التي صحت في أحاديث التأبير في جانبي الإنكار والإقرار، فإنه لا يجد فيها ما فيه جزم بالمنع، ولا ما هو صريح في الجواز دون قيد، فاستحضر قوله صلى الله عليه وآله وسلم "لعلكم لو لم تفعلوا كان خيرا"، وقوله "ما أظن ذلك يغني شيئا"، وقوله "إن كان ينفعهم فليصنعوه"، وقوله: "وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنما أنا بشر"، فهي دائرة بين الظن، والرأي، وتعليق الجواز على النفع، والتفريق بين ما كان دينا، وما كان من أمور الدنيا المتروكة للناس، وكلام الشارع لا يصح أن يضرب بعضه ببعض، والمقدم عند علماء الأصول هو الجمع بين الأدلة وطاعتها جميعا، فإن لم يتأت الجمع وعلم التاريخ كان المتأخر ناسخا، وإن جهل التاريخ اعتمد على الترجيح، والمرجحات كثيرة، والجمع هنا متيسر . فإن تساءلت عن وجه التردد الذي تبين لك من كلام المعصوم صلى الله عليه وآله وسلم؛ فاعلم أن مرده إلى التعارض بين أصل غير مشروع علمه من سنة الله في تلاقح الحيوان والنبات، واستثناء من ذلك الأصل لم يعلمه، وهو تدخل الإنسان، وسيأتي لهذا الأمر إن شاء الله مزيد بيان، والله المستعان .
28ربيع الثاني 1440 بن حنفية العابدين
الخاطرة 106(6)
النبي صلى الله عليه وآله وسلم حين أنكر تأبير النخل كان على حكم الأصل الذي فطر الله المخلوقات من الحيوان والنبات عليه، وهو سنته الغالبة في التزاوج بينها، وإذا كان غيره يعلم هذا الأصل فكيف به هو وقد آتاه الله من العلوم ما لم يأت غيره؟، أولست ترى الواحد من علماء أمته وقد اصطبغ ذهنه بعلم الشرع يأتيه الأمر فيتوقف فيه، ثم يتبين انه قد أصاب في توقفه؟، وانظر إلى ما قاله العلماء في الحديث المعلل من كون العلة قد لا يعينها العالم بالحديث، ومع ذلك يصدر الحكم عليه، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "إذا سمعتم الحديث عني تعرفه قلوبكم وتلين له أشعاركم وأبشاركم، وترون أنه منكم قريب فأنا أولاكم به ... الحديث"، فإذا كان هذا شأن حواس أصحابه وعلماء الحديث المبرزين من أمته في تأثرها بما هو حق فتلين له أبشارهم وأشعارهم أو باطل فتنفر منه، وأساس علمهم الاكتساب فكيف به وقد اصطفاه الله وعلمه ما لم يعلم غيره، واتخذه خليلا؟، وقد علم الناس من أمر التلقيح اليوم ما لم يكن معروفا من قبل .
والثابت المقرر أن وسيلة توالد الأحياء وتكاثرها أودعها الله فيها غريزة، أو جعل لها وسيلة غير عمل الإنسان كالرياح والحشرات والماء، فكان تدخل الإنسان استثناء، فإذا تعداه كان تكلفا، والنخل مما استثني من هذا الأصل، وقد يكون وقت تلقيحه الناجع هو ما قبل بروز العضو المذكر من غمده القوي، وتهيئه لأن تحمله الريح إلى الإناث كغيره من النباتات، أو لأن الريح لا تحمله كما ينبغي، فعرف بالتجربة احتياجه إلى فعل الإنسان، ولهذا علقت مشروعيته على النفع لأنه من أمر الدنيا، وقد يكتفى في التلقيح بغرس شجرة ذكر بين الأشجار الإناث، والغرض منه إما صلاح الثمرة كما في النخل، أو تثبيتها وعدم سقوطها، وأحسب أن هذا قد يكون في النخل أيضا لما جاء في الحديث من قول الراوي "فنفضت أو فنقصت" .
ومما يشير إلى احدى وسائل التلقيح على سبيل المجاز قول الله تعالى: "وأرسلنا الرياح لواقح"، قيل معناها حوامل، لأنها تحمل الماء والسحاب والخير والنفع، وقيل معنى لواقح ملقحة (بكسر القاف)، وهو الأصل في الاستعمال، لأنها تلقح الشجر فيورق ويثمر ويزهر، قال القرطبي: "وكل ذلك صحيح، أي منها ما يلقح الشجر، كقولهم عيشة راضية، أي فيها رضا، وليل نائم، أي فيه نوم، ومنها ما تأتي بالسحاب" .
لكن هذا الذي عرفه الناس من حمل الرياح الأعضاء المذكرة لتلقيح الأعضاء المؤنثة لم يكن العرب يعرفونه، وإن كانوا يعرفون التأبير، إلى أن اكتشف الناس أعضاء الذكورة والأنوثة في النبات، وعلموا أنها تثمر بالتلقيح، وأن الرياح تنقل مادة الذكورة من ذكرها إلى أنثاها فتلقحها، ولما علم أحد المستشرقين المطلعين على القرآن هذا الأمر قال: إن أصحاب الإبل - يريد العرب - قد عرفوا أن الريح تلقح الأشجار والثمار قبل أن يعرفها أهل أوربا بثلاثة عشر قرنا، مع أن أهل التفسير اعتبروا التلقيح في الآية مجازا .
استثناء فرد أو أكثر لحاجته إلى تدخل الإنسان في تلقيحه لا يلغي ذلك الأصل الذي تبقى مخالفته غير مشروعة قد تصل إلى التحريم بحسب الغرض، وصورة التلقيح، والأجناس الممارس عليها، وهو في الحيوان أبرز منه في النبات، وأحسب أن هذا الذي صدر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من التمسك بهذا الأصل من دلائل نبوته، وأعلام رسالته، باعتبار ما حصل في هذا العصر من توسع في مخالفة ذلك الأصل، وما ترتب عليه من إفساد طبائع الأشياء، وفتح باب خطير لطمس الأجناس، وتغيير خلق الله، والإضرار بالإنسان .
لا أجد ما أعبر به عن هذا الذي يحصل في هذا العصر للنبات والحيوان إلا هذا الحديث الذي رواه ابن أبي حاتم وابن مردويه والنسائي عن ابن عمرو بن أوس عن أبيه عن جده مرفوعا: "إن ياجوج وماجوج لهم نساء يجامعون ما شاءوا، وشجر يلقحون ما شاءوا، فلا يموت رجل منهم إلا ترك ألفا فصاعدا"، والكلام على مخالفة هذا الهدي النبوي في هذا العصر واسع جدا، منه ما له صلة مباشرة بما نحن فيه، ومنه ما هو أولى منه بالإنكار، وما هو ملحق به، فلعلي أذكر بعضه فيما يأتي .
29 ربيع الثاني 1440
بن حنفية العابدين
الخاطرة 106(7)
أكثر ما عرفه العرب من تلقيح النبات تأبير النخل، قال صاحب مقاييس اللغة ما معناه: اللقاح في لغتهم يدل على إحبال ذكر لأنثى، ثم يقاس عليه ما يشبه، ومنه لقاح النعم والشجر، أما النعم فتلقحها ذكرانها، وأما الشجر فتلقحه الرياح" .
أما التهجين فلم يشع في لغتهم استعماله في النبات، بل قصروه على الحيوان متى لم يكن نتاجه خالصا، أو حصل قبل وقته، كما استعملوه في النطق المدخول، فيقولون: في نطق فلان هجنة، ويقولون هجين لمن أبوه خير من أمه، ويطلقون الهجنة على غلظ الخلق في الخيل كغلظ البراذين، والهاجن التي تحمل قبل وقت السفاد، ويقولون: نكح فلان في بني فلان (فبغلهم!!)، أي هجن اولادهم، ويقولون: أهجنت الشاة إذا حمل عليها في صغرها، وربما قالوا نخلة مهتجنة إذا حملت وهي صغيرة .
وإنما لم يشع في لغتهم تهجين النبات؛ لأنه يحصل من غير فعل الناس بين فصائل الجنس الواحد، وأحسب أنه يحصل في الحيوان على نطاق أقل من النبات، والعبرة اختلاف الألوان والأشكال مع اتحاد الاصل، قال الله تعالى: "ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك"، وقال: "وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج" .
فهذا التهجين هو السبب في تعدد الأصناف في الحيوان والنبات من حيث الشكل واللون والحجم والطعم والريح والصلابة واللين وغيرها، إذ يحصل بذلك بعض التغيير في مكونات التوريث، كما قد يحصل بالمناخ والتربة والماء .
ثم انتقل التهجين من هذا الذي ذكر ومن المعالجة المحدودة التي قد يقوم بها الإنسان إلى صناعة تخصص لها المخابر، وتمارس على نطاق واسع في النبات وفي الحيوان لأغراض كثيرة منذ نهايات الثلث الأول من القرن الميلادي العشرين، ثم تزايدت الأغراض واختلفت مع مرور الزمان، ومنها الحصول على نبات جديد، أو سلالة على صفات خاصة مرغوبة لونا وطعما، ووقت نضج، ومقاومة للأمراض وللحد من تأثير الحشرات والظروف المناخية .
ثم تجاوز الأمر هذا الحد إلى التدخل في تعديل المورثات لأغراض اقتصادية في الغالب، وقد تكون لمجرد البحث ولحب الاطلاع كما في الاستنساخ، ومما صار معروفا من هذه الأغراض:
* تغيير شكل الثمرة الكروي إلى الشكل المكعب ليتناسب مع التعبئة!!
* ومنها تغليظ قشر الثمرة لوقايتها من الفساد مدة ما !!.
* ومنها توفير ظروف مناخية لا تتوفر في الطبيعة بالزراعات البلاستيكية .
* ومنها حفظ الخضر والفواكه مدة ما في البيوت المبردة .
* ومنها التحكم في النضج بتوفير درجة الحرارة المناسبة في تلك الغرف .
* ومنها قصر صلاحية الحب على البذر أو الاستهلاك !!
ويقول الذين يعنون بالتاريخ لهذا الأمور إنه قد تم بيع بذور الذرة المهجنة للمزارعين أول مرة عام 1922 وبحلول منتصف الأربعينيات من القرن الماضي كانت معظم نباتات الذرة المزروعة في المناطق الرئيسة من النوع المهجن، أما اليوم فقد عم التهجين غير الذرة من الحبوب، وصرنا نعرف البذور المهجنة برموز خاصة تدون على أوعيتها .
إذا كان كل هذا قد تم في أقل من قرن فلك أن تتساءل عن الحد الذي سينتهي إليه هذا المسار في تغيير خلق النبات، وطمس معالم تميز اجناسه، وما لذلك من الأثر على الإنسان .
لست مؤهلا للكلام عن تفاصيل هذا التأثير، لكن بإمكاني القول غير متردد إن الناس قد تجاوزوا في هذا التدخل القدر النافع لهم، وهو الذي أذن به النبي صلى الله عليه وآله وسلم حين قال: "إن كان ينفعهم فليصنعوه"، وماذا وراء النفع غير الضر بصحة الناس؟، والكلام هنا لأهل التخصص، وإن كانت بعض الآثار بادية، وللحديث بقية .
4 جمادى الأولى 1440
بن حنفية العابدين
الخاطرة 106 (8)
روى أبو داود عن ابن عباس رضي الله عنهما قال كان - يعني النبي صلى الله عليه وآله وسلم - عبدا مأمورا، بلغ ما أرسل به، وما اختصنا دون الناس بشيء، إلا بثلاث خصال: أمرنا أن نسبغ الوضوء، وأن لا نأكل الصدقة، وأن لا ننزي الحمار على الفرس".
وروى أيضا عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: "أهديت لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بغلة فركبها، فقال علي: لو حملنا الحمير على الخيل، فكان لنا مثل هذه"!!، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إنما يفعل ذلك من لا يعلمون"!.
قارن بين صيغة الإنكار على تدخل الإنسان في تلاقح الحيوان، وما سبق ذكره في إنكاره تأبير النخل، ثم إذنه المعلق على النفع، أما هنا فأنكر مطلقا، مع أن البغال نفعها عظيم للناس .
قال الخطابي في شرحه لسنن أبي داود المسمى (معالم السنن): "يشبه أن يكون المعنى في ذلك - والله أعلم - أن الحمر إذا حملت على الخيل تعطلت منافع الخيل، وقل عددها، وانقطع نماؤها، والخيل يحتاج إليها للركوب والركض والطلب، وعليها يجاهد العدو، وتحرز الغنائم، ولحمها مأكول ...، إلى أن قال: إلا أن يتأول متأول أن المراد بالحديث صيانة الخيل عن مزاوجة الحمر، وكراهية اختلاط مائها بمائها، لئلا يضيع طرقها، ولئلا يكون منه الحيوان المركب من نوعين مختلفين".
فأنت ترى أنه علل الحكم بعلة مركبة، ومن أجزائها منافع الخيل في الجهاد، وأكل لحومها، وبعض ما علل به قد انقطع، وبعضه مختلف فيه، والتعليل بالعلة الدائمة مقدم، لأن الدوام هو الأصل في الأحكام، حتى قال العلماء إن الحكم وإن نص على دوامه كان قابلا للنسخ لأن ذلك هو أصله، قال في مراقي السعود:
وينسخ الإنشا ولو مؤبدا ** والقيد في الفعل أو الحكم بدا.
والعلة المذكورة هو ما قاله الخطابي ممرضا من أن المراد صيانة الخيل عن مزاوجة الحمر، أقول:
لا خصوصية للخيل، لأن الذي أنكره النبي عليه الصلاة والسلام هو تدخل الإنسان في تلاقح الحيوان، فهذا هو الأصل، قال الله تعالى: "وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم"، وقال الله تعالى: "ولآمرنهم فليغيرن خلق الله"، وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الكلاب وهي غير مأذون في اتخاذها ولا في بيعها: "لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها، فاقتلوا كل أسود بهيم".
إذا كان تدخل الناس في تهجين النبات قد ظهرت بعض أضراره نتيجة تجاوز حد تحصيل المنفعة المشروعة كما سبق ذكره؛ فإنهم أوغلو إيغالا عظيما في تهجين الحيوان، ووصلوا بتطبيقاته إلى ما يصح أن يعتبر إفسادا للأجناس، ومنه ما هو طريق إلى إفساد الأنساب، وإلى المحرم الذي لا يختلف فيه المسلمون، وإن كان قد حقق بعض المنافع، كخروج بعض الحالات التي كانت تظن عقما في الناس، فعولجت بطريقة أطفال الأنابيب، والتلقيح الصناعي .
ومن الأمور التي هي محرمة، أو مفضية إلى المحرم، أو إلى إفساد طبائع الأشياء لما فيها من مخالفة ما فطر الله المخلوقات عليه :
* اختصار دورة الحيوان الجنسية في لقاح يوضع في رحم الأنثى !! .
* ابتكار وسائل تحرك الغريزة للحصول على التوالد في أوقات معينة.
* استخراج لقاح الحيوان وحفظه وبيعه وقد أقبل كثير من الدول عليه لرخصه.
* حفظ لقاح الانسان واستخدامه .
* ومن آثاره فساد الأنساب إذ يمكن أن تحمل من تشاء بمن تشاء !! .
* ومن آثاره إمكان حمل المرأة من زوجها بعد موته !! .
* ومن آثاره كراء أرحام النساء لاستقبال الجنين الناتج عن التلقيح .
لعل في هذا الذي كتبته عن حديث تأبير النخل ما يجلي وجه إنكار النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذلك التأبير، ثم إذنه فيه مقيدا، حيث جاء هذا الذي أشرت إليه من توسع الناس في تهجين النبات والحيوان ما علم به وجه ذلك .
لقد رأينا من العلماء الربانيين من أنكر أشياء في بداية أمرها لم يتفطن لها غيره، ثم استفحل أمرها، وانتشر خطرها، وقد ذكرت أمثلة عنها في غير هذا الموضع، وقد قال الله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يوتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به"، فإذا كان هذا شأن أتباع الأنبياء فكيف بالأنبياء؟، وكيف بمقدمهم وسيد ولد آدم الذي ختمت شريعته الشرائع، وجاءت حافظة لمصالح الخلق في الدنيا والآخرة؟، فاللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وإخوانه، والحمد لله رب العالمين .
21 جمادى الأولى 1440
بن حنفية العابدين







التوقيع



قال تعالى:" وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا"
  رد مع اقتباس
قديم 01-19-2019, 06:21 AM   رقم المشاركة : 113
معلومات العضو
سماعيل السلفي
مشرف







سماعيل السلفي غير متواجد حالياً

افتراضي رد: خواطر متجددة تحت عنوان" عبر و فكر "

الخاطرة 106 (8)
روى أبو داود عن ابن عباس رضي الله عنهما قال كان - يعني النبي صلى الله عليه وآله وسلم - عبدا مأمورا، بلغ ما أرسل به، وما اختصنا دون الناس بشيء، إلا بثلاث خصال: أمرنا أن نسبغ الوضوء، وأن لا نأكل الصدقة، وأن لا ننزي الحمار على الفرس".
وروى أيضا عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: "أهديت لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بغلة فركبها، فقال علي: لو حملنا الحمير على الخيل، فكان لنا مثل هذه"!!، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إنما يفعل ذلك من لا يعلمون"!.
قارن بين صيغة الإنكار على تدخل الإنسان في تلاقح الحيوان، وما سبق ذكره في إنكاره تأبير النخل، ثم إذنه المعلق على النفع، أما هنا فأنكر مطلقا، مع أن البغال نفعها عظيم للناس .
قال الخطابي في شرحه لسنن أبي داود المسمى (معالم السنن): "يشبه أن يكون المعنى في ذلك - والله أعلم - أن الحمر إذا حملت على الخيل تعطلت منافع الخيل، وقل عددها، وانقطع نماؤها، والخيل يحتاج إليها للركوب والركض والطلب، وعليها يجاهد العدو، وتحرز الغنائم، ولحمها مأكول ...، إلى أن قال: إلا أن يتأول متأول أن المراد بالحديث صيانة الخيل عن مزاوجة الحمر، وكراهية اختلاط مائها بمائها، لئلا يضيع طرقها، ولئلا يكون منه الحيوان المركب من نوعين مختلفين".
فأنت ترى أنه علل الحكم بعلة مركبة، ومن أجزائها منافع الخيل في الجهاد، وأكل لحومها، وبعض ما علل به قد انقطع، وبعضه مختلف فيه، والتعليل بالعلة الدائمة مقدم، لأن الدوام هو الأصل في الأحكام، حتى قال العلماء إن الحكم وإن نص على دوامه كان قابلا للنسخ لأن ذلك هو أصله، قال في مراقي السعود:
وينسخ الإنشا ولو مؤبدا ** والقيد في الفعل أو الحكم بدا.
والعلة المذكورة هو ما قاله الخطابي ممرضا من أن المراد صيانة الخيل عن مزاوجة الحمر، أقول:
لا خصوصية للخيل، لأن الذي أنكره النبي عليه الصلاة والسلام هو تدخل الإنسان في تلاقح الحيوان، فهذا هو الأصل، قال الله تعالى: "وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم"، وقال الله تعالى: "ولآمرنهم فليغيرن خلق الله"، وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الكلاب وهي غير مأذون في اتخاذها ولا في بيعها: "لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها، فاقتلوا كل أسود بهيم".
إذا كان تدخل الناس في تهجين النبات قد ظهرت بعض أضراره نتيجة تجاوز حد تحصيل المنفعة المشروعة كما سبق ذكره؛ فإنهم أوغلو إيغالا عظيما في تهجين الحيوان، ووصلوا بتطبيقاته إلى ما يصح أن يعتبر إفسادا للأجناس، ومنه ما هو طريق إلى إفساد الأنساب، وإلى المحرم الذي لا يختلف فيه المسلمون، وإن كان قد حقق بعض المنافع، كخروج بعض الحالات التي كانت تظن عقما في الناس، فعولجت بطريقة أطفال الأنابيب، والتلقيح الصناعي .
ومن الأمور التي هي محرمة، أو مفضية إلى المحرم، أو إلى إفساد طبائع الأشياء لما فيها من مخالفة ما فطر الله المخلوقات عليه :
* اختصار دورة الحيوان الجنسية في لقاح يوضع في رحم الأنثى !! .
* ابتكار وسائل تحرك الغريزة للحصول على التوالد في أوقات معينة.
* استخراج لقاح الحيوان وحفظه وبيعه وقد أقبل كثير من الدول عليه لرخصه.
* حفظ لقاح الانسان واستخدامه .
* ومن آثاره فساد الأنساب إذ يمكن أن تحمل من تشاء بمن تشاء !! .
* ومن آثاره إمكان حمل المرأة من زوجها بعد موته !! .
* ومن آثاره كراء أرحام النساء لاستقبال الجنين الناتج عن التلقيح .
لعل في هذا الذي كتبته عن حديث تأبير النخل ما يجلي وجه إنكار النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذلك التأبير، ثم إذنه فيه مقيدا، حيث جاء هذا الذي أشرت إليه من توسع الناس في تهجين النبات والحيوان ما علم به وجه ذلك .
لقد رأينا من العلماء الربانيين من أنكر أشياء في بداية أمرها لم يتفطن لها غيره، ثم استفحل أمرها، وانتشر خطرها، وقد ذكرت أمثلة عنها في غير هذا الموضع، وقد قال الله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يوتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به"، فإذا كان هذا شأن أتباع الأنبياء فكيف بالأنبياء؟، وكيف بمقدمهم وسيد ولد آدم الذي ختمت شريعته الشرائع، وجاءت حافظة لمصالح الخلق في الدنيا والآخرة؟، فاللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وإخوانه، والحمد لله رب العالمين .
21 جمادى الأولى 1440
بن حنفية العابدين







التوقيع



قال تعالى:" وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا"
  رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 01:22 PM


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2019, vBulletin Solutions, Inc.
جميع الحقوق محفوظة لمجالس العلم النافع
اختصار الروابط