img img

تنبيه

السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، نُرَحِّبُ بِجَمِيعِ أَعْضَاءِ "مَجَالِسِ العِلْمِ النَّافِعِ" وَزُوَّارِهَا، ونَدْعُوهُم للاطِّلَاع عَلَى بُنُود وقَوانٍينٍ المَجالِسِ ، وَفَّقَنَا اللهُ جَمِيعًا لحُسْنِ الإِفَادَةِ والاستِفَادَةِ

العودة   مَجَالِس العِلْمِ النَّافِعِ > مَجَالِسُ العِلْمِ النَّافِعِ لِشُيُوخِ ودُعَاةِ أَهْل السُّنَّةِ بالجَزَائرِ –حَفِظَهُمْ اللهُ-. > مجالس فضيلة الشيخ خالد لوصيف –حفظه الله-
التسجيل التعليمـــات قائمة الأعضاء التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 03-22-2019, 07:55 AM   رقم المشاركة : 31
معلومات العضو
سماعيل السلفي
مشرف







سماعيل السلفي غير متواجد حالياً

افتراضي رد: من فوائد الشيخ خالد أوصيف حفظه الله تعالى

لسنا محللين في السياسة ولا مصلحين في الاجتماع ولا خبراء في الاقتصاد ، ولكننا نبحث عن السياسة والاجتماع والاقتصاد في القرآن الكريم والسنة المطهرة ، فنُقلل من الكلام البشري ونكثر من الكلام الأثري ، لأن الله يقول ﴿ وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ ويقول أيضا : ﴿ مَا فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ﴾







التوقيع



قال تعالى:" وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا"
  رد مع اقتباس
قديم 03-27-2019, 06:06 PM   رقم المشاركة : 32
معلومات العضو
سماعيل السلفي
مشرف







سماعيل السلفي غير متواجد حالياً

افتراضي رد: من فوائد الشيخ خالد أوصيف حفظه الله تعالى

أَهْلُ سُنةٍ أَم فَجرَةٌ جَهَلَة ؟
قال مُحَمَّدَ بن عَبْدِ الجَبَّارِ الفُرْسَانِي:
" وَكَانَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي ذَلِكَ الوَقْتِ مَهْجُوراً بِسبب المَذْهَب، وَكَانَ بَيْنَ الأَشْعَرِيَّةِ وَالحنَابِلَة تعصب زَائِدٌ يُؤَدِّي إِلَى فِتْنَة، وَقِيْلٍ وَقَالٍ، وَصُدَاعٍ طَوِيْلٍ، فَقَامَ إِلَيْهِ أَصْحَابُ الحَدِيْث بسكَاكين الأَقْلاَم، وَكَادَ الرَّجُلُ يُقْتَل."
نقله الذهبي ثم قال : " قُلْتُ: مَا هَؤُلاَءِ بِأَصْحَابِ الحَدِيْث، بَلْ فَجرَةٌ جَهَلَة، أَبعد اللهُ شَرَّهُم." سير أعلام النبلاء 13/158







التوقيع



قال تعالى:" وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا"
  رد مع اقتباس
قديم 03-30-2019, 07:30 AM   رقم المشاركة : 33
معلومات العضو
سماعيل السلفي
مشرف







سماعيل السلفي غير متواجد حالياً

افتراضي رد: من فوائد الشيخ خالد أوصيف حفظه الله تعالى

تَأَمَّل (9)
فائدتان في قوله ﴿ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً﴾ :
الأُولَى : أنَّ القَولَ الحَسن مَبذولٌ لكلِ النَّاسِ بَرهِمْ وفَاجِرِهِمْ ، مُؤمِنِهِمْ وكَافِرِهِمْ
الثانية : فِي إعْمَال المَصْدرِوحَذْفِ القَولِ شِدِةُ المُبَالغَةِ في الأَمْر والمَقصُودُ : الحُسنُ في أَلفاظ القَول وحُروفهِ وبَواعِثهِ وَوَقتهِ وأُسلوبِهِ .






التوقيع



قال تعالى:" وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا"
  رد مع اقتباس
قديم 04-04-2019, 01:12 PM   رقم المشاركة : 34
معلومات العضو
سماعيل السلفي
مشرف







سماعيل السلفي غير متواجد حالياً

افتراضي رد: من فوائد الشيخ خالد أوصيف حفظه الله تعالى

مناقشة منشور ( التغيير )
فُتحت حوارات ومناقشات في مختلف مواقع التواصل الاجتماعي ، حول منشور التغيير الذي نشرته بالأمس ، واستوقفتني القراءات المختلفة له، فالبعض رأى أنه جاء تأييدا للحراك مباركا لنتائجه ، والبعض رآه مضادا للحراك مستنكرا لآثاره، والبعض رآه مقللا من دور الحاكم العادل في الأمة والبعض رآه مقصرا في تحديد آلية التغيير...
ولو تأمل أهل الحوار والنقاش في كلمتين ، الأولى( المهم ) عن تغيير رأس الهرم والأخرى ( الأهم ) عن تغيير الأنفس ، لكفتهما عن كثير من التأويلات والاجتهادات...
فبفهم (المهم والأهم) تجتمع الأدلة الشرعية والآثار السلفية والشواهد التاريخية، وحينها ستتعدل زاوية الرؤية وتكون أكثر اتساعا من ذي قبل.
مواقف الباحث وأحكامه ترجع إلى أصوله العلمية أولا ثم إلى قوته العقلية ثانيا ، وبحسبهما تتباين الأقوال والأفكار وهذا واضح وبين ، ولكن الذي يغفل عنه الكثيرون في تنزيل الأحكام هو ضرورة تصور المسائل تصورا صحيحا قال تعالى: ﴿ وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً ﴾ قال ابن تيمية في جوابه عن إحدى المسائل : "هذه المسألة ونحوها تحتاج قبل الكلام في حكمها إلى حسن التصور لها " مجموع الفتاوي 721/ 10 ومن قواعد أهل النظر السيارة التي ينبغي اعتبارها في مسألتنا ( الحكم علىى الشيئ فرع عن تصوره ) والله من وراء القصد وهو يهدي إلى سواء السبيل.







التوقيع



قال تعالى:" وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا"
  رد مع اقتباس
قديم 04-15-2019, 05:08 PM   رقم المشاركة : 35
معلومات العضو
سماعيل السلفي
مشرف







سماعيل السلفي غير متواجد حالياً

افتراضي رد: من فوائد الشيخ خالد أوصيف حفظه الله تعالى

كليتوا البلاد يا السراقين!!
كلمة سمعناها خلال الشهرين الماضيين في المظاهرات والمسيرات ،كلمة براقة أخاذة تشد إليها القلوب والعقول، ولحماسة قائليها خُيل إلينا أنه لا سارق غير الرئيس وحاشيته وأن عموم الشعب في حل منها
مناسبة كلمتي هذه أنني ركبت اليوم على متن " الترامواي " من باب الزوار الجسر إلى سيدي إدريس 13 محطة، وخلال ثلث ساعة رأيت تذكرة واحدة تداولها 10 أفراد بين شيوخ وكهول وشباب وذكور وإناث في مشهد من مشاهد التكافل والتعاون والإحسان والصدقات فلا يسلمها أحدٌ لآخر حتى تنطلق التبريكات والتحايا والأدعية والثناء والتعظيم...
وفي رحلة العودة دخل المراقبون ففر -بلا مبالغة- نصف الركاب ، وأكثر النصف الباقي صرح بأنه لم يدفع ثمن التذكرة ولن يدفع غرامتها ولن ينزل ...نعم هو تطبيق لكلمة " كليتوا البلاد يا السراقين " لكن بشياكة وذوق لا يتطرق إليه وخز ضمير ولا تأنيب نفس ولا شعور بذنب...
إن من يظن أن الشعب قد استفاق من غفلته وانتبه من نومته فهو واهم ،لأن الاستيقاظ له أسبابه وآلياته وطرقه، ولن يتحقق في شهرين ولا في أضعاف الشهرين ...وإنما اجتثاث الفساد من جذوره وتجفيف منابع الانحلال والتفسخ الأخلاقي ثم إعادة بناء المنظومة المجتمعية على أُسس القيم ودعائم المبادئ الصحيحة يمتد إلى أجيال متعاقبة بل حتى بمنظور الحضارة الغربية -لمن فُتن بها- احتاجت الثورات الأوروبية وفي مقدمتها الفرنسية إلى أجيال لبلوغ الوعي الحضاري وإصلاح السلوك المجتمعي ووقف انهيار القيم الضاغطة فيه
وفي الوحي المطهر ذِكرٌ لقصص الأنبياء والمرسلين وما قاموا به من عمل مضني في المجال الدعوي والتربوي والتعليمي فرسول الله ﷺ انتظر انقضاء الجيل الأول من المدعوين فقال كما في مسلم «بَلْ أَرْجُو أَنْ يَخْرُجَ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا » فهلك جيل أبي جهل وأمية بن خلف والوليد بن المغيرة ...وخلفه الجيل الثاني من أصلاب الهَلكى ، فكان عكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية بن خلف وخالد بن الوليد بن المغيرة رضي الله عن الصحابة أجمعين ومكث نوح ﷺ قرابة عشرة قرون في قومه داعيا ومربيا وموجها ،ومع طول المدة والمقام بين أظهرهم ﴿ ما آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ ﴾ ومن أسرار القرآن الكريم في سورة العنكبوت وهي سورة فيها بيان الفتن وأنواعها قال تعالى في مطلعها ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ فاقتصر على ذكر زمن مكوثه مع قومه إشارة إلى أن من الفتن في مجال التغيير فتنة الوقت قصرا وطولا
فمن رام عملية التغيير السلوكي والمجتمعي فهذه النواميس الكونية والقوانين الربانية والسنن الإلاهية التي تحكمها ﴿ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ﴾ ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا ﴾ ولن يقدر البشر – كل البشر - على خرقها بنُظم وأفكار وسياسات وأمثال ،قال تعالى : ﴿ فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾







التوقيع



قال تعالى:" وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا"
  رد مع اقتباس
قديم 04-18-2019, 06:06 PM   رقم المشاركة : 36
معلومات العضو
سماعيل السلفي
مشرف







سماعيل السلفي غير متواجد حالياً

افتراضي رد: من فوائد الشيخ خالد أوصيف حفظه الله تعالى

ليت إخواننا أئمة المساجد يبدأون نشاطهم المكثف هذا العام قبل رمضان، ثم يضاعفوه في رمضان، حيث يُتوقع الإقبال الكبير على المساجد في ظل الأوضاع التي تعيشها الجزائر، وهي فرصة لخطاب الناس وتوجيههم إلى ما يحبه الله ويرضاه ، قال شعيب ﷺ ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾







التوقيع



قال تعالى:" وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا"
  رد مع اقتباس
قديم يوم أمس, 05:14 PM   رقم المشاركة : 37
معلومات العضو
سماعيل السلفي
مشرف







سماعيل السلفي غير متواجد حالياً

افتراضي رد: من فوائد الشيخ خالد أوصيف حفظه الله تعالى

خطاب المتظاهرين... إصلاحٌ بين الثوابتِ والمتغيراتِ
﴿ ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ ﴾ فسادٌ علميٌ وتعبديٌ، فسادٌ سلوكيٌ وأخلاقيٌ، فسادٌ اجتماعيٌ واقتصاديٌ... ولستُ هنا بحاجة إلى أن أذكر الفسادَ السياسي لأنَّ المشارَ إليهم في الآية لم يكن أحدٌ منهم يحكم بما أنزل الله ، لذا أرسل الله الرُسُلَ وجعل المقصد الأسمى من إرسالهم الإصلاح ،قال تعالى في مقصد بعثة أفضل الأنبياء والمرسلين : ﴿ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾
ولإصلاح الإنس والجان، والزمان والمكان، والعقول والوجدان، أُنزلت الكتب وشُرعت الشرائع، قال تعالى: ﴿لاَ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾
ولذلك نسب الله الإصلاح لنفسه الشريفة فقال: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ وقال ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾
وجعل الله الإصلاح شطر الدين فقال: ﴿فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ وقال: ﴿فَمَنِ اتَّقى وَأَصْلَحَ فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾
ونهى عن الفساد فقال: ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها﴾ وكره الفساد والمفسدين فقال: ﴿وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسادَ﴾ وقال: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾

ولأن الجزائر تعيش هذا المخاض العسير قام بعض إخواننا جزاهم الله خيرا بواجب الإصلاح، فمجهوداتهم في هذه الأزمة تُذكر فتُشكر والله يقول: ﴿وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ﴾ وهذا الذي دعاني إلى أن أحذو حذوهم فأقول:
لا يقوم الإصلاح إلا على فسطاط العلم والفقه، وساق البصيرة واليقين، قال تعالى:﴿قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ﴾
والبصيرة هي الفقه، والفقه فقهان: " أحدهما: فهم الواقع والفقه فيه واستنباط علم حقيقة ما وقع

والنوع الثاني: فهم الواجب في الواقع، وهو فهم حكم الله الذي حكم به في كتابه أو على لسان قوله في هذا الواقع، ثم يطبق أحدهما على الآخر؛ فمن بذل جهده واستفرغ وسعه في ذلك لم يعدم أجرين أو أجرا؛ فالعالم من يتوصل بمعرفة الواقع والتفقه فيه إلى معرفة حكم الله ورسوله " (إعلام الموقعين بتصرف 69/69)
ومن الفقه الأول: إدراك عمق الأزمة الجزائرية وتشعبها فهي تتجاذبها معطيات محلية شعبية، وقِوى سياسية وعسكرية ومالية، وتحيط بها ظروف إقليمية ودولية، وليستْ هي بالسطحية التي يتصورها البعض إما متظاهرون سلميون ضد المفسدين أو خوارج مارقون على الحكام المسلمين.
وقد قصَّ الله علينا قصة الحرب الدائرة بين قوتين عظيمتين فارس والروم ،وهما دولتان كافرتان وبيَّن موقف المسلمين منها؛ حيث تابعوها واهتموا بها، وحزنوا أولًا لهزيمة الروم رغم نصرانيتهم ، ثم وعَدَهم الله بنصر الروم على فارس، ففرِحوا بهذا النصر الذي هو مِن الله عز وجل، قال تعالى: ﴿ غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾
وهل لنا اليوم بمثل جيل الصحابة الذين فقهوا أحكام الشريعة استنباطا من الكتاب والسنة، كما فقهوا مجريات ما يدور حولهم محليا ودوليا، من حروب وأزمات وفتن ومؤامرات؟

ومن الإصلاح خاصة وقت الأزمات معرفة من هو قريب منا ومن هو بعيد عنا ثم الموازنة بين القريبين بعضهم مع بعضهم والبعيدين بعضهم مع بعض فننظر الى الأشد قربا ومودة والأشد بعدا وعداوة، قال تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى﴾
وسيرة النبي ﷺ العمليَّة تدلُّ عليه، ألا ترى أنه أَذِن لأصحابه بالهجرة إلى الحبشة، وهي بلاد نصرانية وفضَّلها على بلاد الشام ودولة الروم، وهما نصرانيتان أيضا بل أبعدهم عن الجزيرة العربية بكاملها، بما فيها المدينة، وذلك لأن بالحبشة مَلِكًا لا يُظلَم عنده أحدٌ
فكيف غلظت طباع بعض الناس إلى درجة أنهم تحالفوا مع المفسدين والظالمين ضد إخوانهم ممن يجمعهم المنهج القويم والعقيدة الصافية؟

فهلا اجتمعوا كلهم لنصرة الحق وأهله، بالبحث عن المشترك وأوجه الاتفاق بينهم قبل أوجه الاختلاف؟ والله يقوله: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ﴾ وهذا مع أهل الملل الكافرة، فكيف بأهل الإسلام بعضهم مع بعض بل كيف بأهل المنهج الواحد؟ ولما ذكر الله البغض بسبب الدين قال ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾ قال بعدها ﴿وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى﴾
ومن الفقه الأول أيضا: فقه أحوال وأصناف المدعوين وخصائص كل صنف، ولذلك فصَّل الله في أحوال ومقالات المفسدين فقال: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ ولما أَرسل رسول الله ﷺ معاذا رضي الله عنه إلى اليمن أعلمه أنهم أهل كتاب لأن دعوتهم تختلف عن دعوة غيرهم فقال له «إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ...» متفق عليه
معرفة أصناف المدعوين قبل البدء بالإصلاح ضرورة دعوية، لأن نفوس الناس مختلفة وطباعهم وأحوالهم متغايرة ،ومداركهم متفاوتة ،وعليه اختلافهم في الاستجابة للإصلاح ،وإليه الإشارة في قوله ﷺ: «مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الهُدَى وَالعِلْمِ، كَمَثَلِ الغَيْثِ الكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضًا، فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّةٌ، قَبِلَتِ المَاءَ، فَأَنْبَتَتِ الكَلَأَ وَالعُشْبَ الكَثِيرَ، وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبُ، أَمْسَكَتِ المَاءَ، فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ، فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا، وَأَصَابَتْ مِنْهَا طَائِفَةً أُخْرَى، إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لاَ تُمْسِكُ مَاءً وَلاَ تُنْبِتُ كَلَأً، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللَّهِ، وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا، وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ » متفق عليه
فالحديث على الخلاف المشهور في تقسيم أصنافه -ثنائي أو ثلاثي - يدل على أن الناس أصناف وخطاب الإصلاح ليس على صورة واحدة مطردة، فلكل صنف خطاب يخصهم، فبعضهم:
" ذو القلب الواعي الزكي الذي يكتفي بهدايته بأدنى تنبيه، ولا يحتاج إلى أن يستجلب قلبه ويحضره ويجمعه من مواضع شتاته، بل قلبه واع زكي قابل للهدى غير معرض عنه، فهذا لا يحتاج إلا إلى وصول الهدى إليه لكمال استعداه وصحة فطرته، فإذا جاءه الهدى سارع قلبه إلى قبوله كأنه كان مكتوبا فيه، فهو قد أدركه مجملا ثم جاء الهدى بتفصيل ما شهد قلبه بصحته مجملا.
ومنهم من ليس له هذا الاستعداد والقبول فإذا ورد عليه الهدى أصغى إليه بسمعه وأحضر قلبه وجمع فكرته عليه وعلم صحته وحسنه بنظره واستدلاله وهذه طريقة أكثر المستجيبين ولهم نوع ضرب الأمثال وإقامة الحجج وذكر المعارضات والأجوبة عنها والأولون هم الذين يدعون بالحكمة وهؤلاء يدعون بالموعظة الحسنة فهؤلاء نوعا المستجيبين
وأما المعارضون المدعون للحق فنوعان نوع يدعون بالمجادلة بالتي هي أحسن فان استجابوا وإلا فالمجالدة فهؤلاء لا بد لهم من جدال أو جلاد ومن تأمل دعوة القرآن وجدها شاملة لهؤلاء الأقسام متناولة لها كلها كما قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ فهؤلاء
المدعوون بالكلام وأما أهل الجلاد فهم الذين أمر الله بقتالهم ﴿وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ " (مفتاح دار السعادة بتصرف171/1-172)
ففي أي صنف مما مضى أهل التظاهر؟ وهل بدأ أهل الإصلاح معهم بما بدأ به الله ورسوله ﷺ؟ وهل يجوز لأهل الإصلاح تحريض ذي السلطة على قتلهم ابتداء لأنهم لم يستجيبوا لدعوات الإصلاح؟ وهل قتل علي رضي الله عنه الخوارج ابتداء لمجرد اجتماعهم في حروراء؟
قال ابن عباس رضي الله عنه في شأن الخوارج وكان قد بلغ عددهم ستة آلاف نفر: " وكان لا يزال يجيء إنسان فيقول: يا أمير المؤمنين، إن القوم خارجون عليك- يعني علياً- فيقول: دَعُوهُم، فإني لا أقاتلهم حتى يقاتلونى، وسوف يفعلون...فقلت له يا أمير المؤمنين لَعَلي أدخلُ على هؤلاء القوم فأكلمَهم. فقال: إني أخافهم عليك. فقلت: كلا..." (رواه عبد الرزاق في مصنفه والنسائي في السنن الكبرى)
فحاورهم ابن عباس رضي الله عنه بالحجة والبرهان وهو يتوسط عسكرهم، فرجع منهم ألفان يعني ثلثهم... فأين علم وحِلم وشجاعة ابن عباس رضي الله عنه اليوم؟ وأين منهج الصحابة في المفسدين المجادلة أولا ثم المجالدة؟ فيا لله العجب كيف تستباح الفروج والدماء والأموال بأمر أحسُ أحوالِهِ وأفضلُها عند العالم الفقيه : "لا أدري "
نحتاج اليوم من يفتح مع إخواننا المتظاهرين حوارا هادئا بنَّاء بعيدا عن التصنيف والتعصب وأقصد بالحوار هنا الحوار في الواقع لا على المواقع، حوار حقيقي لا افتراضي، نحتاج إلى من يسمع بل من يستمع لهم كما استمع رسول الله ﷺ لعتبة بن ربيعة - وهو يومئذ من رؤوس الكفر وصناديد قريش - حتى فرغ من كلامه ولم يقاطعه ثم قال له: «فرغت؟» (رواه عبد بن حميد وأبو يعلى وصححه الحاكم والذهبي انظر المستدرك على الصحيحين 2/278 وانظر صحيح السيرة النبوية ص160)
وليس عيبا أن يبدأ أهل الإصلاح بالحوار - بقالبه الشرعي- حتى ولو كان الخطاب في نوادي القوم الخاصة والعامة قال الله عن نوح ﷺ: ﴿قالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهاراً فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلاَّ فِراراً وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْباراً ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهاراً ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْراراً﴾
وحريٌ بمن لا يعرف من يِخاطِب ولا بما يُخاطِب أن يكون حِلْسَ بيتِه، فلا يقتحم على الناس عقولَهم فيسرقها؛ لئلا يزيد المريض عِلة، فكفى بالناس جهلًا وفُرقة واختلافًا ما هم فيه

والحق قديم أبلج عليه نور أخَّاذٌ ﴿ بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ﴾ وسمَّاه الله سلطانا لأن عقول الناس وقلوبهم تخضع له طواعية ورغبة ،ولا يعني هذا أن كل من رأى الحق أو سمعه خضع له ،فالحق ينزل على القلوب كنزول الغيث على الأرض ،وأثره على حسب قبول المحل ،قال تعالى: ﴿ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً ﴾ فأول ما يبدأ به أهل الإصلاح إصلاح القلوب أولا ،قال عليه الصلاة والسلام : « أَلاَ وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً: إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلاَ وَهِيَ القَلْبُ » متفق عليه ،ورَدُّ الحق بسبب فساد هذه المضغة قال تعالى﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ ﴾
وفي مانع القبول يقول أيضا: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّما يَتَّبِعُونَ أَهْواءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾
ومهما كان نوع الفساد ودرجة فشوه في المجتمعات الإسلامية، وجب أن يكون مبدأ كل إصلاح بالتوحيد ومنتهاه إليه، كما هو حال كل الأنبياء مع أقوامهم على اختلافهم واختلاف فسادهم، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ وقال: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾

ومن الإصلاح مراعاة أحوال المدعوين وظروفهم الملجئة، فكيف يُخاطِب أهل الإصلاح المتظاهرين ممن أخذتهم سكرة الجوع والبطالة وضيق المسكن وتأخر الزواج...؟
تأمل يا رعاك الله في اختلاف معاملة النبي ﷺ بين ثلاث فئات شاركت في غزوة واحدة، وهي غزة حنين، الأولى مسلمة الفتح من قريش، والثانية المهاجرون، والثالثة الأنصار، فأعطى للأولى أكثر الغنائم، ووقعت على الفئتين الأخرتين مغارم القسمة

ثم تأمل ثانية يا رعاك الله في اختلاف خطابه ﷺ حينما وَجَدَ الأنصار في أنفسهم من قسمة الغنائم فخاطبهم بما هو مناسب لهم في درجتي المحبة والإيمان ،وبالمقابل أعرض عن المهاجرين فلم يخاطبهم بشيئ لأنه يجري عليهم ما يجري عليه ، وورد في الحادثة ما يلي : « ...فَخَرَجَ سَعْدٌ، فَجَمَعَ الْأَنْصَارَ فِي تِلْكَ الْحَظِيرَةِ، قَالَ: فَجَاءَ رِجَالٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، فَتَرَكَهُمْ، فَدَخَلُوا وَجَاءَ آخَرُونَ، فَرَدَّهُمْ، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا أَتَاهُ سَعْدٌ فَقَالَ: قَدِ اجْتَمَعَ لَكَ هَذَا الْحَيُّ مِنَ الْأَنْصَارِ، قَالَ: فَأَتَاهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، بِالَّذِي هُوَ لَهُ أَهْلٌ، ثُمَّ قَالَ: " يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ مَقَالَةٌ بَلَغَتْنِي عَنْكُمْ وَجِدَةٌ وَجَدْتُمُوهَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَلَمْ آتِكُمْ ضُلَّالًا فَهَدَاكُمُ اللهُ؟
وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمُ اللهُ؟ وَأَعْدَاءً فَأَلَّفَ اللهُ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ؟ "، قَالُوا: بَلِ اللهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ وَأَفْضَلُ. قَالَ: " أَلَا تُجِيبُونَنِي يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ " قَالُوا: وَبِمَاذَا نُجِيبُكَ يَا رَسُولَ اللهِ، وَلِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ الْمَنُّ وَالْفَضْلُ. قَالَ: " أَمَا وَاللهِ لَوْ شِئْتُمْ لَقُلْتُمْ فَلَصَدَقْتُمْ وَصُدِّقْتُمْ، أَتَيْتَنَا مُكَذَّبًا فَصَدَّقْنَاكَ، وَمَخْذُولًا فَنَصَرْنَاكَ، وَطَرِيدًا فَآوَيْنَاكَ، وَعَائِلًا فَآسَيْنَاكَ، أَوَجَدْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ فِي لُعَاعَةٍ مِنَ الدُّنْيَا، تَأَلَّفْتُ بِهَا قَوْمًا لِيُسْلِمُوا، وَوَكَلْتُكُمْ إِلَى إِسْلَامِكُمْ؟ أَفَلَا تَرْضَوْنَ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاةِ وَالْبَعِيرِ، وَتَرْجِعُونَ بِرَسُولِ اللهِ فِي رِحَالِكُمْ؟ فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْلَا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنَ الْأَنْصَارِ، وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ شِعْبًا، وَسَلَكَتِ الْأَنْصَارُ شِعْبًا لَسَلَكْتُ شِعْبَ الْأَنْصَارِ، اللهُمَّ ارْحَمِ الْأَنْصَارَ، وَأَبْنَاءَ الْأَنْصَارِ، وَأَبْنَاءَ أَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ " قَالَ: فَبَكَى الْقَوْمُ، حَتَّى أَخْضَلُوا لِحَاهُمْ، وَقَالُوا: رَضِينَا بِرَسُولِ اللهِ قِسْمًا وَحَظًّا، ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَفَرَّقُوا » (رواه البخاري ومسلم وأحمد واللفظ له)

وأجزل النبي ﷺ في هذه الغزوة العطاء للبعض، كصفوان بن أمية، والحارث بن الحارث بن كلدة وعيينة بن حصن، والأقرع بن حابس، وعلقمة بن علاثة، والعباس بن مرداس، وغيرهم، وقد أعطى كل واحد من هؤلاء مائة من الإبل. واستزاده بعضهم فزادهم... (انظر دلائل النبوة للبيهقي 178 /5 وأصله في صحيح مسلم وانظر عطايا المؤلفة قلوبهم في سيرة ابن هشام 2/288) وكان من نتائج هذا العطاء مارواه مسلم في الصحيح عن سعيد بن المسيب أن صفوان بن أمية قال يومها: «والله! لقد أعطاني رسول الله ﷺ ما أعطاني وإنه لأبغض الناس إلي فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إلي » هذا العطاء يدل على معرفة رسول الله ﷺ المعرفة الكاملة بما يَصلح للمدعوين ومالا يصلح لهم من أقوال وفِعال فأُزيح عن طائفة النار بحطام زائل من الدنيا ووكُل الآخرون إلى عِظم الإيمان والتقوى في قلوبهم...
ومن المعلوم أنه لم يحرك المتظاهرين ضياع الدين ولم يخرجهم إلى الشارع الحكم بغير ما أنزل الله ولم تقلقهم مظاهر الشرك والفجور والفسوق ولم يقض مضاجعهم ضياع أولادهم ووقوع شبابهم في براثن المسكرات والمخدرات وعفن التخنث والانحلال ووباء الإلحاد والتفرنس...وإنما الحراك الشعبي كان ولايزال لمطالب دنيوية بحثة ونقمة على الحكام لفسادهم وتوزيعهم غير العادلة لثروات البلاد ومقدراتها... ثم تحولت إلى مطالب سياسية محددة يجمعها قولهم " يتنحاو قع " فلن يردهم والحالة هذه فيما أحسب مثل خطاب النبي ﷺ للأنصار ولا مثل إعراضه عن المهاجرين، لأن لسان حالهم: وما لنا ألا نتظاهر وقد ضُيق على حرياتنا وحُرمنا من حقوقنا ومُنعنا من ديارنا، حتى قلت الأموال وغلت الأسعار ونفد الزاد وجاع العيال...
فمن أخرجتهم لعاعة الدنيا إلى الشوارع والميادين لن تردهم نصوص الشرع الحنيف ولن يردعهم خراب الأمم من حولهم

وأَمْر المتظاهرين بالصبر في حالتهم الموصوفة أعلاه، لا تؤتي أُكلها غالبا ، لأن الصبر شاقٌ على النفوس يحتاج إلى مجاهدة النفس وحبسِها، وكفِّها عمَّا تهواهُ، ولذلك افتقر إلى إيمان عظيم ،قال تعالى: ﴿ يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾ ولما كان الصبر هو حبس النفس عما يشق عليها كان ضياء لصاحبه، إذا احتلكته الظلمات واشتدت به الكُربات قال ﷺ: « وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ » رواه مسلم ،ولما مر رسول الله ﷺ على آل ياسر وهم يُعذبون نَفَعهُم قولُه لهم: «صَبْرًا يَا آلَ يَاسِرٍ، فَإِنَّ مَوْعِدَكُمُ الْجَنَّةُ» (رواه الحاكم وصححه وانظر صحيح السيرة النبوية ص 154 )
ومثله حديث الصبر على جَور الحكَّام، وهو في صحيح البخاري: «اصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الْحَوْضِ» فهل يصبر على جَور الحكَّام من سمع الحديث اليوم، وهو لا يعرف الحوض، ولا يعرف صاحبه؟
ثم إن بعض المتظاهرين من عِلية الناس وأكابرهم، فهم من القادة ورؤوس الناس وأعيان البلد وسادة المجتمع، ومنهم أصحاب النفوذ والجاه والسلطان، وخطابهم خطاب الأشراف والسادة وهم الذين سماهم الله الملأ في مواضع شتى من القرآن الكريم ففي قصة نوح ﷺ ﴿قَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾
وفي قصة هود ﷺ ﴿قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾
وهؤلاء فيهم من صفات حب الجاه والرئاسة وحب التبجيل والتعظيم، ما يجعل لهم خصوصية في الخطاب، فلا يخاطبون إلا بما يشعرهم بالاهتمام الزائد عن العامة، وفي قبولهم للدعوة خير عميم قال ﷺ في خطاب هرقل: «مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ: سَلاَمٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الهُدَى، أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الإِسْلاَمِ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ، يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الأَرِيسِيِّينَ» متفق عليه وفي قوله : " هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ" إشعار بمكانة هرقل بين قومه ،وتقدمه عليهم مراعاة لمصلحة التأليف، وهو أيضا قول وسط بين كلمتي "هرقل " و "هرقل العظيم " فالأولى لتجريده من لقبه المُعتاد تشعر بالتقليل من مقامه وفي الثانية شطط ومبالغة ، ويحضرني في هذا الصدد موقف لأحد كبار مشايخنا حيث كتب رسالة لأحد أمراء الحرب في الجزائر نهاية التسعينات الميلادية فكان أولها : " من فلان الفلاني إلى فلان أمير الجماعة الفلانية " فقلت له : "أليس في هذا إقرار منكم لإمارته وتزكية لجماعته؟" فقال : " هو من باب تأليف القلوب وقت النصيحة وهو مطابق للواقع فهو أمير على جماعته ومُعظم عندهم " ثم أشار إلى الحديث السابق.

ومن الإصلاح اختلاف خطاب رسول الله ﷺ بين أهل الديانة وأهل الفجور فلكلٍ خطابٌ يناسبه ففي حديث صلح الحديبية فرَّق بين الرَجل من كِنانة -وكان مُعظما للبيت وشعائره- ومكرز -وكان فاجرا فاسقا- ففي الحديث : «... فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ: دَعُونِي آتِيهِ، فَقَالُوا: ائْتِهِ، فَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «هَذَا فُلاَنٌ، وَهُوَ مِنْ قَوْمٍ يُعَظِّمُونَ البُدْنَ، فَابْعَثُوهَا لَهُ» فَبُعِثَتْ لَهُ، وَاسْتَقْبَلَهُ النَّاسُ يُلَبُّونَ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، مَا يَنْبَغِي لِهَؤُلاَءِ أَنْ يُصَدُّوا عَنِ البَيْتِ، فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى أَصْحَابِهِ، قَالَ: رَأَيْتُ البُدْنَ قَدْ قُلِّدَتْ وَأُشْعِرَتْ، فَمَا أَرَى أَنْ يُصَدُّوا عَنِ البَيْتِ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ مِكْرَزُ بْنُ حَفْصٍ، فَقَالَ: دَعُونِي آتِيهِ، فَقَالُوا: ائْتِهِ، فَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هَذَا مِكْرَزٌ، وَهُوَ رَجُلٌ فَاجِرٌ»، فَجَعَلَ يُكَلِّمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَبَيْنَمَا هُوَ يُكَلِّمُهُ إِذْ جَاءَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَقَدْ سَهُلَ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ» متفق عليه
وهكذا فقل في خطاب أهل الاستقامة والطاعة وأهل المعاصي والذنوب وأهل النفاق وأهل الزندقة...لكل فئة ما يناسبهم من الخطاب

والاكتفاء في الإصلاح بسرد الأحكام الشرعية -خاصة في أزمتنا هذه- قد لا يناسب إلا من جهل الحُكم، ولكن كان معه نوع إيمان يحمله على القبول والإذعان إذا عرفه قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى﴾ ثم قيدها بقبول محلها فقال: ﴿لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾
وهذا الذي تنفعه شدة الإنكار ففي حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنه «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَأَى خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ فِي يَدِ رَجُلٍ فَنَزَعَهُ وَطَرَحَهُ، وَقال: يَعْمِدُ أَحَدُكُمْ إِلَى جَمْرَةٍ مِنْ نَارٍ فَيَجْعَلُهَا فِي يَدِهِ فَقِيلَ لِلرَّجُلِ بَعْدَ مَا ذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: خُذْ خَاتَمَكَ فَانْتَفِعْ بِهِ قَالَ: لا وَاللَّهِ لا آخُذُهُ أَبَدًا، وَقَدْ طَرَحَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ» رواه مسلم

وفي معناه حديث أبي ذر رضي الله عنه: «إِنِّي سَابَبْتُ رَجُلًا فَعَيَّرْتُهُ بِأُمِّهِ، فَقَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ: «يَا أَبَا ذَرٍّ أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ؟ إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ» متفق عليه
وينفعه أيضا هجر العقوبة كما هُجر كعب وصاحباه رضي الله عنهم والحديث في الصحيحين
ويَقِلُّ نفع الخطاب الماضي- بيان الحُكم مُجردا عن مقدماته- عند من نشأ في فساد عقدي وانحلال خلقي و﴿مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ﴾ حتى أَلِفَ المعاصي وأُشربَ قلبه الذنوب وكان دليله فعل الناس من جنس من قال الله فيهم: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾

فهؤلاء يُعَرَّفون بالله وأسمائه وصفاته، وسِعة رحمته، وعظيم نعمه، ويُذَكَّرون بوعد الله ووعيده، ويُرَغَّبون في الجنة، ويُحَذَّرون من النار، فإذا استقر الإيمان في قلب أحدهم استسلمت جوارحه وانقادت للأحكام الشرعية طواعية، وإلا كيف ينقاد الناس إلى الفروع ولمَّا تستحكم أصولها في قلوبهم؟ قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْواكُمْ﴾
وتأمل معي الحديث الآتي وفيه كلمة " فَإِذَا عَرَفُوا اللَّهَ، فَأَخْبِرْهُمْ " لتُدرك أن استحكام الأصول في القلوب سابق لبيان الأحكام الفرعية وإلا لن ينتفع القلب الانتفاع المرجو منه بورود الحكم عليه وهو خِلوٌ من مادة حياته ففي حديث ابن عباس : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى اليَمَنِ، قَالَ: «إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللَّهِ، فَإِذَا عَرَفُوا اللَّهَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ، فَإِذَا فَعَلُوا، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْهِمْ زَكَاةً مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِذَا أَطَاعُوا بِهَا، فَخُذْ مِنْهُمْ وَتَوَقَّ كَرَائِمَ أَمْوَالِ النَّاسِ» متفق عليه

وفي ضابط إشاعة الأحكام الشرعية وإلزام الناس بها يقال: "إذا أردت أن تطاع فأمر بما يستطاع فالمجدد لدينه والمحيي لسنته لا يبالغ إلا ما أمكن علمه والعمل به ،كما أن الداخل في الإسلام لا يمكن حين دخوله أن يلقن جميع شرائعه ويؤمر بها كلها ، وكذلك التائب من الذنوب؛ والمتعلم والمسترشد لا يمكن في أول الأمر أن يؤمر بجميع الدين ويذكر له جميع العلم فإنه لا يطيق ذلك وإذا لم يطقه لم يكن واجبا عليه في هذه الحال وإذا لم يكن واجبا لم يكن للعالم والأمير أن يوجبه جميعه ابتداء، بل يعفو عن الأمر والنهي بما لا يمكن علمه وعمله إلى وقت الإمكان كما عفا الرسول ﷺ عما عفا عنه إلى وقت بيانه ولا يكون ذلك من باب إقرار المحرمات وترك الأمر بالواجبات، لأن الوجوب والتحريم مشروط بإمكان العلم والعمل وقد فرضنا انتفاء هذا الشرط. فتدبر هذا الأصل فإنه نافع" (مجموع الفتاوى لابن تيمية 20/60)
وما نزلت تفاصيل الشريعة إلا بعد أن استحكم الإيمان في صدور الصحابة وخالط التوحيد بشاشة قلوبهم ،فعن عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قالت: " إِنَّمَا نَزَلَ أَوَّلَ مَا نَزَلَ مِنْهُ سُورَةٌ مِنَ المُفَصَّلِ، فِيهَا ذِكْرُ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، حَتَّى إِذَا ثَابَ النَّاسُ إِلَى الإِسْلاَمِ ، نَزَلَ الحَلاَلُ وَالحَرَامُ، وَلَوْ نَزَلَ أَوَّلَ شَيْءٍ: لاَ تَشْرَبُوا الخَمْرَ، لَقَالُوا: لاَ نَدَعُ الخَمْرَ أَبَدًا، وَلَوْ نَزَلَ: لاَ تَزْنُوا، لَقَالُوا: لاَ نَدَعُ الزِّنَا أَبَدًا، لَقَدْ نَزَلَ بِمَكَّةَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ وَإِنِّي لَجَارِيَةٌ أَلْعَبُ: ( بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ ) وَمَا نَزَلَتْ سُورَةُ البَقَرَةِ وَالنِّسَاءِ إِلَّا وَأَنَا عِنْدَهُ " رواه البخاري
ثم قد يناسب هذا الصنف من المدعوين الأمثال الحسية والدلائل العقلية، ليستقيم على طاعة الله ورسوله ﷺ ثم الاستعانة بالدعاء أولا وآخرا ومنه حديث أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: «إِنَّ فَتًى شَابًّا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، ائْذَنْ لِي بِالزِّنَا، فَأَقْبَلَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ فَزَجَرُوهُ وَقَالُوا: مَهْ. مَهْ. فَقَالَ: " ادْنُهْ، فَدَنَا مِنْهُ قَرِيبًا " قَالَ: فَجَلَسَ قَالَ: " أَتُحِبُّهُ لِأُمِّكَ؟ " قَالَ: لَا وَاللهِ جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ. قَالَ: " وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأُمَّهَاتِهِمْ " قَالَ: " أَفَتُحِبُّهُ لِابْنَتِكَ؟ " قَالَ: لَا. وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ قَالَ: " وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِبَنَاتِهِمْ " قَالَ: " أَفَتُحِبُّهُ لِأُخْتِكَ؟ " قَالَ: لَا. وَاللهِ جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ قَالَ: " وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأَخَوَاتِهِمْ " قَالَ: " أَفَتُحِبُّهُ لِعَمَّتِكَ؟ " قَالَ: لَا وَاللهِ جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ قَالَ: " وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِعَمَّاتِهِمْ " قَالَ: " أَفَتُحِبُّهُ لِخَالَتِكَ؟ " قَالَ: لَا وَاللهِ
جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ قَالَ: " وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِخَالَاتِهِمْ " قَالَ: فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ وَقَالَ: " اللهُمَّ اغْفِرْ ذَنْبَهُ وَطَهِّرْ قَلْبَهُ، وَحَصِّنْ فَرْجَهُ " قَالَ: فَلَمْ يَكُنْ بَعْدُ ذَلِكَ الْفَتَى يَلْتَفِتُ إِلَى شَيْءٍ» رواه أحمد

فمما مضى يتبن الفرق الواضح بين بابين عظيمين من أبواب الإسلام، الأول بيان الأحكام الشرعية والثاني الدعوة والإصلاح، ففي باب بيان الأحكام نقرأ في النصارى ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ ونقرأ في باب الدعوة والإصلاح قوله ﷺ «مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ» متفق عليه
ونقرأ في باب بيان الحكم في المنافقين ﴿إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً﴾ ولكن بمقابله نقرأ في باب الدعوة والإصلاح أن النبي ﷺ كنى بعضهم وعفا عنهم واستغفر لهم ودعا لهم وحسَّن ظنه بهم وقَبِل عذرهم ووكل سرائرهم إلى الله، بل وكفَّن رأس المنافقين في ثوبه تطيبا لخاطر ولده واستمالة لأتباعه من بعده.

ومما يزيد الطين بلة في أزمة الجزائر نسبة الأحكام الشرعية إلى قائليها ممن لا ترتضى شخوصهم عند الناس ومن ليسوا عندهم بالمقام المحمود خاصة من غير الجزائريين ففي أزمتنا حُددت مصادر الفتاوى وصُنف مروجوها وعُرفت أسماء قائليها وعينت بلدانهم بلدا بلدا، فلن يزيد ذكرهم عند العامّة فيما أحسب إلا استجلابا للسباب والشتائم والاتهامات، وكان هذا أحد أسباب رد الأحكام الشرعية التي دندن حولها بعض أهل الإصلاح اليوم.
ومن منهج بعض مشايخنا أنه كان ينقل عن البعض قائلا: " قال بعض الفضلاء" فلما سألناه عنهم قال:" لا نذكر أسماءهم لأن الناس أساءوا الظن بهم فلا يقبلون أقوالهم"

ومن الإصلاح معرفة كيفية تحييد المفسدين والتقليل من فسادهم، فإن لم يكونوا مع أهل الإصلاح فلن يكونوا ضدهم، فليس المقصود بالإصلاح اجتثاث الفساد من جذوره كما يرومه البعض فهذا محال في أزمتنا، وإنما الإصلاح هنا يكون بجلب الخيرات والمصالح وتكثيرها ودفع الشرور والمفاسد وتقليلها
وعند التعارض تُجلب أرجح المصلحتين وتُدفع أكبر المفسدتين، وهذا الأصل الكلّي المتفق عليه يستوجب البحث في المحدّدات الشرعية التي تبيّن حجم المفسدة والمصلحة حتى يستطيع الباحث الحكم على الواقعة المعينة بأنّها من قبيل المفسدة الأعظم التي تستحقّ أن يُرتكب لأجْلِها مفسدة أقل، وهذا يستوجب تتبعًا لفروع الشريعة وعللها، لتحديد الضوابط المفصّلة لمثل هذا.
ولذلك لما أرسل رسول الله ﷺ حذيفة رضي الله عنه ليكون عينا له على الأحزاب قال له كما في صحيح مسلم: «اذهب فأتني بخبر القوم، ولا تذعرهم علي» قال النووي:" لا تفزعهم علي ولا تحركهم علي وقيل معناه لا تنفرهم وهو قريب من المعنى الأول والمراد لا تحركهم عليك فإنهم إن أخذوك كان ذلك ضررا علي لأنك رسولي وصاحبي" (شرح مسلم 12/145)

قال ابن القيم عن فقه الإصلاح عند شيخه: "وسمِعتُ شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس الله روحه، ونوَّر ضريحه - يقول: مررتُ أنا وبعض أصحابي في زمنِ التتار بقوم منهم يشربون الخمر، فأنكَرَ عليهم مَن كان معي، فأنكرتُ عليه، وقلت له: إنما حرَّم الله الخمر؛ لأنها تصدُّ عن ذكر الله وعن الصلاة، وهؤلاء يصدُّهم الخمرُ عن قتل النفوس وسبي الذرية وأخذ الأموال، فدَعْهم" (إعلام الموقعين 3/13)
وفي القصة الماضية تطبيق عملي لقاعدة تحريم إنكار المنكر -وإن كان الله يُبغِضه ويمقُتُ أهله- إذا خلفه ما هو شر منه "فإذا رأيت أهل الفجورِ والفسوق يلعبون بالشطرنج، كان إنكارُك عليهم مِن عدم الفقه والبصيرة، إلا إذا نقلتَهم منه إلى ما هو أحبُّ إلى الله ورسوله ﷺ ، كرَمْيِ النُّشَّاب، وسباق الخيل ونحو ذلك، وإذا رأيت الفسَّاق قد اجتمعوا على لهوٍ ولعب، أو سماع مُكاءٍ وتصدية، فإنْ نقلتَهم عنه إلى طاعة الله، فهو المراد، وإلا كان تركهم على ذلك خيرًا من أن تفرغهم لِما هو أعظم من ذلك، فكان ما هم فيه شاغلًا لهم عن ذلك، وكما إذا كان الرجل مشتغلًا بكتب المجون ونحوها، وخفتَ مِن نقله عنها انتقاله إلى كتب البدع والضلال والسِّحر، فدَعْه وكتبه الأولى، وهذا باب واسع " (إعلام الموقعين 3/12)

ومراعاة النبي ﷺ للموازنة بين المصالح والمفاسد أولا ثم لواقع قومه ثانيا منعَتْه من هدم الكعبة وإعادة بنائها على قواعد إبراهيم ﷺ - وهو حق- فقال مُعَلِلاً كما في صحيح مسلم: «مَخَافَةَ أَنْ تَنْفِرَ قُلُوبُهُمْ» وترجم
البخاري لأصله ب :" باب من ترك بعض الاختيار، مخافة أن يقصر فهم بعض الناس عنه، فيقعوا في أشد منه" فالقول هو قول مالا ينطق عن الهوى والحُكم هو حكم العادل في رعيته ولكن راعى رسول الله ﷺ حال قومه فلقُرب "عهدهم بالجاهلية ربما أنكرت نفوسهم خراب الكعبة، ونفرت قلوبهم، فيوسوس لهم الشيطان ما يقيض شيئًا في دينهم، وهو كان يريد ائتلافهم وتثبيتهم على الإسلام" (التوضيح لشرح الجامع الصحيح لابن الملقن 11/302 )
"ومنع ﷺ من قتل المنافقين كما في الصحيحين – وقتلهم حق– لما فيه من المصلحة، وعِلة المنع صيانةً الشريعة من مفسدتي التشويه والتنفير، وهما أكبر من مفسدة ترك قتلهم ومصلحة التأليف أعظم من مصلحة القتل " (إعلام الموقعين بتصرف 3/111 )

فكم خسرنا في هذه الأزمة من أناس كانوا يحسنون الظن بأهل المنهج الحق، فشُوهت صورتهم التي كانت من قبل ناصعة البياض، وصاروا يُنعتون في كل ناد بنعوت سيئة، وذلك كله بسبب تهور بعض إخواننا في مخاطبة المتظاهرين بالتجني عليهم وهم يمثلون ما يقرب من نصف أهل الجزائر، ثم ما أظهروه بعد من غلو فاحش في مدح بعض رؤوس الفساد، وأخيرا نسبة كل ذلك إلى الإسلام عموما أو إلى أهل السنة خصوصا
وإنني أعرف بعض أعيان المشار إليهم لا يملكون من العلم الشرعي ولا الرصيد الدعوي من قطمير، وإن كنت أعذرهم لأن الحامل لهم على ما مضى الغيرة على الدين والوطن، إلا أنهم أفسدوا من حيث أرادوا الإصلاح، وغيرتهم على الدين وحبهم للبلاد لا يكفيان لبلوغ مقصدهم، كما عمد بعض أهل الصلاح إلى هيئة من هيئات الذِكْر المُبتدعة فاستحسنوها ولما أنكرها عليهم لابن مسعود رضي الله عنه قالوا له: «وَاللَّهِ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، مَا أَرَدْنَا إِلَّا الْخَيْرَ. فقَالَ لهم: وَكَمْ مِنْ مُرِيدٍ لِلْخَيْرِ لَنْ يُصِيبَهُ»
والإصلاح لا ينحصر في ذكر الحكم الشرعي مجردا عن النظر في مآلات بيانه وإذاعته قال الشاطبي: " وضابطه أنك تعرض مسألتك على الشريعة، فإن صحت في ميزانها، فانظر في مآلها بالنسبة إلى حال الزمان وأهله، فإن لم يؤد ذكرها إلى مفسدة، فاعرضها في ذهنك على العقول، فإن قبلتها، فلك أن تتكلم فيها إما على العموم إن كانت مما تقبلها العقول على العموم، وإما على الخصوص إن كانت غير لائقة بالعموم، وإن لم يكن لمسألتك هذا المساغ، فالسكوت عنها هو الجاري على وفق المصلحة الشرعية والعقلية" (الموافقات 5/172)
وفي إصلاح الفساد ثلاثة قوانين قانون الوقاية ثم قانون الدفع ثم قانون الرفع، وفي إعمال هذه القوانين لا غنى للمُصلح فيه عن الالتزام بالمنظومة الأخلاقية، فالدعوة إلى الأخلاق ركن البعثة النبوية، قال ﷺ: «إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ» رواه أحمد
ولك أن تتأمل في مفردات وعبارات قاموس الإصلاح في القرآن والسنة، فستجدها على نهج واحد مع الموافق والمخالف والمحق والمبطل إقرأ: ﴿بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ ﴿يَقُولُوا
الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً﴾ ﴿قَوْلاً بَلِيغاً﴾ ﴿قَوْلاً كَرِيماً﴾ ﴿الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ ﴿قَوْلًا لَيِّناً﴾ «فَلْيَقُلْ خَيْرًا» «يَسِّرَا وَلاَ تُعَسِّرَا، وَبَشِّرَا وَلاَ تُنَفِّرَا، وَتَطَاوَعَا وَلاَ تَخْتَلِفَا» «مَا كَانَ الرِّفْقُ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا عُزِلَ عَنْهُ إِلَّا شَانَهُ»
" وهذا كله حض على مكارم الأخلاق، فينبغي للإنسان أن يكون قول للناس لينا ووجهه منبسطا طلقا مع البر والفاجر، والسني والمبتدع، من غير مداهنة، ومن غير أن يتكلم معه بكلام يظن أنه يرضي مذهبه، لأن الله تعالى قال لموسى وهارون: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً﴾ فالقائل ليس بأفضل من موسى وهارون، والفاجر ليس بأخبث من فرعون، وقد أمرهما الله تعالى باللين معه. وقال طلحة بن عمر: قلت لعطاء إنك رجل يجتمع عندك ناس ذوو أهواء مختلفة، وأنا رجل في حدة فأقول لهم بعض القول الغليظ، فقال: لا تفعل! يقول الله تعالى: ﴿وقولوا للناس حسنا﴾. فدخل في هذه الآية اليهود والنصارى فكيف بالحنيفي " (تفسير القرطبي 2/16 ولعل الصواب أعلاه قوله: أن يكون "قوله" للناس لينا ...والله أعلم)
ثم انظر إلى ما تقوله في باب الإصلاح مخاطبا به المتظاهرين واكس ألفاظك أحسنها، وإلا رُد قولك وإن كان حقا، كما قال ابن الرومي:
فِي زُخْرُفِ الْقَوْلِ تَزْيِينٌ لِبَاطِلِهِ ... وَالْحَقُّ قَدْ يَعْتَرِيهِ سُوءُ تَعْبِيرِ
تَقُولُ: هَذَا مُجَاجُ النَّحْلِ تَمْدَحُهُ ... وَإِنْ ذَمَمْتَ تَقُلْ: قَيْءُ الزَّنَابِيرِ
مَدْحًا وَذَمًّا وَمَا جَاوَزْتَ وَصْفَهُمَا ... حُسْنُ الْبَيَانِ يُرِي الظَّلْمَاءَ كَالنُّورِ

ومن الإصلاح الأخذ بمبدأ الإعذار مهما بلغ فساد المدعوين، وقد التمس رسول الله ﷺ العذر لمن كان فعله أشد وأخطر من التظاهر في الساحات والشوارع، وهو إفشاء سر رسول الله ﷺ وإعانة الكفار على المسلمين، ويُسمَّى اليوم بمصطلح القانونيين "الخيانة العظمى " أو "إفشاء أسرار الدولة لجهة معادية زمن الحرب" وانتهت أطوار قصة حاطب رضي الله عنه، بقوله ﷺ لمن أراد قتله: «وَمَا يُدْرِيكَ، لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ» متفق عليه، وكثير من المتظاهرين نعرفهم من أهل الاستقامة والصلاح وبعضهم لهم اليد الطولى في بناء الوطن فمنهم أساتذتنا وأطباؤنا ومهندسونا وكثير من طلابنا النجباء... ولا تَقِلُ محبتهم للبلاد عن محبة أهل الإصلاح لها ... أفلا نلتمس لهم عذرا أو أعذارا؟
ومن الإصلاح معاملة المدعوين بالعدل والإنصاف قولا وفعلا ﴿وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ ﴿وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾ وهو منهج متعين حتى مع من أبغضناهم في الله ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾
فمخالفة المتظاهرين لقواعد الشرع الحنيف وإصرارهم على رُكوب الأخطار وتعريض البلاد لما لا يُحمد عقباه -على رأي البعض- لا يُبرر البتة سبهم وشتمهم أو تعييرهم واتهامهم بما ليس فيهم أو تنزيل أوصاف وأحكام أهل البدع عليهم ، قال عبَّاد بن عبَّاد الخواص: " وَلَا تَعِيبُوا بِالْبِدَعِ تَزَيُّنًا بِعَيْبِهَا، فَإِنَّ فَسَادَ أَهْلِ الْبِدَعِ، لَيْسَ بِزَائِدٍ فِي صَلَاحِكُمْ، وَلَا تَعِيبُوهَا بَغْيًا عَلَى أَهْلِهَا، فَإِنَّ الْبَغْيَ مِنْ فَسَادِ أَنْفُسِكُمْ " (رواه الدارمي في سننه)

ومن الخطأ البيِّن تعميم الأحكام على الأفراد والجماعات والتساهل في تصنيفهم ورميهم بقوس واحدة، فما أسهل أن يقال إن المظاهرات حرام ،ومن خرج فيها فهو من الخوارج المارقين والفجرة الفاسقين والدهماء المفسدين، لكن الحقيقة أن الحكم على الشيء فرع عن تصوره ، وإلا كان من باب الجهل والظلم ، وتأمَّل قوله تعالى في الأَعْرَاب : ﴿الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ ولمَّا كان احتمال تصور البعض أن الحكم يُسحب على كل الأعراب قال بعدها: ﴿ وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَواتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾
ويربينا الإسلام على عموم قاعدة "ليسوا سواء "حتى مع أهل الكتاب قال تعالى: ﴿لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾
وأنزل الله تسع آيات في شأن يهودي اتهم بالسرقة، ورغم أن قومه اجتمعوا على تكذيب الله ورسوله، وكانوا حربا على الإسلام والمسلمين فالتُهمة هنا ألصق به من غيره، إلا أن الله برأه مما قالوا، وفضح السارق وهو
من قبائل الأنصار الذين آووا ونصروا، وكان بذلك أبعد ما يكون عنها (وفي رواية الترمذي أنه كان منافقا) وأنزل الله في المتهَم والمتهِم: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً﴾

وليس من الإصلاح في أزمة الجزائر الوقوف مع الظلمة والتستر عليهم وتلميع صورتهم ففي سياق القصة السابقة لما دافع رسول الله ﷺ عن السارق أخذا بظاهر صلاحه خاطب قتادة بن النعمان رضي الله عنه
قائلا: «عَمَدْتَ إِلَى أَهْلِ بَيْتٍ ذُكِرَ مِنْهُمْ إِسْلاَمٌ وَصَلاَحٌ تَرْمِيهِمْ بِالسَّرِقَةِ عَلَى غَيْرِ ثَبَتٍ وَبَيِّنَةٍ» (رواه الترمذي وهو حسن)
أنزل الله تعالى بعدها آيات من سورة النساء فيها عِتاب للنبي ﷺ وفيها أيضا النهي القاطع عن تبرئة المفسدين والمجادلة عنهم قال تعالى : ﴿وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّاناً أَثِيماً﴾

ولم يقتصر رسول الله ﷺ في أحاديث معاملة الحكَّام الظلمة على النهي عن قتالهم فحسب بل زاد عليها بيان أن هؤلاء الحكَّام يتحملون وزر ظلمهم للرعية واستئثارهم بالدنيا دونه فنهى عن قتالهم نهيا صريحا في أحاديث كثيرة لا يجوز معها تأويل أو تعطيل وبعضها في الصحيحين منها قوله: «اصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الْحَوْضِ قَالُوا: أَفَلَا نُقَاتِلُهُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لَا، مَا صَلَّوْا» وقال: «وَأَنْ لاَ نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ، إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا، عِنْدَكُمْ مِنَ اللَّهِ فِيهِ بُرْهَانٌ»
ولكن أغفل بعض إخواننا أنه قد سبق ما مضى تسمية أعمال الحكَّام أثرة ومنكرا وشرا... فقال «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً وَأُمُورًا تُنْكِرُونَهَا» وقال «سَتَكُونُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ بَعْدِي فَيَعْمَلُونَ أَعْمَالًا تَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ» وقال: «وَشِرَارُكُمْ وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ، وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ»
فالنهي عن قتال الحكَّام الظلمة لا يعني الرضا بظلمهم أو جواز المجادلة عنهم ومخاصمة الناس لأجلهم ثم تصنيفهم على حسب أرائهم فيهم
ويجمع النهي عن الخروج على الحكَّام الظلمة والفسقة مع عدم الرضا بظلمهم حديث مسلم في صحيحه: «سَتَكُونُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ بَعْدِي فَيَعْمَلُونَ أَعْمَالًا تَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ، فَمَنَ أَنْكَرَ فَقَدْ بَرِئَ، وَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ سَلِمَ، وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَشَايَعَ»، قَالُوا: أَفَلَا نُقَاتِلُهُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «لَا، مَا صَلَّوْا» وفي معناه حديث أحمد في مسنده: «أَلَا وَمَنْ عَلَيْهِ وَالٍ، فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعَاصِي اللهِ، فَلْيَكْرَهْ مَا أَتَى، وَلَا تَنْزِعُوا يَدًا مِنْ طَاعَتِهِ»

وورد في خصوص تكثير سواد أهل الفساد والرضا بفسادهم حديث: «مَنْ كَثَّرَ سَوَادَ قَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ وَمَنْ رَضِيَ عَمَلَ قَوْمٍ كَانَ شَرِيكًا لِمَنْ عَمِلَهُ» (رواه أبو يعلى في مسنده وغيره وهو حسن بشواهده انظر الدراية في تخريج أحاديث الهداية 2/267 ونصب الراية 4/346) وهذا في الرضا بالفساد فكيف بتبريره والمجادلة عن أهله؟
إن تبرير فساد الوُلاَّة ومداهنتهم من أعظم الغش لهم بل ويزيد في فتنتهم وجرأتهم على الفساد ولا يسلم الداخل عليهم من شرهم وقد قال الفضيل بن عياض: "ربما دخل العالم على الملك ومعه شيء من دينه
فيخرج وليس معه شيء، قيل له: وكيف ذلك؟ قال: يصدقه فى كذبه، ويمدحه في وجهه" (أخبار الشيوخ وأخلاقهم للمروذي ص 43) ويُستدل عليه بقوله ﷺ: «إِنَّهَا سَتَكُونُ أُمَرَاءُ يَكْذِبُونَ وَيَظْلِمُونَ، فَمَنْ صَدَّقَهُمْ بِكَذِبِهِمْ، وَأَعَانَهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ، فَلَيْسَ مِنَّي، وَلَسْتُ مِنْهُ، وَلَا يَرِدُ عَلَيَّ الْحَوْضَ، وَمَنْ لَمْ يُصَدِّقْهُمْ بِكَذِبِهِمْ، وَلَمْ يُعِنْهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ فَهُوَ مِنِّي، وَأَنَا مِنْهُ، وَسَيَرِدُ عَلَيَّ الْحَوْضَ» (رواه أحمد وهو صحيح) وفي
رواية الترمذي التصريح بأن الحكم يعمُّ حتى من لم يغشهم في مجالسهم لأنه قال: «وَمَنْ غَشِيَ أَبْوَابَهُمْ أَوْ لَمْ يَغْشَ وَلَمْ يُصَدِّقْهُمْ فِي كَذِبِهِمْ...»
فأين إخواننا الذين يتعبدون الله بتبرير كل أقوال وأفعال الحكَّام الظلمة والفسقة والبحث لهم عن المصوغات الشرعية بمناسبة ومن دون مناسبة، حتى فيما فيه مخالفة لما هو معلوم من الدين بالضرورة، ثم نعت كل من أنكر عليهم منهجهم بأنهم خوارج مارقون وإخوان مفسدون؟

إن الإصلاح يضم في طياته النصيحة الشرعية بأوصافها المرعية وآدابها الإسلامية مناصحة لا مناكفة ولا مناطحة " قال بعض العارفين النصاح الخيط والمنصحة الإبرة والناصح الخائط والخائط هو الذي يؤلف أجزاء الثوب حتى يصير قميصا أو نحوه فينتفع به بتأليفه إياه وما ألفه إلا لنصحه والناصح في دين الله هو الذي يؤلف بين عباد الله وبين ما فيه سعادتهم عند الله وبين خلقه" (فيض القدير 3/555) وهي شاملة للراعي والرعية قال ﷺ كما في صحيح مسلم: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ، قَالُوا: لِمَنْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: " لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ» بل يتحمل الراعي وقت المدلهمات العُظمى والخطوب الكُبرى كحال الجزائر اليوم مالا تتحمله الرعية لأنه الضامن شرعا وقانونا لسلامة حقوقهم الدينية والدنيوية وإليه الإشارة في حديث مسلم حيث خص الوُلاَّة بالنصيحة فقال «إِنَّ اللَّهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلَاثًا: يَرْضَى لَكُمْ أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا، وَأَنْ تَنَاصَحُوا مَنْ وَلَّاهُ اللَّهُ أَمْرَكُمْ» وتؤدى النصيحة لهم بضوابطها الشرعية التي تحفظ حقهم وحق رعيتهم بين حرية النقد ومسؤولية الكلمة فتكون ب" معاونتهم على الحق وطاعتهم فيه وأمرهم به وتنبيهم وتذكيرهم برفق ولطف وإعلامهم بما غفلوا عنه ولم يبلغهم من حقوق المسلمين وترك الخروج عليهم وتألف قلوب الناس لطاعتهم" (شرح النووي على مسلم 2/38) قال ابن حجر بعد أن ذكر المعنى السابق : " ومن أعظم نصيحتهم دفعهم عن الظلم بالتي هي أحسن" (فتح الباري 1 /138) وقد ذكرت أنموذجا للتطبيقات العملية لباب مناصحة الوُلاَّة في مقال " في أَزْمَةِ الأُمَّة يُفتقدُ رَجُلُ الأُمَّة " فليُراجعه من أراد
وأختم بقولي إن الإصلاح لا ينفع مع سوء طوية ولا بقلة عمل، فتصحيح النية أولا ثم استفراغ كامل الوسع في الإصلاح ثانيا كفيل بنجاحه، قال شعيب ﷺ جامعا بين الأمرين ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾
ولا يَظُننَّ أحدٌ أن ما مضى بيانه وتقريره هو تمييع لأصول الشريعة أو تضييع لأحكامها؛ لأن الإسلام ثوابتُ ومتغيرات، وكلٌّ قد حدَّده الشرع الحنيف، وأهل الإصلاح يتعاملون بالأحكامُ الناتجة عن فقه الواقع وهي متعلِّقة بالمتغيرات لا بالثوابت، ثم إن هذا ليس متروكًا لآحاد الناس يتصرف فيه كيفما شاء، بل هو موكول لعلماء الشريعة، وَفْق أصول ومناهجَ مستنبطة من منطوق القرآن والسُّنة، ومفهومهما الصحيح
ثم بعد البيان السابق عن الإصلاح والمصلحين أقول: تأمل قوله تعالى ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ فإن فيه عبرة لأولي الأبصار.
والله من وراء القصد وهو هادي الخَلق إلى الحَق وهو أرحم الراحمين.







التوقيع



قال تعالى:" وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا"
  رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 03:02 AM


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2019, vBulletin Solutions, Inc.
جميع الحقوق محفوظة لمجالس العلم النافع
اختصار الروابط