img img

تنبيه

السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، نُرَحِّبُ بِجَمِيعِ أَعْضَاءِ "مَجَالِسِ العِلْمِ النَّافِعِ" وَزُوَّارِهَا، ونَدْعُوهُم للاطِّلَاع عَلَى بُنُود وقَوانٍينٍ المَجالِسِ ، وَفَّقَنَا اللهُ جَمِيعًا لحُسْنِ الإِفَادَةِ والاستِفَادَةِ

العودة   مَجَالِس العِلْمِ النَّافِعِ > مَكْتَبَةُ مَجَالِسِ العِلْمِ النَّافِعِ . > مجالس التفريغات والتلخيصات.
التسجيل التعليمـــات قائمة الأعضاء التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 11-10-2015, 10:32 PM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
أبو سلمى رشيد
مشرف






أبو سلمى رشيد غير متواجد حالياً

افتراضي مثال عام لحال أمة الإسلام[منقول]

مثالٌ عام لحال أمة الإسلام
- إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ؛ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ،من يهده الله فلا مضل ،ومن يضلل فلا هادي له،وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك ،وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.

- "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون "

- "يا أيها الذين آمنوا اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساء واتقوا الله الذي تسألون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبًا "

- "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا " أما بعد.

- فإن خير الحديث كتاب الله تعالى ،وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم ،وشر الأمور محدثاتها ،وكل محدثة بدعة ،وكل بدعة ضلالة في النار.

عباد الله ...خطبة اليوم عنوانها مثال عام لحال أمة الإسلام " ،وهذا العنوان يُعبر عن معنى الخطبة ؛ فأمة الإسلام ما أظن إن مسلمًا إلا وهو مشفق عليها ، ويرثي لحالها ، ولكن كثيرًا من المسلمين لا يحسنون تصور حال هذه الأمة ، ولذلك يخطئون في العلاج ، أو فيما يتصورونه من علاج لحال هذه الأمة .

وكما يقول كثير من أهل العلم ،أو كما يقول علماء الأصول :"إن الحكم على الشئ فرع عن تصوره ": أي أن الإنسان إذا أراد أن يحسن الحكم على شئ من الأشياء ؛ فلابد أولًا أن يتصوره تصورًا صحيحًا ؛ فإن تصوره تصورًا صحيحًا أحسن الحكم عليه، وإن أخطأ في التصور ؛فلابد أن يخطئ في الحكم ؛ وعليه لابد أن يخطئ في التشخيص والعلاج.

كلنا نرى حال المسلمين ونعرف أمورهم ، ونعرف ما هم عليه من الذل والهوان ، ونعرف ما هم عليه من الجهل والتخلف، ولكن هل نحن فعلًا نظرنا إلى حال المسلمين بعين بصيرة؟

مثل المسلمين اليوم وقبل اليوم ؛ فهذا المثال عام كما ذكرت في بداية الخطبة مثال عام لحال أمة الإسلام ، مثل المسلمين منذ بداية هذه الأمة وإلى يومنا هذا كمثل قوم يعيشون في وادٍ من الوديان ، وهذا الوادي تحيط به الجبال وينزل على هذه الجبال مطر وابل طيب ، تتجمع مياه هذه الأمطار وتنزل من رؤوس هذه الجبال لكي تكون نهرًا عذبًا زلالًا فُراتًا ،يسير هذا النهر من أعلى الوادي إلى أسفله ، وهؤلاء القوم يعيشون على ضفتي هذا النهر يشربون من ماءه الطيب ويزرعون من ماءه الطيب ويسقون أنعامهم وبهائهم من هذا الماء الطيب ؛ فيشربون ماء طيبًا ويأكلون منه زرعًا طيبًا ، ويشربون من ضروع هذه الحيوانات و الأنعام لبنًا طيبًا ،ويأكلون من لحومها لحمًا طيبًا ؛فطيبهم من طيب نهرهم ؛فصحت أجسامهم وقويت وكانوا في عافية تامة ، وكانوا أقوياء أصحاء فخافهم جيرانهم ، وهابوهم وأصبحوا يرهبونهم ، ويخافون جانبهم وسطوتهم ؛ فاحترموهم وقدّروهم وعملوا لهم ألف حساب ، وبقوا على هذه الحالة زمانًا طويلًا في صحة وعافية ، أعداؤهم يخافونهم من كل جانب ويعملون لهم ألف حساب .

وكانوا لعلمهم أن حياتهم وصحتهم وعافيتهم وقوتهم وعزتهم ؛ إنما هي بسبب طيب هذا النهر ، وصفاء هذا النهر ؛ كانوا يحافظون على هذا النهر أكثر مما يحافظون على أنفسهم ؛ لعلمهم أن حياتهم منه ، وأن صحتهم وعافيتهم منه ، وأن قوتهم وعزتهم منه ؛ فكانوا إذا أراد صبي صغير أن يرمي فيه قشة أخذوا على يديه ومنعوه ، وإذا لم يمتنع ذهبوا إلى أوليائه لكي يمنعوه و يعاقبوه ،كانوا يحافظون على ماء النهر الطيب أكثر مما يحافظون على حياتهم ؛ فهم علموا جيدًا أن حياتهم منه ، وأن صحتهم منه ، وأن عافيتهم منه وأن قوتهم وعزتهم منه ؛ فكانوا لا يسمحون لأحد منهم أن يفكر مجرد تفكير أن يلقي في هذا النهر شيئًا ليس منه، كانوا يُحذِّرون منه أشد التحذير ، يحذرون منه أشد التحذير احذروا من فلان ؛ فإنه تسول له نفسه أن يلوث نهركم ؛ فكيف إذا رأوه يسعى ليفعل ؟! وكيف إذا رأوه يفعل فعلًا؟!

ومضى الزمان وهم على هذه الحال ، ثم مضت أجيال وأجيال ، وقرون وقرون ؛ فسولت نفس بعضهم له تساهلًا أن يفعل ؛ فما وجد أحدًا يمنعه ، وما وجد أحدًا يحذر منه كما آباؤهم وأجدادهم يفعلون ؛ فسعى فلم يجد أحدًا يمنعه من سعيه ؛ فقذف في النهر ما يُلوثه شيئًا بسيطًا ؛ فلم يجد أحدًا يمنعه ثم تتابع الناس تتابعوا وتساهلوا واحدًا بعد الآخر ؛ فكل من كان عنده شئ يريد أن يتخلص منه ألقاه في ماء ذلك النهر حتى وصل بهم الحال إلى أنهم أصبحوا يُلقون فيه الجيف والنتن والقذر ؛ بل ويلقون فيه بماء الحيض والنفاس ؛ بل ويُلقون فيه النجس بكل أشكاله وأنواعه والخنازير الميتة ، وغير ذلك مما لَوَّث النهر وجعله نهرًا مُلَوَّثًا ، والعجب أنهم مع ذلك يشربون منه ، ويسقون زروعهم ، ويسقون أنعامهم ، ويأكلون من لحوهم ، ويشربون من ماء ذلك النهر ، و من لبن ضروع هذه الأنعام ، ويأكلون الزرع الذي يزرعونه من ذلك الماء المُلوَّث !!

فتغير حالهم فَضَعُفت أجسامهم وذهبت صحتهم وعافيتهم ، وعندها أكلتهم الأمراض أكلًا ؛ فتمكنت منهم الأمراض وصاروا في حالة من الضعف يُرثَى لها ؛ فتجرأ عليهم واستذلوهم بعد أن كانوا يخافونهم ،و رَكِبُوهم بعد أن كانوا يرهبوهم ؛ لأنهم علموا أن هؤلاء لا يستطيعون مقاومتهم ، وما غلبوهم بقوة ؛ وإنما غلبوهم بضعف أولئكم ، ما غلبهم أعداؤهم بقوة الأعداء ، وإنّما لِمَا أصابهم من الضعف والوهن ، واستمر الحال على هذه الحال قرونًا وتطاول عليهم العُمُر وهم في هذه الحالة التي يرثى من الضعف ، ومن العجز ومن المرض ومن الذل .

كان آباؤهم أصحاء أقوياء فصاروا مرضى وضعفاء ، كانوا آباؤهم وأجدادهم أعزة ؛ فصاروا أذلة تجرأ عليهم القريب والبعيد فصاروا في حالة يُرثى لها .

ثم قال بعضهم لبعض إلى متى نبقى على هذه الحال؟ وإلى متى نبقى على هذا الوضع الذي لا يُرضى؟ فانقسموا إلى ثلاثة أقسام ؛ فانقسموا إلى ثلاثة أقسام كلهم يريد الإصلاح .


فقسم قالوا : ما أصابنا ما أصابنا إلا بتجرء أعدائنا علينا ؛ فعلينا أن نبدأ بالعدو ،وهؤلاء الذين يستغلوننا ؛ هؤلاء الذين يبطشون بنا حينًا بعد حين ويهجمون علينا تارة بعد أخرى ، إلى متى نبقى هكذا ؟! إلى متى نبقى أذلة؟!

لابد أن نعود أعزة كما أجدادنا أعزة ؛ فلنجمع قوانا وصفوفنا لمواجهة هؤلاء الأعداء ، وكل شئ يشغلنا عن هذه المهمة لابد أن نتغاضى عنه الآن .

والقسم الثاني :قالوا :ما هذا أي أعداء ؟! وأي عزة تبحثون عنها ؟! إن حال الأمة يُرثَى له ، إن الأمة مريضة ؛ فكل واحدٍ منا مريض ، لا بد أن نسعى بكل ما أوتينا من قوة وأسباب لنُصِح هؤلاء المرضى بالعلاج ، ولا بد أن نستقدم أحسن الأطباء ، وأن نستورد أحسن العلاجات والأدوية لعلاج هؤلاء المرضى ؛ فإذا صحت الأجسام من المرض ، عندها يمكننا أن نفكر في العدو ، فهمُّنا الآن لابد أن يتركز على هذا الباب في علاج هؤلاء المرضى.


وقسم ثالث : هم شيوخ القوم وعقلاؤهم قالوا : ما غلبكم العدو إلا بضعفكم ، وما نهشتكم الأمراض إلا لتلوث نهركم ؛ فلا صلاح لكم ولا فلاح لكم إلا بأن تصفوا نهركم ، أن تنقوا هذا النهر الذي لوثتموه بأيديكم ، فما أصابكم إلا بسبب تلوث نهركم الذي كان في الأصل صافيًا عذبًا نقيًا ؛ فلما لوثتموه صار حالكم كما ترون :

تشربون من ماءه الملوث ، وتأكلون من الزرع الذي سُقي بالماء ؛ فصار الزرع مُلَوَّثا ، وتشربون من ألبان ضُرُوع هذه الأنعام ، هذه الأنعام هي مثلكم تتغذى على ذلك الزرع الملوث ، وتشرب من ذلك الماء الملوث ؛ فلُبنها كذلك ملوث ، ولُحومها مُلَوَّثة ؛ فأي عزة تريدون ؟! وأي صحة تتمنون طالما أنكم على هذا التلويث لنهركم ؟!

لا علاج لكم ، ولا صلاح ، ولا فلاح ، ولن تعود إليكم صحتكم ، ولا قوتكم ،ولا عافيتكم ، ولا عزتكم إلا أن تنقوا النهر وتصفوه وتمنعوا من يريد تلويثه كما كان آباؤكم وأجدادكم يفعلون.

فإن أنتم استمعتم إلى نصيحتنا ستجدون أمراضكم تذهب تلقائيًا ، وإذا أنتم سقيتم زروعكم و أنعامكم من الماء الطيب ستصح صحتكم و ستنصلح جميع أحوالكم ،وسيعود إليكم ما كان آباؤكم وأجدادكم يتمتعون به، إن عادت إليكم صحتكم وعافيتكم ، وعُدتم أقوياء بعد أن صرتم ضعفاء ، قد لا تتكلفون شيئًا لا في علاج مرضاكم ، ولا في غلبة أعدائكم ؛ فإن المرض ما دام قد قُطِعَت أسبابه سيذهب تلقائيًا ، وإن احتاج بعضنا إلى علاجٍ فسيحتاجون إلى شئ يسير من الجهد والمال والوقت ، وأما الأعداء فتأكدوا أنهم إذا عادت إليكم قوتكم فسيرهبونكم كما كانوا يرهبون آباؤكم وأجدادكم سيعرف كل واحد منهم حجمه ، وعندها لن يفكروا في غزوكم ، ولا في الاعتداء عليكم وعلى أموالكم ؛ بل بالعكس إنهم سيخافون أنكم أنتم الذين تغزنوهم وأنكم أنتم الذين تذهبون إليهم .

ثم قالوا لقومهم : إنها نصيحة مشفق ، نحن مشفقون عليكم أيها القوم ونحن منكم ؛ بل نحن كبراؤكم ، وشيوخكم ، وعقلاؤكم ، وأذكياؤكم فاسمعوا نصيحتنا لن تَصِحُّوا إلا بما صح به آباؤكم وأجدادكم ، ولن تعزوا إلا بما عَزَّ به آباؤكم وأجدادكم ، وإلى ذلك الحين حتى نجد منكم آذانًا صاغية وقلوبًا واعية ، فإننا لن نشارككم في الشرب من ماء هذا النهر ؛ لن نشارككم في الأكل من زروعكم ، ولا من أنعامكم ، ولن نشرب من ألبانها ، إننا سنصعد إلى رأس هذا الوادي ؛ سنذهب إلى الماء قبل أن يصل اليكم ، وسنشرب من نبعه الصافي، وسنزرع من نبعه الصافي ، ونتعب قليلًا في هذه الفترة حتى تسمعوا كلامنا وتنقوا نهركم ؛ فإننا سنصعد إلى رأس الوادي حيث ينزل المطر ؛ فتتجمّع مياهه النقية عند نبعه الصافي قبل أن يصل إليكم ، سنأخذ الماء من نبعه ، وسنشربه نقيًا صافيًا حتى تعود إلينا صحتنا وعافيتنا وحتى نعود أقوياء كما كان آباؤنا وأجدادنا ، سنشرب من الماء الصافي ونتربى على الماء الصافي.

إنها حقًا تصفيةٌ وتربيةٌ ، علاج هذه الأمة في التصفية والتربية ، علاج هذه الأمة أنها تنقى النهر الذي لوثته ؛ فقد لوثت هذه الأمة نهر التوحيد فقذفت فيه جيف الشرك ونتن الكفر ؛ لقد لوَّثت هذه الأمة نهرها نهر السنة بنتن وقذر الخرافات ، لقد لوثت هذه الأمة نهرها ؛ فشربت من ماء لوّثه الخلف بعد أن كان السلف يحرصون على نقائه وصفائه ، ويمنعنون أدنى أدنى صبي من أن يفكر أن يقذف فيه ولو بقشة تلوث صفاء التوحيد وصفاء السنة ، وصفاء ما كان عليه الآباء والأجداد سلف هذه الأمة ..أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم .

الحمد لله كم له سبحانه علينا من نعم ،وأعظمها نعمة الإسلام ، نعمة التوحيد ، والتي لا تتم إلا بنعمة السنة، نعمة إتباع رسول هذه الأمة عليه الصلاة وأزكى السلام ، وهاتانِ النعمتانِ لا تتمان إلا بتتمة إتباع سلف الأمة ؛ فهي ثلاث نعم ، لا تتم واحدة منها إلا بأُختَيها ، فلا إسلام إلا سنة ، ولا إسلام ولا سنة إلا باتباع سلف الامة .

"وإن تعدوا نعمة الله عليكم لا تحصوها "، "واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداءً ؛فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانًا "هذه نعمة الإسلام ، "واليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا".

نعمة الاسلام لا تتم إلا بنعمة السنة، ونعمتا الإسلام والسنة لا تتمان إلا باتباع سلف الامة ، "ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ،ويتبع غير سبيل المؤمنين ،نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا"، والصحابة قد أكثروا ممن التنبيه على هذه النعم .

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك ، وأشهد أن محمدًا عبده و رسوله . أما بعد فَرَحِم اللهُ الإمام مالكًا إذ لخص هذا المثال العام الذي أردت به التقريب إلى الأذهان ،قال في كلماتٍ يسيرات : "لا يَصلُح أمر آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها " ما أعظمها من كلمات! وإن كانت قليلات يسيرات، ولكنها عظيمات في المعنى جليلات.

فهذا المثل العام الذي ضربته له لكم تقريبًا ، وتمثيلًا ، وتصويرًا ، حتى يسهل فَهم حال هذه أمة الاسلام ، لَخَصَه الإمام في هذه الكلمات ، لا يَصلُح أمر آخر هذه الامة إلا بما صَلُحَ أولها "، فما صَلُحَ أولُها الا بالتوحيد ونبذ الشرك والخرافات والبدع والخزعبلات والاهواء ، ما صلح آباؤنا واجدادنا الكرام الصحابة والتابعون ومن تبعهم بإحسان إلا برفع راية التوحيد والنهي عن الشرك ، إلا برفع راية السنة والنهي عن البدع ، وإلا برفع راية إتباع السلف والنهي عما أحدثه الخلف ،لا يصلح أمر أخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها .

وأما تشبيه الدين بالمطر وبالنهر ؛ فهذا موجود في الكتاب وفي السنة؛ ففي الكتاب قوله تعالى :"ولقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط ، وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب" ؛ فوصف الله عز وجل وصف ما هدى الله عباده بأنه إنزالًا ؛ فالوحي ينزل والمطر ينزل ،وكلمة أنزل في القرآن كثيرة ،"إنا أنزلناه في ليلة القدر "،"وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نُزّل إليهم "، كثير التعبير عن الوحي بالإنزال؛ فالوحي يأتي من أعلى إلى أسفل ، الهداية تأتي من أعلى إلى أسفل ،فالوحي ينزل وكذلك المطر ينزل ، ونبينا صلى الله عليه وسلم وعلى آله سلم :"مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا .."؛ فشبه ما بعثه الله به من الهدى والعلم بغيثٍ طيبٍ بماءٍ نقي ، عذبٍ زلالٍ ، وكان أيضًا صلوات وسلامه عليه إذا نزل المطر يَظهر الفرح في وجهه ، ويَخرج إلى المطر ،حتى يُصِيب شيئًا من بدنه ، فيُسئل لماذا تحرص على ذلك ؟ لماذا تَحرص إذا نزل المطر أن تخرج حتى ينزل شئ من ماء المطر على جسمك حتى إنك قد تتكلف أن تكشف عن شئ من بدنك لينزل الماء عليه ؟ فكان يقول :"إنه حديث عهد بربه "فكما أن المطر يًنسب إلى الله عز وجل ؛ فإن الوحى من عند الله سبحانه وتعالى ، المطر في هذه الدنيا شبيهٌ بالوحى ، "وجعلنا من الماء كل شئ حي "؛ فالماء حياة الأبدان ، والدين حياة القلوب ؛ فكما أن الأبدان لا تحيا إلا بالماء ؛ فإن القلوب والأرواح لا تحيا إلا بالدين

إذا الإيمانُ ضاع فلا أمان*** ولا دنيا لمن يحيي دينًا
ومن رَضِي الحياةَ بغيرِ دين*** فقد جَعَلَ الفناءَ لها قرينًا

لا حياة إلا بالدين ، لا حياة إلا بالاسلام ، لا صحةَ ولا عافية إلا بإتباع سيد الأنام عليه الصلاة والسلام ، لا عز ولا سؤدد إلا بإتباع سلف الأمة ، في إتباع السلف جاء الكثير والكثير ؛ فلا إتباع للرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلا باتباع السلف الصالح ،قال تعالى :"والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان " والضمير في "اتبعوهم "يعود على السابقين ،"اتبعوهم" فَهُم يعود على السابقين الأوليين من المهاجرين والأنصار ، فهذا نصٌ في إتباع السلف ؛ هذا نص في إتباع الصحابة السابقين الأوليين من المهاجرين والأنصار ؛ فلسنا من المهاجرين السابقين ، ولا نحن من الأنصار الذين نصروهم فما بقي إن أردنا رضوان الله عليهم إلا أن نكون اتبعوهم بإحسان ، فلم يذكر الله إلا ثلاثة أصناف رضي الله عنهم ورضوا عنه ، "والسابقون الأولون من المهاجرين الذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم و رضوا عنه".

إن عُدنا الى ما كان عليه سلفنا من تعظيم التوحيد والنهي عن الشرك ، تعظيم السنة والنهى عن البدع والمحدثات ، تعظيم إتباع السلف والنهى عما أحدثه الخلف فلا عز لنا ، ولا قوة ، ولا صحة ، ولا عافية ، ولا فلاح ، ولا نجاح إلا بإتباع السلف .

أقوام ضعفاء في غاية من الضعف ، مرضى في غاية المرض ، ويقولون :علينا أن نبدأ بالأعداء ، وصدق شيخنا محمد صالح العثيمين حفظه الله وشفاه و رعاه لمّا قال : هؤلاء اليهود متفقٌ على كفرهم ، لا يختلف مسلمان في كفر اليهود ؛-فليس ثمة مسلم يقول :إن اليهود مختلف في كفرهم ، هل كفرهم أكبر أم أصغر؟ لا يوجد مسلم يختلف في كفر اليهود ، ومع ذلك يقول شيخنا الشيخ ابن عثيمين حفظه الله و رعاه وشفاه يقول : ما نفعل مع هؤلاء اليهود وهذه دول ما استطاعت أن تزحزحهم ولا استطاعت أن تُرجِعهم خطوة أو شبر ، وإن حصل فبذلٍ وهوان ، وبشق الأنفس وبعد سنين من المفاوضات والله أعلم بحقيقة الأمور يقول : ماذا يفعل المسلمون وأكثرُنا لا يملك إلا سكين المطبخ وعصا الراعي ؟!

عقلاء القوم يقولون : يا قوم وإنما ضعفكم من تلويث نهركم ، يا قوم إنما ذلكم من تلويث نهركم لا تبدأوا بالإعداء ، ولا تبدأوا بعلاج أمراضكم ؛ فإنكم السبب في هذه الأمراض وأنكم السبب في هذا ، والله عز وجل :"إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ".

كان نبينا صلى الله عليه وسلم وعلى آله وسلم يرتفع صوته غضبًا على منبره صلوات ربي وسلامه عليه قائلًا : إن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم ، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار ، ولم يكن ثمة بدعة واحدة ، كان يحذر من تلويث النهر قبل أن يتلوث ، كانوا يحذرون من تلويث قبل يتلوث ، وكانوا يحذر من تقذير النهر قبل أن يقذف فيه أحدٌ شيئًا ، ويكرر هذا في خطبه الجوامع ، ويكرر في المحافل لعظم هذا الأمر ، فما حياة المسلمين إلا بطهارة نهر الإسلام بطهارته من الشرك أولًا ليبقى التوحيد نقيًا ، بطهارته من البدع ثانيًا لتبقى السنة ناصعة ، بطهارته مما أحدثه الخلف حتى يبقى نهر السلف كما كانوا يحافظون عليه ، ويمنعون من يفكر مجرد تفكير أن يقذف فيه شئ.

جاء رجل اسمه صَبيغ أو صُبيغ إلى عمر فقال :ما النازعات غرقا؟ ما الفارقات فرقًا ؟ ما الناشرات نشرًا ؟ فَعَلَاه عمر بالدُّرَة ، لأنه يُريد أن يشكك في الإسلام ، ويسأل عن أمور ليس على طريقة المتعلم ، وإنما على طريقة التشكيك ؛ على طريقة أن يفتح بابًا من أبواب الشر ؛ فَعَلَاه عمر بالدُّرَة ثم حبسه ، حتى تاب إلى الله وأناب وعلم أنه لن يعود لهذا أبدًا، كانوا يعاقبون من يفكر أو تسول له نفسه ان يحدث شيئًا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا أصحابه الكرام ، ما كان أشد الحرص عند الصحابة على نقاء النهر وبقائه نقيًا صافيًا ، ما كان أشد حرص الصحابة على ذلك ، وكذلك الذين اتبعوهم بإحسان.

ليت الأمر اقتصر على هذا فهذه الطوائف الثلاث ، ليت الطائفة الأولى والطائفة الثانية اجتمعت للطائفة الثالثة وقالت :هؤلاء عقلاؤنا وشيوخنا وكبراؤنا ، ما أحوجنا للأخذ بنصيحتهم ؛ فما أصابنا كل ذلك إلا بضعفنا ؛ بل ما أصابنا كل ذلك إلا بتلويث نهرنا ؛ فَحَقَّ علينا أن نستجيب لنصيحتهم؛ بدلًا من هذا أتعرفون ماذا قالوا؟

قالت الفرقة الأولى والفرقة الثانية عن الثالثة : إنهم لا يريدون أن نواجه أعداءنا، ولا أن نعالج أمراضنا ؛ إذًا هم عملاء لأعدائنا ؛ هؤلاء لا يحبون لنا الخير ولا يرجون لنا الصلاح ، ولا يحبون أن ننتصر على أعدائنا ولا يريدون أن تشفى أمراضنا ؛ إنهم عملاء لأعدائنا .

يقولون : يا قوم نحن منكم ،نحن كبراؤكم ،نحن عقلاؤكم استمعوا للنصيحة حتى تخرجون مما أنتم فيه ، فما وجدوا منهم إلا التنفير؛ بل والتشهير ،بل والتفجير ،والله المستعان

أما آن لهذه الامة أن تستمع للنصيحة؟ أما آن لهذه الامة أن تسمع لنصيحة هؤلاء العقلاء؟ هؤلاء الراشدون الذين يقولون لهم :"اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم ، وأقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم وصلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم

*******
ألقى هذه الخطبة/ الشيخ أبو حاتم السلفي-رحمه الله-في يوم الجمعة التاسع من جمادى الثاني سنة 1421 -الموافق الثامن من اغسطس سنة 2000م
*******
تفريغ أم عبد العزيز بنت محمد غفر الله لها.






  رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 12:15 PM


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2019, vBulletin Solutions, Inc.
جميع الحقوق محفوظة لمجالس العلم النافع
اختصار الروابط