img img

تنبيه

السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، نُرَحِّبُ بِجَمِيعِ أَعْضَاءِ "مَجَالِسِ العِلْمِ النَّافِعِ" وَزُوَّارِهَا، ونَدْعُوهُم للاطِّلَاع عَلَى بُنُود وقَوانٍينٍ المَجالِسِ ، وَفَّقَنَا اللهُ جَمِيعًا لحُسْنِ الإِفَادَةِ والاستِفَادَةِ

العودة   مَجَالِس العِلْمِ النَّافِعِ > المَجْلِسُ الإِسْلَامِي العَامّ > المجالس العامة.
التسجيل التعليمـــات قائمة الأعضاء التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 06-20-2020, 10:54 PM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
ابن الجبل الجزائري
نفع الله به






ابن الجبل الجزائري غير متواجد حالياً

New11 العلمانية: مشروع إبليس الدنيوي - د. يزيد حمزاوي

السلام عليكم،

العلمانية : مشروع إبليس الدنيوي
أ.د. يزيد حمزاوي
جامعة البليدة 2 - الجزائر

(الحلقة 1)
17 يونيو 2020م


العلمانية مفهوم جدلي من الناحية اللغوية والاصطلاحية، برز إلى الساحة في القرون الأخيرة، وفرض نفسه كأهم فكر تضليلي توصل إليه العقل الإنساني المنحرف، لقد أسال الكثير من الحبر، ودارت حوله نقاشات حادة ومحتدمة، لأنه معول هدم لكل ما هو ماض، بخاصة ما هو ديني، على الأقل في العلمانية المتطرفة بل المتوحشة، مما جعل أنصار التراث والأديان يرفضونه بقوة ويقاومونه بشدة، منهم من استسلم له ورضي به وتبناه، كأغلب العالم الغربي، ومنهم من بقي يجاهد مستبسلا، وهو العالم الإسلامي.
في مقابل تلك المقاومة ظهر هجوم للعلمانيين نصرة لأفكارهم وأرائهم ونظرتهم الجديدة للحياة والإنسان والكون...ولا تزال مظاهر الصراع بين العلمانية والمحافظين قائمة، تتخذ كل يوم أسلحة جديدة وميادين جديدة واستراتيجيات مواجهة ودفاع جديدة وأبطال جدد وخونة جدد...
هذه الدراسة العامة التي أعددتها من الكتابات والبحوث المختلفة، تستجلي بعض مظاهر ذلك الصراع، وتكشف تحديدا الفكر العلماني في المنطقة الإسلامية، من حيث المفهوم وأسباب الظهور والعوامل التي ساعدت على نشوئه ونموه، وأبرز التطبيقات العملية التي دُبرت ونُفذت لسلخ العرب والمسلمين من هويتهم الدينية وعقيدتهم الإلهية وشريعتهم الربانية، وغايتي أن تفتح الأفهام، وتزيل الأوهام، وتنير درب الباحثين عن الحق، وترفد الدعاة إلى الله في نضالهم اليومي ضدها، وما أحوجنا لنشر هذا النوع من البحوث ومشاركتها على نطاق واسع لدحر مشروع إبليس في الأرض.
أولا: تعريف العلمانية:
لفظ العلمانية ترجمة خاطئة لكلمة Secularism في الانجليزية، أو Sécularité بالفرنسية، وهي كلمة لا أصل لها بالعلم على الإطلاق، فالعلم بالفرنسية والانجليزية يقابله لفظ Science والمذهب العلمي نطلق عليه كلمة Scientism ـ لذا فالترجمة الصحيحة لكلمة Secularism هي "اللادينية" أو "الدنيوية".
يقول محمد قطب: العلمانية هي الترجمة العربية لكلمة Secularism في اللغات الأوربية، وهي ترجمة مضللة لأنها توحي بأن لها صلة بالعلم، بينما هي إقامة الحياة بعيدا عن الدين، أو الفصل الكامل بين الدين والحياة.
وتذكر دائرة المعارف البريطانية أن العلمانية حركة اجتماعية تهدف إلى صرف الناس عن الاهتمام بالآخرة إلى الاهتمام بالحياة الدنيا وحدها، ذلك أنه كان لدى الناس في العصور الوسطى رغبة شديدة في العزوف عن الدنيا والتأمل في الله واليوم الأخر، ومن أجل مقاومة هذه الرغبة طفقت العلمانية تعرض نفسها من خلال تنمية النزعة الإنسانية، حيث بدأ الناس في عصر النهضة يظهرون تعلقهم الشديد بالانجازات الثقافية البشرية، وبإمكانية تحقيق طموحاتهم في هذه الحياة القريبة، وظل الاتجاه إلى العلمانية يتطور باستمرار خلال التاريخ الحديث كله باعتبارها حركة مضادة للدين ومضادة للمسيحية.
ويرى محمد قطب أن العلمانية علاقتها بالدين، لكن على أساس سلبي، أي على أساس نفي الدين والقيم الدينية عن الحياة، وأولى الترجمات بها في العربية اللادينية بصرف النظر عن دعوى العلمانيين بأنها لا تعادي الدين، وإنما تبعده فقط عن مجالات الحياة الواقعية.
وفي الحقيقة فإن الذين ترجموا الكلمة من لغاتها الأوروبية إلى اللغة العربية هم العلمانيون أنفسهم، وعمدوا لمغالطة ربطها بالعلم لإخفاء طابعها اللاديني الذي يعارضه المسلمون ويعتبرونه كفرا وردة وإلحادا...
وعلى كل فحتى الربط بالعلم ليس بريئا في حد ذاته، فمن معاني هذا الربط الخبيث الإيحاء بأن فكر العلمانيين يستند إلى العلم والعقل في مقابل الدين الذي يشيد بنيانه وأركانه على الجهل والسفه ونبذ العقل....(يتبع)
توقيع: د يزيد حمزاوي








  رد مع اقتباس
قديم 06-20-2020, 10:58 PM   رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
ابن الجبل الجزائري
نفع الله به






ابن الجبل الجزائري غير متواجد حالياً

افتراضي رد: العلمانية: مشروع إبليس الدنيوي - د. يزيد حمزاوي


(الحلقة 2)
19 يونيو 2020م


مازلنا في استجلاء مفهوم العلمانية، فنزيده إيضاحا بإيراد بعض محدداته الكاشفة، فقد ورد في قاموس ويبستر أن: العلمانية هي الروح الدنيوية أو الاتجاهات الدنيوية، وهي نظام من المبادئ والتطبيقات يرفض أي شكل من أشكال الإيمان والعبادة، وهي الاعتقاد بأن الدين وشؤون الكنيسة لا دخل لها في شؤون الدولة وخاصة في التربية العامة.
ولا شك أن الإشارة إلى التربية، هنا، لها مدلول في غاية الأهمية والدهاء، فعَلْمَنَةُ تعليم الأجيال هو عَلْمَنَةٌ للمجتمع كله، فلا غرابة من ثم أن يكون أولوية الأولويات في الدول العربية حاليا.
ويرى عماد الدين خليل أن: العلمانية تعتقد أن أي مخطط من مخططات الحياة الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والتربوية...يجب أن يصدر عن عقل الإنسان، الذي هو نتاج تفاعل مادي مع وقائع مادية، وتدعو إلى أن تكون العقيدة وجميع النشاطات الروحية مقصورة على نطاقها الفردي الخاص، دون أن تكون لها أية علاقة بالمجتمع أو الدولة أو النظام، وأن تصدر كافة المخططات الجماعية عن مصدر واحد للمعرفة هو العقل، الذي يشترط فيه أن يكون مجردا عن الرواسب والعواطف المنفعلة والآراء المسبقة التي تغذي اتجاهات الاستعلاء والانغلاق والطبقية والعنصرية والدينية.
فالعلمانية، حسب هذا الرأي، رديفة للعقل، به تأخذ وإليه تحتكم وما سواه فمردود، وليس السبيل إلى العقل الوحي أو النبوءات، كما يرى المتدينون وإنما الحواس، يقول إبراهيم النعمة: من الأفكار التي كان يروجها دعاة العلمانية أن هذه العلمانية كلمة تعني الاعتماد في العمل والبحث على الحقائق التي تدركها الحواس، ونبذ ما سوى ذلك، وأن يتحرر الناس تحررا تاما من العقائد الغيبية التي هي في الفكر الأوربي العلماني ضرب من الأوهام والضلالات، ذلك أن تلك الأفكار لا توصل إلى أحكام صحيحة ينتفع بها المجتمع.
كما يحدد عزيز العظمة، وهو من أبرز المنظرين العلمانيين، في كتابه "العلمانية من منظور مختلف" مفهومها بأنها: مساواة المرجعية الدينية في أمور الحياة والفكر بالمرجعيات الأخرى في مجتمع متمايز داخليا، ومعترف بتلك التمايزات، مما يجعل من أمور العقل والسياسة والمجتمع وتقنينها العام أمورا لا تخضع للسلطة المؤسسية أو الفكرية أو الرمزية الدينية، ولا تعتبرها المرجع الأساسي في الحياة، ويصبح الدين في مجال العبادة الشخصية، وتغدو التجمعات الدينية كالكنائس والطوائف وغيرها، كالتجمعات الاختيارية الأخرى كالأندية وغيرها، أمورا تعود إلى الحريات العامة، حيث تكون الحرية الدينية من حرية المعتقد وحرية التجمع واحدة من الحريات الشخصية والعامة كحق الرأي والنشر، وحيث إن الحرية الدينية حرية خاصة، لا تستطيع أية من ملازماتها التشريعية أن تنقض الحقوق العامة القائمة على أسس علمانية.
وباختصار لموقف عزيز العظمة، فهو يمنح استقلالية لدور المعبد أن يشرع للعبادة لكن بين جدرانه، كما يحق للمدرسة أو النادي أو الملعب أو أي مؤسسة في المجتمع أن تملك استقلالية في التشريع لنفسها، دون تدخل الدين في وجودها ودورها ونشاطها، وبهذا المفهوم تتعزز فكرة حصر نشاط الدين بين جدران المؤسسات التعبدية المحضة وترك بقية مؤسسات المجتمع تدير أمورها بعيدا عن الإيمان والوحي والروحانيات والمعبد ورجاله....(يتبع)
توقيع: د يزيد حمزاوي







  رد مع اقتباس
قديم 06-26-2020, 01:22 PM   رقم المشاركة : 3
معلومات العضو
ابن الجبل الجزائري
نفع الله به






ابن الجبل الجزائري غير متواجد حالياً

افتراضي رد: العلمانية: مشروع إبليس الدنيوي - د. يزيد حمزاوي


(الحلقة 3)
22 يونيو 2020م


يجمع الباحثون الموضوعيون الذين درسوا العلمانية على أن ظهورها لم يكن وليد الصدفة أو العشوائية، بل كان ردة فعل ضد الأوضاع السائدة أو التي سادت في القرون الوسطى في أوروبا تحديدا، ذلك أن تلك القرون التي تجاوزت العشر، كانت أكثر القرون الإنسانية التي شهدت اغتيالا للإنسانية نفسها، ويكفي دليلا على ذلك أنها سميت بعصور الظلام Dark Ages، ولم يكن ذلك الظلام محيطا بجانب من الحياة العامة دون الآخر، بل كان عاما وشاملا لجميع مجالات الحياة، كانت تلك العصور عصور الأحزان والخوف والجهل الفاحش والإرهاب الفكري والعقائدي، الذي تفرضه فئة في المجتمع على حساب أوروبا وبعض أجزاء آسيا وإفريقيا وأمريكا بعد اكتشافها.
شهد العصر الوسيط انتشار نفوذ الكنيسة، ولأسباب عدة وصل أرباب الكنيسة إلى سُدة الحكم في عدة دول، وبوصولهم وصلت الممارسات والتصرفات والسلوكيات التي قتلت كل إبداع أو تجديد أو محاولة لإصلاح الفاسد أو دفع الضرر..
فالكنيسة ورجالاتها، حفاظا على مكتسباتهم وامتيازاتهم ومصالحهم المختلفة والمتنوعة، لجأوا إلى أسلوب الطغيان بأشكاله وأنواعه كافة، فمارست الكنيسة طغيانا عقائديا وفكريا وسياسيا واجتماعيا وماليا...الخ، ومما ساعد على تكريس أنواع الطغيان الكنسي أن كثيرا من البابوات والقُسس جمعوا بين السلطتين الدينية والسياسية، كما نجد ذلك في الإمبراطوريتين الرومانيتين الشرقية والغربية، وفي الدولة الرومانية كان الأباطرة يتولون العروش بعد تلك الطقوس الدينية التي يقوم بها الكهان والرهبان، ويتولى البابا نفسه تتويج الملوك والتحكم فيهم.
وقبل سرد تفصيلي لبعض أنواع الطغيان تجدر الإشارة إلى أن الكنيسة كانت في معركة دائمة مع العقل، هذا العقل الذي بذلت كل جهدها لإلغائه واغتياله، لأنها بعد فرض عقيدتها النصرانية في مجمع نيقية سنة 325 للميلاد، دعت الناس إلى الإيمان بجُملة من المعتقدات والأفكار التي لا تقبلها العقول، وترفضها الفطرة السوية...لقد دعت إلى الإيمان بالمستحيلات العقلية والمنطقية، حين جعلت ملكوت الله (الجنة) لا يُدخل إلا لمن آمن وأيقن بأسرار الكنيسة، كالتصديق بإله مثلث الاقانيم، وبأن المسيح هو الإله أو ابنه أو ثالث ثلاثة، والزعم بأن البشرية ملعونة منذ الأزل بسبب الخطيئة الأصلية، واليقين بأن الإله صُلب كفارة وفداء عن البشرية، والإيمان بأن الخبز والخمر يتحولان إلى جسد ودم الإله في القداس بعد أكله وشربه في طقوس وثنية محضة...
وتحت غطاء الطغيان، فُرضت تلك المعتقدات كلها بالقوة والإرهاب المادي والمعنوي والروحي، فدفعت الناس فيما بعد إلى كراهية عمياء وحقد بغيض وانتقام شرس وحرب ضروس على الدين، كانت العلمانية أحد أسلحتها.... (يتبع).
توقيع: د يزيد حمزاوي







  رد مع اقتباس
قديم 06-30-2020, 11:39 PM   رقم المشاركة : 4
معلومات العضو
ابن الجبل الجزائري
نفع الله به






ابن الجبل الجزائري غير متواجد حالياً

افتراضي رد: العلمانية: مشروع إبليس الدنيوي - د. يزيد حمزاوي


(الحلقة 4)
25 يونيو 2020م


كان طغيان الكنيسة هو الحاضنة الأولى لنمو العلمانية، وقد كتب المفكر محمد قطب رحمه الله في كتابه (مذاهب فكرية معاصرة) شرحا ممتعا لأنواع الطغيان الكنسي أختصر بعضها لشدة الحاجة إليها لفهم جذور البلاء.

* الطغيان الروحي
كان لرجال الدين سلطان روحي طاغ على الناس بوصفهم الوسطاء بينهم وبين الله، فالطفل لا يعد "مسيحيا" حتى يُعمد، والتعميد لا يتم إلا على يد الكاهن، ومن ثم تبدأ حياة "المسيحي" بتلك الوساطة الكهنوتية التي تدخله ابتداء في الدين، ثم يظل حياته كلها مرتبطا بالكاهن... هو الذي يزوجه، وهو الذي يصلي به صلاة الأحد، وهو الذي يتقبل اعترافه بخطاياه وإلا فلا توبة ولا غفران، ثم هو الذي يصلي عليه في النهاية حين يموت، فهو من مولده إلى مماته مرتبط بالكاهن ذلك الرباط الذي يمثل في حسه الكوة المفتوحة على عالم الغيب، والصلة التي تصل قلبه بالله.
ولا يستطيع مهما كانت حرارة وجدانه أن يعقد صلة مباشرة بالله بعيدا عن سلطان الكاهن أو غير معرضة لتدخله في أي وقت من الأوقات، ومن الطغيان الروحي كذلك العمل على فرض الإيمان بأسرار الكنيسة التي يلفظها العقل عندما قالت للناس: لن تؤمنوا بالله حتى تؤمنوا بتلك الأسرار، ثم قالت لهم: إن مفتاح تلك الأسرار عندنا نحن ولن نعطيه إلا لمن نختار، ومن عارض فلعنه الله عليه.

* الطغيان العقلي والفكري
إن هذا الطغيان ربما كان أكثر أنواع الطغيان التي دفعت إلى الدعوة إلى العلمانية، فقد مارست الكنيسة هذا الطغيان حينما أجبرت العالم النصراني على الإيمان بأسرار الكنيسة ومنعتهم من مناقشتها، واعتبرت الشاك أو المناقش فيها مهرطقا، كافرا مطرودا من ملكوت السماء، وحين كان أي عقل مفكر يتجرأ فيسأل مجرد سؤال عن ماهية هذه الأسرار، ولو كان سؤاله من أجل الإيمان بها أو الاطمئنان الذي يزيد الإيمان، كانت الكنيسة تسارع إلى زجره عن هذا الإثم الذي يهم به، والذي يوقعه لا شك في المهالك، وترد بأن هذا أمر خارج عن العقل لا ينبغي له أن يسأل وأن يناقش في أمر العقيدة، وإنما عليه أن يُسَلم بغير نقاش، وإن ادعاء الكنيسة أن العقل لا ينبغي له أن يسأل ويناقش لأمر العقيدة، وإنما عليه أن يسلم تسليما أعمى ويترك الأمر للوجدان، هو ادعاء ليس من طبيعة الدين كما أنزله الله، إنما هذا من مستلزمات الأديان الوثنية التي تحوي أوهاما لا يمكن أن يستسيغها العقل لو فكر فيها، لذا تُسكت صوت العقل وتمنعه من التفكير بالسحر تارة وبالتهديد بغضب الآلهة المعبودة تارات.
لكن هل يمكن أن يستمر ذلك الطغيان إلى الأبد، دون أن تتمرد تلك العقول المكبوتة وتدعو إلى حرية التفكير اللادينية؟... (يتبع).
توقيع: د يزيد حمزاوي







  رد مع اقتباس
قديم 07-08-2020, 10:28 AM   رقم المشاركة : 5
معلومات العضو
ابن الجبل الجزائري
نفع الله به






ابن الجبل الجزائري غير متواجد حالياً

افتراضي رد: العلمانية: مشروع إبليس الدنيوي - د. يزيد حمزاوي

(الحلقة 5)
30 يونيو 2020م

* الطغيان المالي:


يذكر كرسون في كتابه (المشكلة الأخلاقية) أنه كانت الفضائل المسيحية كالفقر والتواضع والقناعة والصوم والورع والرحمة، كل ذلك كان خيرا للمؤمنين والقسيسين والقديسين والخطب والمواعظ، أما أساقفة البلاط والشخصيات الكهنوتية الكبيرة فقد كان لهم شيء أخر، البذخ والأحاديث المتأنقة مع النساء، والشهرة في المجالس الخاصة، والخدم والأرباح الجسيمة والموارد والمناصب.
ويقول وول ديورنت: أصبحت الكنيسة أكبر مُلاك الأراضي، وأكبر السادة الإقطاعيين في أوربا، فقد كان دير (فلدا) مثلا يمتلك خمسة عشر ألف قصر صغير، وكان دير (سانت جول) يمتلك ألفين من رقيق الأرض، وكان أحد القساوسة يملك عشرين ألفا من الأقنان (العبيد) وكان رجال الكنيسة يطلق عليهم ألقاب الدوق والكونت وغيرها من الألقاب الإقطاعية، فأضحت الكنيسة جزءا من النظام الإقطاعي.
وكانت أملاكها الزمنية، أي الدنيوية، مما يُجَلل بالعار كل مسيحي متمسك بدينه، وسخرية تلوكها ألسنة الخارجين على الدين ومصدرا للجدل والعنف بين الأباطرة والبابوات، وكانت مصادر تلك الأملاك متعددة منها الأوقاف والهبات والضرائب والسخرة.
والذي جعل التمرد العلماني يقوى ويزداد أن الطغيان المالي حوَّل رجال الكنيسة إلى أثرياء يتمتعون برغد العيش، بينما جعل من عامة الشعب فقراء عبيدا يتكففون ويعيشون حياة الذل والفقر المدقع، مما دفع كارل ماركس إلى قول مقولته الشهيرة "الدين أفيون الشعوب" لأن الدين النصراني أسهم في الحفاظ على الإقطاعية وفي نفس الوقت دعا الشعب إلى عدم التمرد وإلا دخل النار.
وما أشبه الليلة بالبارحة، فقد أصابت بعض المسلمين المنتسبين إلى أهل العلم عدوى عبادة المال، حتى طغوا وصاروا كهنوتا يسعى لجمع حطام الدنيا والإخلاد إلى الأرض والإثراء على ظهور المسلمين، بمساعدة حكام فاسدين راشين لهم بالمناصب والجاه والرواتب والمال والعقارات والفيلات والسيارات والزوجات والخدم والامتيازات...حتى شبعوا من مرقة السلطان واُتخموا من خبزه، فظهرت على أشكالهم وأجسامهم وأولادهم ومعيشتهم علامات الرغد والبذخ والثراء الفاحش، فباتوا في سجن النعم يرفلون ويتمتعون، وفي البزنسة بالمواقف والمتاجرة بالفتاوى غارقون، فسكتوا عن نصرة الدين، حتى وإن كان بعضهم مؤمنين صادقين، فحب الدنيا "مجبنة" تصنع جبناء وعملاء برتبة علماء.... حرفوا الدين وطوعوه لخدمة الظالمين وخذلوا الحق، وتكلموا بالباطل... ثم رآهم الناس فأساؤوا الظن بهم وبدينهم وذهبت هيبتهم وهيبة ما يمثلونه من شرع ووحي...فتكررت النتيجة الحتمية من معادة الدين والمتدينين، التي هي بذرة العلمانية... (يتبع).
توقيع: د يزيد حمزاوي







  رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
العلمانية،وعيد الشيطان

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 02:34 PM


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2020, vBulletin Solutions, Inc.
جميع الحقوق محفوظة لمجالس العلم النافع
اختصار الروابط