img img

تنبيه

السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، نُرَحِّبُ بِجَمِيعِ أَعْضَاءِ "مَجَالِسِ العِلْمِ النَّافِعِ" وَزُوَّارِهَا، ونَدْعُوهُم للاطِّلَاع عَلَى بُنُود وقَوانٍينٍ المَجالِسِ ، وَفَّقَنَا اللهُ جَمِيعًا لحُسْنِ الإِفَادَةِ والاستِفَادَةِ

العودة   مَجَالِس العِلْمِ النَّافِعِ > مَجَالِسُ الفِقْهِ وَأُصُولِهِ وَقَواعِدِه. > مجالس علم الأصول والقواعد الفقهية.
التسجيل التعليمـــات قائمة الأعضاء التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 01-12-2018, 06:02 AM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
سماعيل السلفي
مشرف







سماعيل السلفي غير متواجد حالياً

افتراضي شرح منظومة سلم الوصول للحافظ الحكمي شرح الدكتور عبد الله الجنابي.

المجلس الأول من شرح منظومة سلم الوصول للحافظ الحكمي
شرح الدكتور عبد الله الجنابي.
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
وبعد فهذا هو الدرس الأول من التعليق على المنظومة المسماة سلم الوصول إلى علم الأصول في توحيد الله وإتباع الرسول للعلامة الشيخ حافظ ابن أحمد الحكمي رحمه الله تعالى .
قال رحمه الله:
1. أبْدَأُ باسْمِ الله مُسْتَعِينــا رَاضٍ بِـهِ مُـدَبِّراً مُعِينَـا
قال المصنف رحمه الله تعالى في هذه المنظومة المباركة : أبْدَأُ باسْمِ الله جلّ في علاه ، ذلك أن كلَّ أحد مفتقر إلى الله جل وعلا وعونه وتسديده في أقواله وأفعاله وفي حركاته وسكناته وفي شأنه كله ، وهذا له نظائر كثيرة في الشرع منها : ابتداء الوضوء والغسل بالبسملة ، ومنها ابتداء الطعام بالبسملة ، ومنها التسمية على الذبائح ،وعند دخول المسجد ، ونحو ذلك مما لا يخفى أمثاله على السامع إن شاء الله تعالى .
وقوله رحمه الله: مستعينا، أي: أستعين الله جلّ وعلا في شأني كله متوكلا إليه ومتوجها إليه ، وقد قال جلَّ ذكره في فاتحة كتابه "إياك نعبد وإياك نستعين".
وفي الوصية النبوية المباركة التي أوصى بها نبينا ابن عمه الحَبر البحر عبد الله ابن عباس قال : إذا سألت فاسأل الله ، وإذا استعنت فاستعن بالله.
ولا يخفى أن هذا ليس اختصاصاً بالحَبر البحر ابن عباس رضي الله عنه ؛ بل هو شامل لكلّ الناس في وجوب سؤال الله وحده والإستعانة به وحده .
وقوله : راضٍ به، أي راض بالله تبارك وتعالى ، أي والحال كوني وأنا راضٍ بالله تبارك وتعالى مدبراً لشأني كلّه ولأمري كلّه ، لإن الأمور كلّها بيد الله وحدع، وهو الذي يعلم ما لا نعلم ويقدر ما لا نقدر ، دبر أمر السماوات والأرض ، ودبر أمر الخلائق جميعا ، وهو القائل جلّ في علاه " الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شئ قدير وأن الله قد أحاط بكل شئ علما ".
وقوله رحمه الله: معينا، أي أن الله معين لي على أمري كلّه سواء كان يتعلق بأمر الدنيا ، أو كان يتعلق بأمر الدين ، فأنا عاجز أن أفعل ذلك إلا بتوفيقه وتسديده ،ولا علم لي إلا ما علمني جلّ في علاه ، ولذا فلا أعبد إلا إياه ، وليس لي معبود سواه ، فلا أستعين إلا به ،ولا أرضى إلا بتدبيره لأمري كله ظاهره وباطنه ، ومن سؤال الله تعالى الإعانة ، إعانته الناظم رحمه الله على تتميم نظمه ، فالحمد لله على ما أنعما حمداً به يجلو القلب عن العمى.
قال رحمه الله:
2. والْحَمْدُ لله كَمَا هَدَانَــا إلى سَبِيـلِ الْحَقِّ واجْتَبَانا
فإن الله تبارك وتعالى هو الأهل لأن يحمد ، والأهل لأن يثنى عليه، وجعل فاتحة كتابه "الحمد لله رب العالمين" .
ومنه قوله جلّ في علاه: قل الحمد لله" فله الحمد كلّه ، أوله وآخره سبحانه وتعالى .
وقوله رحمه الله: كما هدانا، أي أن الله تبارك وتعالى هو الذي هدى خلقه للإسلام ، وهدى خلقه للإيمان ، وهدى خلقه إلى التوفيق للطاعات وعمل الخير والمبرات ؛ فالعبد حامد لربه شاكر له ، وحمد العبد لربه وشكره له ذلك من محض فضل الله تعالى عليه ، لا سيما أنه هداه واجتباه واختاره واصطفاه من بين عباده إلى سبيل الحق الدين القويم الذي رضيه الله تعالى للعالمين سبحانه وتعالى، فالحمد لله على هدايته لنا إلى نعمة الإسلام ، وإلى نعمة الدين الحق ، وإلى نعمة السنة ، وحرم غيرنا - فلك الحمد يا ربنا حتى ترضى .
قال رحمه الله:
3. أحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وأشْـكُرُهْ ومِن مَسَاوِي عَمَلي أسْتَغفِـرُهْ
أحمد الله تعالى فأثني عليه ثناء دائما متجددا ، كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه ، أنزهه عن كل مالا يليق به ، فله الكمال المطلق ، وله الجمال المطلق ، وله الجلال المطلق ، وفي الصحيحين كلمتان حبيبتان إلى الرحمان ، خفيفتان على اللسان ، ثقيلتان في الميزان : سبحان الله وبحمده ، سبحان الله العظيم).
قال الملا علي القاري : " فَالْأَوَّلُ تَنْزِيهٌ مُجَرَّدٌ، وَالثَّانِي تَنْزِيهٌ مَمْزُوجٌ بِالْحَمْدِ، إِشَارَةٌ إِلَى تَقْدِيمِ التَّخْلِيَةِ عَلَى التَّحْلِيَةِ" .
قوله رحمه الله: وأشكره، أي على ما أنعم من النعم الدنيوية والدينية ، وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ، قال جل ذكره :" فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون " ، فالله جلّ وعلا أهل للشكر على كل نعمة ، وعلى كل فضل ، وعلى كل إحسان ، أنعم على عبده بالعلوم النافعة ،فكان أهلا لأن يشكر .
وأنعم على عبده بالأعمال الصالحات والطاعات وسائر المبرات فكان أهلا أن يشكر ، رزقه علما ورزقه عملا ورزقه ولدا صالحا ورزقه ذرية مباركة ،ورزقه ورزقه فما زالت آلاء الله تترى على عبيده أجمعين ، فكان حق الله عليهم أن يشكروه ، وأن يثنوا عليه الخير كله ، فهو أهل لكل ثناء ، وأهل لكل مجد ، جل في علاه .
وقوله رحمه الله: ومن مساوي عملي أستغفره، ذلك أن العبد لا يخلو من عمل سيئ ، فكان حريا به أن يقدم بين يدي ربه الإعتذار عن كل عمل سيئ ، ويستغفر الله جل وعلا ويتوب إليه ، وربنا أهل التوبة ، وأهل التقوى وأهل المغفرة قال تعالى : ( وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ) ، فحال العبد هنا أن يستغفر ربه جلّ في علاه على تقصير بين يديه ، وعلى عمل بدر منه سهوا، أو غفلة ، أو تسويلا من النفس ،أو تزيينا من الشيطان ، فيستغفر الله جل وعلا ، ومن استغفر ربه ؛فالرب غفار رحيم ، فأنا أستغفر ربي أي أتوجه إليه بالسؤال ، وأطلب منه المغفرة لما بدر مني من الزلات ، رب غفور يتوجه إليه عبده المذنب يسأله أي يستغفره ، فإن العبد إذا توجه إلى ربه تبارك وتعالى بكليته وبقلبه ، وقدم الإعتذار إلى مولاه كان من لطف ربه تبارك وتعالى أن يغفر الذنب ،فليس أحد يغفر الذنب إلا الله سبحانه وتعالى .
قال رسول الله، قال الله تبارك وتعالى: (يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان فيك ولا أبالي، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي، يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة) رواه الترمذي.
وفي الحديث الآخر قال : " يَعْجَبُ الرَّبُّ مِنْ عَبْدِهِ إِذَا قَالَ : رَبِّ اغْفِرْ لِي وَيَقُولُ : عَلِمَ عَبْدِي أَنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ غَيْرِيَ" .
قال رحمه الله:
4. وأسْتَعِينُهُ عَلى نيْلِ الرِّضَـا وأسْتَمِدُّ لُطفَهُ في مَا قَضَى
أستعينه : أي أطلب العون من الله تبارك وتعالى على نيل الرضا ، أي الأعمال التي أعملها من الأعمال الصالحة تكون سببا لأن ينال رضاه ، فتكون سببا لأن يرزقني الله تبارك وتعالى قبول العمل الذي قدمته بين يديه ويكون مرضيا .
وأستمد : أي أطلب منه الإمداد بأن يرزقني لطفه فيما قضى وقدر من المصائب ، ومن الهموم ، ومن الغموم ، ومن المكدرات ، يقول الحق جل ذكره : " إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنْ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ".
ويقول سبحانه وعمَّ نواله : " ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه والله بكل شئ عليم"، وعنه أنه قال وأسألك الرضا بعد القضاء) ، فهذا أيضا من استمداد لطف الله تبارك وتعالى فيما قضى .
قال رحمه الله تعالى :
5. وبعدُ: إِني بِالْيقِينِ أشْهَـد شَهادَةَ الإخلاصِ أنْ لا يُعْبَدْ
6. بالْحَقِّ مأْلُوهٌ سِوَى الرَّحْمن مَنْ جَلَّ عَن عَيْبٍ وعَنْ نُقْصَانِ
أي : بعد ما قدمت لك من الإقرار والتنزيه والتسبيح والتحميد والثناء والرضا والتسليم والإستعانة ؛ فإني أقطع يقينا بغير شك ولا شبهة ولا تردد ولا ارتياب ، شهادة موقن بالإخلاص ألا يعبد إلا الله تبارك وتعالى .
فالله هو المألوه ، وهو المعبود ، ذلك ان الله تعالى يعبد بالمحبة ، ولا يكون حقا إلا مألوه واحد ، ومعبود واحد ، ومربوب واحد ، وهو من وصف بالرحمن تبارك وتعالى الذي تنزه عن كل عيب ، وتنزه عن كلّ نقص جلّ في علاه ، فليس فيه عيب وليس فيه نقص ، بل له جلال مطلق ، وكمال مطلق أسماءً وذاتاً وصفاتاً وأفعالاً ، ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) .
قال رحمه الله:
7. وأنَّ خيْرَ خَلْقِهِ محمَّــدا مَنْ جاءنَا بالْبَيِّنَات والْهُدَى
8. رسـوله إلى جَمِيعِ الْخَلْق بالنُّورِ والْهُدَى ودِينِ الْحَقِّ
من جاءنا بالبينات والهدى ، رسوله إلى جميع الخلق بالنور والهدى ودين الحق - صلى الله تعالى عليه وسلم ، فخير خلقه هو النبي المصطفى محمد صلوات الله وسلامه عليه ، جاءنا بالبينات وجاءنا بالهدى من الله تبارك وتعالى ، هذا النبي الكريم وهذا الرسول الأمين ، الذي أوحى الله إليه شرعه ، وأمره بتبليغه إلى الناس جميعا ، صلوات الله عليه .
وهو خير الورى وليس أحد يقدم عليه ، وهو إمام المتقين وقائد الغر المحجلين ، وهو إمام الأنبياء أجمعين -عليه وعليهم الصلاة والسلام ، جاءنا بالبينات ، وجاءنا بالهدى ، وجاءنا بالدلالات ، وجاءنا بالآيات المعرِّفة لله تبارك وتعالى لنا ،والمعرفة بشرع الله ووحيه وأمره إلى الخلائق جميعا ، قال الحق جلّ ذكره :"وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا ولكن أكثر الناس لا يعلمون ".
ومن الخصائص النبوية المباركة : أن النبي كان يبعث في قومه خاصة وبعث إلى الناس عامة .
وهو الذي ما يسمع به أحد من هذة الأمة يهودي أو نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسل به إلا كان من أصحاب النار - صلوات الله وسلامه عليه .
أرسله ربه بالهدى وبالنور المبين، النور المبين : هو القرآن العظيم والسنة النبوية المباركة ، يقول الحق جلّ ذكره : "ياأيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا ".
وقال جلَّ في علاه :" وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم ".
ودين الحق: هو الإسلام الذي لا يقبل الله جلّ وعلامن الأديان سواه ، قال تعالى: "هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون"، وقال : " إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ"، فالقرآن والرسول والإسلام كل ذلك يسمى نوراً وهدىً وصراطاً مستقيماً ، فاللهم اهدنا صراطك المستقيم .







التوقيع



قال تعالى:" وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا"
  رد مع اقتباس
قديم 01-12-2018, 06:02 AM   رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
سماعيل السلفي
مشرف







سماعيل السلفي غير متواجد حالياً

افتراضي رد: شرح منظومة سلم الوصول للحافظ الحكمي شرح الدكتور عبد الله الجنابي.

المجلس الثاني من شرح منظومة سلم الوصول للحافظ الحكمي
شرح الدكتور عبد الله الجنابي.
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبيِّه الصادق الأمين وعلى آله وصحبه والتابعين.
وبعد، فهذا الدرس الثاني من شرح ‏منظومة سلم الوصول للعلامة حافظ بن أحمد الحكمي رحمه الله تعالى وقد مرَّ بنا في آخر المجلس السابق قوله :
7. وأنَّ خيْرَ خَلْقِهِ محمَّــدا مَنْ جاءنَا بالْبَيِّنَات والْهُدَى
8. رسـوله إلى جَمِيعِ الْخَلْق بالنُّورِ والْهُدَى ودِينِ الْحَقِّ
9.صَلَّى عَلَيهِ رَبُّنَا وَمَجَّدَاْ وَالآلِ وَالصَّحبِ دَوَاماً سَرْمَدَاْ
الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام مأمورٌ بها في القرآن والسنة النبوية المباركة ففي القرآن قوله تعالى: { إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ( ٥٦ ) } [سورة الأحزاب] .
ذكر العلامة ابن سعدي رحمه الله في تفسيره قال: " اقتداء باللّه وملائكته، وجزاء له على بعض حقوقه عليكم، وتكميلا لإيمانكم، وتعظيمًا له صلى اللّه عليه وسلم، ومحبة وإكرامًا، وزيادة في حسناتكم، وتكفيرًا من سيئاتكم"، وهذا الأمر بالصلاة والسلام على النبي صلى الله ‏عليه وسلم مشروع ‏في جميع الأوقات وأوجبه كثيرا من العلماء في الصلاة.
(وآله): هم بنو عبد المطلب وبنو المطلب على ما اختاره الإمام الشافعي.
والصحب الكرام: الصحابي هو من رأى النبي ‏مؤمنا به ، وإن تخلل ذلك ردَّة ، لكن مات على الإيمان ، وخُتِم له بالإيمان.
وقوله: ( دَوَاماً سَرْمَدَاْ ): أي صلاة دائمة مستمرة باقية لا تنقطع.
قال الناظم رحمه الله:
10.وَبَعدُ هَذَا النّظمُ فِي الأُصولِ لِمَنْ أَرادَ مَنهَجَ الرَّسُولِ
11. سَأَلَنِي إِيَّاهُ مَن لا بُدَّ لِي مِنَ اِمتِثالِ سُؤلِهِ الْمُمتَثَلِ
بيّن الناظم هنا موضووع نظمه ، وأنّ هذا النظم في علم عظيم القدر جدا ، وهو علم أصول الدين، والمقصود به ما يتعلق بالإيمان بالله عز وجل وأسماءه وصفاته وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والإيمان بالقدر خيره وشره مما سيأتي بيانه تفصيلا في مواضعه بإذن الله تعالى .
وقوله: (لِمَنْ أَرادَ مَنهَجَ الرَّسُولِ): لمن أراد من أهل الايمان والاسلام سلوك السبيل المرضيّ، والطريق الحق الذي اختاره الله لهذه الأمة ، وهو السبيل المستقيم ، والطريق القويم ، نهج نبينا المصطفى صلوات الله وسلامه عليه.
قال الناظم رحمه الله:
11. سَأَلَنِي إِيَّاهُ مَن لا بُدَّ لِي مِنَ اِمتِثالِ سُؤلِهِ الْمُمتَثَلِ
أنَّ التصنيف هنا وقع بإشارة من فاضل ، لا يمكن ردّ سؤاله وطلبه ، ولا يسعه إلا امتثال أمره ، وقد قالوا : الامتثال هو الأدب ، بل خير من الأدب ، والذي سأله هذا النظم هو شيخه العلامة عبد الله القرعاوي رحمه الله تعالى ليتبين له حال تلميذه ، وأي قدر قد نال من هذه العلوم في علم أصول الدين رحم الله الشيخ والتلميذ، فبادر التلميذ إلى الإمتثال ، وكتب هذا النظم البديع الرائق الذي نال إعجاب شيخه وأهل العلم والفضل في عصره .
فوقع إذاً هنا التصنيف امتثالا لطلبِ فاضلٍ ، وقد يقع ابتداءً من غير طلب أحد ، وهذه طريقةٌ معروفة معلومة عند المصنفينَ، فمن المصنفات ما يقع نتيجة طلبٍ وسؤال ، ومنها ما يقع ابتداءً من غير تقدم طلبٍ وسبقٍ إليه، ومن نظائره تمثيلاً قول الفقيه أبي شجاع الشافعي في متنه المشهور : " سألني بعض الأصدقاء حفظهم الله تعالى أن أعمل مختصرا في الفقه على مذهب الإمام الشافعي رحمة الله تعالى عليه ورضوانه في غاية الاختصار ونهاية الإيجاز".
وقال ابن مودود الحنفي الفقيه في فاتحة كتابه المختار للفتوى : " فَقَدْ رَغِبَ إِلَيَّ مَنْ وَجَبَ جَوَابُهُ عَلَيَّ أَنْ أَجْمَعَ لَهُ مُخْتَصَرًا فِي الْفِقْهِ عَلَى مَذْهَبِ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ أَبِي حَنِيفَةَ النُّعْمَانِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَأَرْضَاهُ - مُقْتَصِرًا فِيهِ عَلَى مَذْهَبِهِ، مُعْتَمِدًا فِيهِ عَلَى فَتْوَاهُ، فَجَمَعْتُ لَهُ هَذَا الْمُخْتَصَرَ كَمَا طَلَبَهُ وَتَوَخَّاهُ".
وقال العلامة مصطفى السيوطي الرحيباني في مطالب أولي النهى شرح غاية المنتهى : " فَالْتَمَسَ مِنِّي بَعْضُ الْمُنْتَمِينَ إلَيَّ، مِنْ أَصْدِقَائِي الْأَعِزَّاءِ عَلَى أَنْ أَشْرَحَهُ شَرْحًا يَكْشِفُ اللِّثَامَ عَنْ مُخَدَّرَاتِهِ، وَيُسْفِرُ عَنْ خَفِيِّ مَكْنُونَاتِهِ، بِحَيْثُ يَكُونُ عَلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ مِمَّا صَحَّحَهُ أَعْيَانُ أَصْحَابِنَا الْأَمَاجِدِ." .
قال الناظم رحمه الله:
12.فَقُلتُ مَعْ عَجزِيْ وَمَعْ إِشْفاقِي مُعتَمِداً عَلَى القَديرِ البَاقِي
أي وبعد ما وقع من السؤال أجبتُ السائل فقلت جوابا لمن سألني مع تقديم عجزي وضعفي وعدم قدرتي على ذلك واشفاقي على نفسي خوف الوقوع في الغلط في مسائلَ عظام هي من أصول الدين وذلك الاشفاق نانج عن قِصَر الباع وقلّة الإطلاع، لكنَّ اشفاقي هذا قوَّاه اعتمادي على ربي جل في علاه وتوكلي على القدير الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، والقدير هو الله تبارك وتعالى فيسأل الله جل في علاه الذي أحاطت قدرتُه بكل شيء من أمر السموات والأرض ولا يعجزه شيء من أمر السموات والارض.
إعتمدتُ عليه متوكلا عليه فهو الباقي الذي ( كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ) وهو الأول والآخر جل في علاه، فأسأل القدير الباقي السدادَ والتوفيق في أقوالي وأفعالي.
قال الناظم رحمه الله:
13.اعلَم بِأَنَّ اللهَ جَلَّ وَعَلا لَم يَترُكِ الْخَلقَ سُدَىً وَهَمَلا
14.بَلْ خَلَقَ الخَلْقَ لِيَعبِدُوهُ وَبِالإِلهِيَّة ِ يُفرِدُوهُ
اعلم أيها الطالب وتنبَّه لما سيؤتىٰ به من الْكَلام، وقوله: (اعلم) تنبيه وحثّ لعظم ما سيلقى من الكلام والخطاب.
وقوله: ( بِأَنَّ اللهَ جَلَّ وَعَلا ) أي تنزَّه عن كلّ نقص وعلا بكلّ معاني العلو فهو العلي الأعلى جلّ في علاه .
( لَم يَترُكِ الْخَلقَ سُدَىً وَهَمَلا ) فلم يتركهم هكذا لأجل الطعام والشراب والنوم والقيام بل خلقهم لغايات عظيمة خُلِقوا من أجلها وهذه الغايات التي خلقوا من أجلها هو قيام العبد بحق الله تبارك وتعالى من عبوديته والتقرب إليه وقد قال جل في علاه: { الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ( ١٩١ ) } [سورة آل عمران].
فربنا جلّ في علاه لم يخلق الخلق لهوا ولا عبثا تعالى الله عن ذلك عُلُوًّا كبيراً بل ربنا منزَّهٌ من أن يخلق شيئا بغير غاية ، ولا لأجل معنىً يُطلب ، فالله جل وعلا خلق السموات والأرض ، وخلق الإنسان وأمر الجميع أن يطيعوه وأن يوحدوه وأن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا.
قال: (بَلْ خَلَقَ الخَلْقَ لِيَعبِدُوهُ) فإن الله جلّ وعلا ما خلق الخلق الا ليقوموا بالواجب عليهم من حق الله تبارك وتعالى وهو افراد الله بالعبودية والطاعة.
قال: ( وَبِالإِلهِيَّة ِ يُفرِدُوهُ ) أي بالطاعات التي يتقرب بها العبد الى ربه تبارك وتعالى فهم يتقربون إلى الله جلّ في علاه بصور العبودية المتنوعة من عبادات ظاهرة وباطنة ، ومن عبادات اللسان ، وعبادات القلوب ، وعبادات الجوارح، فكلٌّ يعبد الله جلّ في علاه قياما بهذا الحقّ العظيم الذي فرضه عليهم فهم يعبدوه ويوحدوه ويفردوه بالطاعات ، ولا يجعلون له نداً ، ولا شريكاً ، ولا مثيلاً ولا نظيراً ، ولا مساوياً تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً.
وهذا العبادة التي تراد هي ما ذكر معناها شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى بأن العبادة هي اسم هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة من صلاة وصيام وزكاة وحج وأداء الأمانات وصدق الحديث والبر والصلة والوفاء بالعهد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإحسان إلى الأقارب والجيران واليتيم والمسكين وابن السبيل، بل الإحسان إلى البهائم والدواب .
كما يشتمل أيضاً على الدعاء والقراءة والذكر فضلاً عمّا يقع من عمل القلب من الخوف والمحبة والرجاء والتوكل على الله تبارك وتعالى ، فهذا هو شامل لمعاني العبودية التي يفردها العبد لربه تبارك وتعالى.
قال الناظم رحمه الله:
‎15. أَخرَجَ فِيمَا قَد مَضَى مِن ظَهرِ آدَمَ ذُرِّيَّتَهُ كَالذَّرِّ
16.‎وَأَخَذَ العَهدَ عَلَيهُمْ أَنَّهُ لا رَبَّ مَعبودٌ بِحَقٍّ غَيرَهُ
قوله رحمه الله تعالى: ( أخرج ) أي أنّ الله تبارك وتعالى أخرج سيدنا آدم عليه الصلاة والسلام ، ومن ظهر آدم أخرج نبينا محمداً ، وآدمُ هو أبو البشر جميعا ، وذريته هو كلّ من يوجد منهم إلى أن تقوم الساعة.
وقوله: ( كالذر ) أي كهيئته، ثم أخذ الله تبارك وتعالى العهد عليهم جميعا أن لا يعبدوا الا الله ولا يعرفوا ربا الا الله ، وأن المعبود بحق هو الله وحده ، وأن الرب بحق وحده هو الله تبارك وتعالى.
وفي هذا المعنى يقول الحق مولانا جل ذكرُه : { وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ ( ١٧٢ ) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ ( ١٧٣ ) وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ( ١٧٤ ) } [سورة الأعراف]
وفي حديث أنس في الصحيحين: عَنْ أَبِي عِمْرَانَ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ، عَنِ النَّبِيِّ قَالَ : " يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لِأَهْوَنِ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ : لَوْ أَنَّ لَكَ مَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ أَكُنْتَ تَفْتَدِي بِهِ ؟ فَيَقُولُ : نَعَمْ. فَيَقُولُ : أَرَدْتُ مِنْكَ أَهْوَنَ مِنْ هَذَا وَأَنْتَ فِي صُلْبِ آدَمَ، أَنْ لَا تُشْرِكَ بِي شَيْئًا، فَأَبَيْتَ إِلَّا أَنْ تُشْرِكَ بِي ".
قال الناظم رحمه الله:
‎17.وَبَعدَ هَذا رُسلَهُ قَد أرسَلا لَهُم وَبِالحَقِّ الكِتابَ أَنزَلا
‎18.لِكَي بِذَا العَهدِ يُذَكِّرُوهُم وَيُنذِرُوهُم وَيُبَشِّرُوهُم
‎19.كَيْ لا يَكُونَ حُجَّةٌ للنَّاسِ بَلْ للهِ أَعلَى حُجَّةٍ عَزَّ وَجَلْ
أي بعد هذا الميثاق الذي أخذه الله تبارك وتعالى في ظهر أبيهم ثم فطرهم على الإقرار به أرسل رسله الكرام عليهم الصلاة والسلام بالحق المبين وأنزل معهم الكتب ليكون ذلك سببا لهدايتهم ودرايتهم ومعرفتهم بحق الله تبارك وتعالى.
قال الناظم رحمه الله:
لِكَي بِذَا العَهدِ يُذَكِّرُوهُم وَيُنذِرُوهُم وَيُبَشِّرُوهُم
أي بهذا الميثاق العظيم الذي أخذ عليهم (ويذكِّروهم) من التذكير وتجديد العهد معهم ، وإقامة الحجة عليهم، وينذروهم ويبشروهم، فإنَّ الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين بُعثوا منذرين ومبشرين، منذرين بعقاب الله ، ومبشرين بمغفرة الله ورحمته.
قال: ( كَيْ لا يَكُونَ حُجَّةٌ للنَّاسِ ) أي لا يكون حجة للناس على ربهم تبارك وتعالى، بل لله تعالى على جميعهم الحجة التامة جلّ في علاه ، وليس لأحد عليه من حجة جلّ وعلا، يقول الحق جل ذكره: { إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا ( ١٦٣ ) وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا ( ١٦٤ ) رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ( ١٦٥ ) } [سورة النساء]
وفي البِشارة والنِّذارة يقول الحق جل ذكره: { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ( ٤٥ ) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا ( ٤٦ ) } [سورة الأحزاب].
قال الناظم رحمه الله:
20.فَمَن يُصَدِّقْهُم بِلا شِقاقِ فَقَد وَفَى بِذَلِكَ الْمِيثاقِ
فمن صدَّق الرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام من غير تكذيب ولا مخالفة ولا معاندة ولا مشآقّة فقد وَفَىٰ لربه جل وعلا بذلك الميثاق، وهٰؤلاء هم المفلحون وهم المنصورون وهم الأقلون.
قال الناظم رحمه الله:
21.وَذاكَ ناجٍ مِن عَذابِ النَّارِ وَذلِكَ الوَارِثُ عُقبَى الدَّارِ
فهٰؤلاء الذين عملوا بذلك العهد والميثاق وأطاعوا الرسل وانتهوا عن مخالفتهم وتكذيبهم فهم الناجون الفائزون وأولئٰك هم الوارثون الجنة دار النعيم المقيم.
قال الناظم رحمه الله:
22.وَمَن بِهِم وَبِالكِتابِ كَذَّبَا وَلازَمَ الإِعراضَ عَنهُ وَالإِبَا
أي : ومن كذَّب بالأنبياء والرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام وبالكتاب أي الكتب المنزلة معهم ليبلغوا عبيده طاعته وحقه، ( وَلازَمَ الإِعراضَ عَنهُ وَالإِبَا ) أي ومازال معرضا آبياً ممتنعا عن طاعته فهٰؤلاء ممَّن قال فيهم: { وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ( ١٢٤ ) } [سورة طه]، ومنه قوله جل وعلا: { فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا ( ٨٩ ) } [سورة الإسراء] .
قال الناظم رحمه الله:
23.فَذَاكَ ناقِضٌ كِلا العَهدَينِ مُستَوجِبٌ لِلخِزيِ فِي الدَّارِينِ
أي: أنَّ ذلك المكذّب بالكتاب المنزل على النبي المرسل ، المعرض عنه ناقض للعهد والميثاق الذي أخذه الله عليه وفطره على الإقرار به، ومكذِّب بما جاءت به الرسل الكرام فهذا مستوجب للخزي في الدارين أي خزي في الدنيا وخزي في الآخرة، عقوبة دنيوية وأخرى أُخروية، قال تعالى: { وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُم مِّنَ الْمَقْبُوحِينَ ( ٤٢ ) } [سورة القصص].
فمن وفَّىٰ فاز ونجىٰ، ومن نقض العهد استوجب ذلك عليه العقوبة العظيمة المُذلّة لأصحابها، المهينة لهم، قال تعالى: { وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ( ٢٥ )}. [سورة الرعد].







التوقيع



قال تعالى:" وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا"
  رد مع اقتباس
قديم 01-12-2018, 06:18 AM   رقم المشاركة : 3
معلومات العضو
سماعيل السلفي
مشرف







سماعيل السلفي غير متواجد حالياً

افتراضي رد: شرح منظومة سلم الوصول للحافظ الحكمي شرح الدكتور عبد الله الجنابي.

المجلس الثالث من شرح منظومة سلم الوصول للحافظ الحكمي
شرح الدكتور عبد الله الجنابي.

الحمد لله رب العالمين وصلي الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى اله وصحبه والتابعين .
وبعد، فهذا الدرس الثالث من شرح ‎( سُلَّم الْوُصُولِ إِلَى عِلْمِ الْأُصُولِ فِي تَوْحِيدِ اللَّهِ وَاتِّبَاعِ الرَّسُولِ ) ‎لِلْعَلاَّمَةِ الشَّيْخِ : حَافِظِ بْنِ أَحْمَدَ الْحَكَمِيِّ ـ رحمه الله تَعَالَى :
قال الناظم رحمه الله:
‎ 24. أَوَّلُ وَاجِبٍ عَلَى الْعَبِيدِ مَعْرِفَةُ الرَّحْمَنِ بِالتَّوْحِيدِ
25. إِذْ هُوَ مِنْ كُلِّ الْأَوَامِرْ أَعْظَمُ وَهُوَ نَوْعَانِ أَيَا مَنْ يَفْهَمُ
26.إِثْبَاتُ ذَاتِ الرَّبِّ جَلَّ وَعَلَا أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى صِفَاتِهِ الْعُلَى
فأول واجب فرضه الله تبارك وتعالى على خلقه أجمعين هو معرفته سبحانه وتعالى ومعرفة حقه الذي وجب عليهم وأخذ الميثاق عليهم .
فأول ما يجب على العبد أن يعرف الله تبارك وتعالى ، وهو الرحمن جلّ في علاه، وسر ذلك الأمر وسببه أنه يجب على العبيد معرفة ما هو حق لله تبارك وتعالى واجب عليهم ، مما يتعلق بالتوحيد لأن أمر التوحيد هو أعظم الأمور ، وبه النجاة والمفازة في اليوم الآخر؛ ذلك لأن الله تبارك وتعالى خاطب المكلفين وخاطب المؤمنين بذلك جميعاً، وجعل خطابه بذلك امرا لهم على وجه الالزام ، وعلى وجه طلب هذا الفعل من غير طلب تخيير لهم فهو أعظم مطلوب ويُضاده الشرك وهو أعظم منهيٌّ عنه؛ ولذلك لا يدخل العبد في الاسلام الا بمعرفة الرحمن تبارك وتعالى ، وبمعرفة ضده مما نهى عنه وهو الشرك.
ثم ذكر رحمه الله أنَّ التوحيد نوعان، وقوله: ( أَيَا مَنْ يَفْهَمُ ) هو من النداء لذوي الفهم والعقل والرشد ممن يفهم الخطاب ، ويفهم الكلام ، وذلك أن التوحيد قسمان :
الأول: هو التوحيد العلمي الخبري الإعتقادي، وفي هذا النوع من أنواع التوحيد اثبات صفات الكمال لله جلّ في علاه، وتنزيه الرب جل وعلا عن شبيه ومثيل وند ونظير وتنزيهه تبارك وتعالى عن كل نقص ، وهذا النوع من التوحيد هو ما يتعلق بإسماء الله الحسنى وصفاته العلى.
والنوع الثاني من أنواع التّوحيد: هُو التّوحيد الطلبي ، وهو عبادة الله تعالى وحده من صورٍ كثيرة ذكرنا طرفاً منها في ما سبق ، وقلنا : إنَّ العبودية اسم جامع لما يحبه الله ويرضاه تبارك وتعالى من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة، والقرآن العظيم نزل لتقرير هذا الواجب ، وبيان هذا الأصل ، وتعظيم شأنه كلّه، فبيَّن التوحيد ، وبيَّن ضده وبيَّن جزاء التوحيد وبيَّن جزاء الشرك كذلك.
ومنه قول ربنا تبارك وتعالى : { طه ( ١ ) مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى ( ٢ ) إِلَّا تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَى ( ٣ ) تَنزِيلًا مِّمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَا ( ٤ ) الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ( ٥ ) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى ( ٦ ) وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى ( ٧ ) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ( ٨ ) } [سورة طه]
وفي السورة الموصوفة بأنها صفة الرحمن قوله تعالى: { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ( ١ ) اللَّهُ الصَّمَدُ ( ٢ ) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ( ٣ ) وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ ( ٤ ) } [سورة الإخلاص].
ففي هذه السورة بيان صفات الرحمن تبارك وتعالى، فإذاً الرب تبارك وتعالى بيَّن صفاته العظام وأسماءه الفخام في كتابِه ، وأمر الناس ان يؤمنوا بها ، وأن يصدِّقوا بها وأن يفهموا حقيقة معناها ويعملوا بمقتضى هذه الأسماء الحسان ، والصفات العظام.
وقول الناظم رحمه الله تعالى رحمة واسعة : ( إِثْبَاتُ ذَاتِ الرَّبِّ جَلَّ وَعَلَا ) : معنى ذلك أنّ العبد يُثبتُ للرب ذاتاً ، وأنَّ الرب تبارك وتعالى له الأسماء الحسنى والصفات العلى هو الذي أوجد الأكوان كلها ما في السموات وما في الأرض .
وفي تقرير هذا يقول الحق تبارك وتعالى : {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ ( ٣٥ ) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَّا يُوقِنُونَ ( ٣٦ ) } [سورة الطور].
فليس يُعقل أنَّهم خلقوا أنفسهم ، فذلك باطل بيَّنُ البُطلان لا وجود له ولا نظير له ، بل لا بُدَّ أن يكون هناك خالق عظيم أوجدهم من العدم ، وخلقهم بعد أن لم يكونوا، وهو الله تبارك وتعالى ، وقد أرشد الرب تبارك وتعالى إلى الاستدلال على معرفته بآياته العظام من آيات السموات وآيات الأرض بل وفي أنفسنا، ومن ذلك قول الله تبارك وتعالى: { وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ ( ٢٠ ) } [سورة الذاريات].
ففيها من الآيات العجيبة الغريبة الدالة على من أوجدها وأنشأها ، وهو الله تبارك وتعالى.
وما في الأرض من آياته من نبات وحيوان ومن جبل ومن زرع ومن ثمر واختلاف الألسن واختلاف الألوان ونحو ذلك ، قال سبحانه : { وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ( ٢١ ) } [سورة الذاريات].
ثم قال في السماء: { وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ ( ٤٧ ) وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ ( ٤٨ ) } [سورة الذاريات].
فالذي بسط الأرض جلّ في علاه ووسعها بقدرته وخلقه ومشيئته ، وفَرَشَ الأرض ووسعها، ذلك هو من فعل الرب تبارك وتعالى فهو الذي خلقها ، وهو الذي أوجدها، يقول الحق تبارك وتعالى: { إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ( ١٦٤ ) } [سورة البقرة].
فجعل في خلق السموات ، وفي خلق الأرض وجعل اختلاف الليل والنهار ، وجعل في السفن التي تمخر عُباب البحر مما ينفع الناس ، وما أنزل الله تبارك وتعالى من السماء من ماء فأحيا به الأرض ، وبث فيها من أصناف الدوابّ ، وصرَّف الرِّياح كيف يشاء ، والسحاب كيف يريد ، إنَّ في ذلك لآيات لقوم يعقلون، يتفكرون، يفهمون عِظَم هذا الخطاب الذي خاطبهم به ربهم تبارك وتعالى.
وأطلق المصنف رحمه الله تعالى القول في اثبات أسماء الله الحسنى ، وصفاته العُليا ، ولم يذكر أنها مُقيّدة بشي معيّن ، أو انها معدودة ثابتٌ عدّها عن النبي ، بل الثابت أنَّ لله تسعة وتسعين اسماً مائة إلا واحداً من أحصاها دخل الجنة.
وفي رواية : " وهو وتر يحب الوتر "
وما وقع في بعض الروايات من ذكر هذه الأسماء وعدّها فإنما أدرجها بعض الرواة ، وليس من كلام النبي.
قال شيخ الإسلام في الدرء : " والصواب الذي عليه جمهور العلماء أن قول النبي إن لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة معناه أن من أحصى التسعة والتسعين من أسمائه دخل الجنة ليس مراده أنه ليس له إلا تسعة وتسعون اسما" .
وقد دلَّت السنة على أنَّ أسماء الله جلّ في علاه ليست منحصرة بعدٍّ كما في حديث ابن مسعود قال : " قال رسول الله : مَا أَصَابَ أَحَدًا قَطُّ هَمٌّ وَلَا حَزَنٌ، فَقَالَ: اللهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ، ابْنُ عَبْدِكَ، ابْنُ أَمَتِكَ ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ، أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي، وَنُورَ صَدْرِي، وَجِلَاءَ حُزْنِي، وَذَهَابَ هَمِّي، إِلَّا أَذْهَبَ اللهُ هَمَّهُ وَحُزْنَهُ، وَأَبْدَلَهُ مَكَانَهُ فَرَحًا " ، قَالَ: فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَا نَتَعَلَّمُهَا؟ فَقَالَ: " بَلَى، يَنْبَغِي لِمَنْ سَمِعَهَا أَنْ يَتَعَلَّمَهَا " رواه أحمد وابن حبان.
فبهذا الحديث تبيَّن انَّ الله تبارك وتعالى له أسماء منها ما اختص بها لنفسه ، ومنها ما خَصَّ بها بعض عباده ، وأنها ليست محصورة، منها ما أنزلها في كتابه، ومنها ما علمها نبيُّه ومنها ما استأثر به في علم الغيب عنده.
فدلَّ هذا على أنَّ أسماء الله جل في علاه ليست محدودة بحدٍّ وهذه الأسماء تتضمَّن الكمال والجمال لله تبارك وتعالى فالله جل وعلا له من كل اسم ووصف أعلاه وأكمله وأحسنه تبارك ربنا وتعالىٰ.
‏والحمد لله رب العالمين وصلي الله وسلم على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه أجمعين







التوقيع



قال تعالى:" وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا"
  رد مع اقتباس
قديم 01-12-2018, 06:19 AM   رقم المشاركة : 4
معلومات العضو
سماعيل السلفي
مشرف







سماعيل السلفي غير متواجد حالياً

افتراضي رد: شرح منظومة سلم الوصول للحافظ الحكمي شرح الدكتور عبد الله الجنابي.

المجلس الرابع من شرح منظومة سلم الوصول للحافظ الحكمي
شرح الدكتور عبد الله الجنابي.

الحمد لله وكفى ، وصلى الله وسلم على نبينا المصطفى ، اللهم صلّ على محمد ‏، وآل محمد ، كما صليت على إبراهيم ، وعلى آل إبراهيم ، وبارك على محمد ، وآل محمد ، كما باركت على إبراهيم ، وآل إبراهيم في العالمين ، إنك حميد مجيد .
فهذا هو الدرس الرابع من شرح ‎( سُلَّم الْوُصُولِ إِلَى عِلْمِ الْأُصُولِ فِي تَوْحِيدِ اللَّهِ وَاتِّبَاعِ الرَّسُولِ ) ‎لِلْعَلاَّمَةِ الحافظ : حَافِظِ بْنِ أَحْمَدَ الْحَكَمِيِّ رحمه الله تَعَالَى .
ويلغ بنا الكلام إلى قوله:
27.‎ وَأَنَّهُ الرَّبُّ الْجَلِيلُ الْأَكْبَرُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ وَالْمُصَوِّرُ
28. بَارِي الْبَرَايَا مُنْشِئُ الْخَلَائِقِ مُبْدِعُهُمْ بِلَا مِثَالٍ سَابِقِ
أي وأن ربنا تبارك وتعالى هو رب كل شيء ومالكه، ربُّ الأوَّلين والآخرين، ربّ المشرقين والمغربين، ربّ السموات وَالأَرْضين، فكل شيء هو مربوب لله تبارك وتعالىٰ، يخلق ما يشاء جلّ في علاه ، يولج الليل في النهار، ويخرج الحي من الميت ، كلٌّ شيء يدبره لأجل مسمَّىً، مدبر أمر السموات وَالأَرْض، وإليه يرجع الأمر كلّه سبحانه وتعالى ، الذي خلق فسوى، وقدر فهدى، وأضحك وأبكى.
(وربّنا الجليل) أي المتصف بجميع نعوت الجلال وصفات الكمال جلّ في علاه.
(الأكبر) الذي له ما في السموات والأرض، وليس من شيء إلا تحت يده ، ذليل بين يديه، هو الكبير ، وهو الأكبر ، وله العظمة ، وله الكبرياء جلّ في علاه.
وقول الناظم رحمه الله: ( الخالق) هو الذي خلق الخلق جميعا { يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِّن بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ } الآية [سورة الزمر]
وقال { فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ... } الآية [ سورة الحج] وقال جلّ في علاه { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ ( ١٢ ) } [سورة المؤمنون] وقال جلّ في علاه في بيان عموم خلقه { الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ( ١ ) } [سورة الأنعام] ، فربنا خالق كلّ شيء جل في علاه.
و( البارئ) هو المنشئ من العدم ، و ( المصور ) هو الذي جعل الخلق لهم صوراً وعلاماتٍ يتميزون بها عن بعض ، قال الحقّ جلّ ذكره { هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( ٢٤ ) } [سورة الحشر].
وقوله رحمه الله عالى : ( باري البرايا) أي هو الله الذي خلق الخلق جميعاً وبرأهم من العدم، منشئ الخلائق، فهو الذي أنشأهم ، وهو الذي أوجدهم ، وهو الذي خلقهم ، بديع السموات وَالأَرْض.
( بلا مثال سابق ) أي أنشأهم بقدرته وإرادته فلم يتقدم لهم نظير ، ولم يتقدم لهم مثال ، ولم يسبقهم خلق، بل هو الذي خلقهم وأوجدهم من العدم فأخرجهم وأظهرهم جلّ في علاه.
قال رحمه اللله تعالى :
28. الْأَوَّلُ الْمُبْدِي بِلَا ابْتِدَاءِ وَالْآخِرُ الْبَاقِي بِلَا انْتِهَاءِ
فالله جلّ وعلا هو الأول ، وهو الآخر ، فليس قبله شيء ، وهو الذي بدأ الخلق جميعاً ، ثم يعيده من غير ابتداء.
وهو الآخر فليس بعده شَيْء ، وهو الباقي وكلّ ما سواه هالك فانٍ ، بلا انتهاء لآخريّته تعالى ، قال جلّ وعلا: { هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( ٣ ) } [سورة الحديد]، وقال جلّ في علاه : { أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ( ١٩ ) } [سورة العنكبوت].
وفي حديث النبي عن أبي هريرة قال : " جاءت فاطمة إلى النبي تسأله خادماً فقال لها : قولي اللهمّ ربّ السماوات السبع وربّ العرش العظيم ربّنا وربّ كلّ شيء منزل التوراة والإنجيل والقرآن فالق الحب والنوى ، أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته ، أنت الأول فليس قبلك شيء ، وأنت الآخر فليس بعدك شيء ، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء ، وأنت الباطن فليس دونك شيء ، اقض عني الدين ، وأغنني من الفقر " رواه الترمذي في جامعه وقال : حسن غريب ، وقال الحاكم : هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ.
فهذا فيه بيان أولية الله تبارك وتعالى ، وأنه لم يسبقه أحدٌ، وآخريته وأنه ليس بعده أحدٌ ، وظاهريته على خلقه فليس فوقه شيء، وباطنيته فليس دونه شيء، ومن كلّ ذلك لربنا الكمال المطلق ، والجلال المطلق ، والجمال المطلق مع التنزيه التام من كلّ نقص أو مشابهة أو مماثلة لله تبارك وتعالى.
قال الناظم رحمه الله تعالى :
29 .الْأَحَدُ الْفَرْدُ الْقَدِيرُ الَأَزَلِي الصَّمَدُ الْبَرُّ الْمُهَيْمِنُ الْعَلِي
(الْأَحَدُ الْفَرْدُ الْقَدِيرُ الَأَزَلِي ) فربنا أحد ليس معه أحد ، تفرَّد بالخلق من غير ضِدٍّ ولا نظير ولا شريك ولا مثيل، يتصرف في أمر الخلائق جميعا من غير أن يَشْرَكَهُ أحدٌ في ذَلِك، له الأسماء الحسان ، والصفات العلى لا يشركه فيها أحد، هو الذي يستحق أن يعبد وحده وليس له في العبادة نظير ولا مثيل ولذلك أمرنا بتنزيهه فقال: {... لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ( ١١ ) } [سورة الشورى ].
فربنا تبارك وتعالى له القدرة المطلقة التامّة التي لا يعجزها شيء من أمر السماء ، ولا من أمر الأرض، وأمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون.
بَدْءُ الخلق وإعادته سواءٌ عنده ، بل إعادته أهون عليه من بدئه ، يمسك السموات وَالأَرْض أن تزولا سبحانه وتعالى { ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ( ٦٢ ) } [سورة الحج] .
فربنا أزليٌّ بذاته ، بإسماءه وبصفاته،لا ابتداء لأوليته، ولا انتهاء لآخريته، قال تعالى في وصف نفسه: {... إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا ( ٤٤ ) } [سورة فاطر] ، { ...وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ( ٩٦ ) } [سورة النساء] ، {... وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ( ١٥٨ ) } [سورة النساء]، سميعاً بصيراً، لطيفاً خبيراً، عليّا كبيراً، وليس ذلك إلا لله تبارك وتعالىٰ.
وقوله: ( الصمد) هو الذي تتوجه إليه الخلائق وتصمد في مسائلهم وحاجاتهم كما فسَّره ابن عباس.
و ( البر) هو وصف لله تبارك وتعالىٰ، ومعناه: هو اللطيف في عباده ، وهُوَ المحسن .
وَالْبر الْمُطلق هُوَ الَّذِي مِنْهُ كل مبرة وإحسان وَالْعَبْد إِنَّمَا يكون برا بِقدر مَا يتعاطاه من الْبر وَلَا سِيمَا بِوَالِديهِ وأستاذه وشيوخه.
قَالَ الْعَلَّامَةُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ فِي كِتَابِهِ (تُحْفَةِ الْعُبَّادِ) : الْبَرُّ هُوَ الْعَطُوفُ عَلَى عِبَادِهِ الْمُحْسِنُ إِلَيْهِمْ، عَمَّ بِبِرِّهِ جَمِيعَ خَلْقِهِ، فَلَمْ يَبْخَلْ عَلَيْهِمْ بِرِزْقِهِ، وَهُوَ الْبَرُّ بِأَوْلِيَائِهِ إِذْ خَصَّهُمْ بِوِلَايَتِهِ، وَاصْطَفَاهُمْ لِعِبَادَتِهِ، وَهُوَ الْبَرُّ بِالْمُحْسِنِ فِي مُضَاعَفَةِ الثَّوَابِ لَهُ، وَبِالْمُسِيءِ فِي الصَّفْحِ وَالتَّجَاوُزِ عَنْهُ. كما في أقاويل الثقات للسفاريني.
( المهيمن) وهو الشاهد والرقيب والحافظ .
قال ابن عباس وغيره : هو الشهيد على عبيده بأعمالهم ، والرقيب عليها، الذي لا يخفى عليه شيء من أحوالها، والله جلّ وعلا على كلّ شيء شهيد.
وهو (العلي) الذي علا خلقَه أجمعين، وله جميع أنواع معاني العلو ِّ، ثابتةٌ موصوف بها ربنا تبارك وتعالى ، فهو العليّ الذي ثبت له وصف العلو فلا يقهره أحد ولا يغلبه أحد ، فوق الخلائق والخلق جميعا تحت ذلِّه وتحت سلطانه وتحت قهره، { وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ( ١٨ ) } [سورة الأنعام]سبحانه وتعالى.
وهذا العلو الذي وُصِف به ربنا تبارك وتعالى تضمَّن معنى علو الرب عن كلّ نقص وعيب، نقص في إلٰهيته، ونقص في ربوبيته، ونقص في أسماء وصفاته، ربٌّ علا فعدل مع خلقه، علوّه لا يعني أنه يظلم خلقه، بل معنى علوه التمام في كل شيء، فله علوٌّ ، وله فوقيّةٌ، وهذا العلو والفوقية على عبيده ثابتة في كتابه و سنة نبيه ، ومن ذلك قول الله سبحانه وتعالى: { سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ( ١ ) } [سورة الأعلى]، وقال: { هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ( ٣٠ ) } [سورة لقمان].
وقال: { { الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ( ٥ ) } [سورة طه]، { هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( ٤ ) } [سورة الحديد] .وغير ذلك من الآيات .
وقد دلَّ على الفوقية في القرآن أيضاً قوله تبارك وتعالى: { { وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عباده}.
قال البغوي : {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} الْقَاهِرُ الْغَالِبُ، وَفِي الْقَهْرِ زِيَادَةُ مَعْنًى عَلَى الْقُدْرَةِ، وَهِيَ مَنْعُ غَيْرِهِ عَنْ بُلُوغِ الْمُرَادِ، وَقِيلَ: هُوَ الْمُنْفَرِدُ بِالتَّدْبِيرِ الَّذِي يُجْبِرُ الْخَلْقَ عَلَى مُرَادِهِ، فَوْقَ عِبَادِهِ هُوَ صِفَةُ الِاسْتِعْلَاءِ الَّذِي تَفَرَّدَ بِهِ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ.
وقوله جل وعلا : { يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ( ٥٠ ) } [سورة النحل].
قال الطبري: يخاف هؤلاء الملائكة التي في السموات، وما في الأرض من دابة، ربهم من فوقهم، أن يعذّبهم إن عَصَوا أمره،ويفعلون ما يؤمرون، يقول: ويفعلون ما أمرهم الله به، فيؤدّون حقوقه، ويجتنبون سُخْطه.
وفي الحديث : " إِذَا قَضَى اللَّهُ الأَمْرَ فِي السَّمَاءِ ضَرَبَتِ الْمَلاَئِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خُضْعَانًا لِقَوْلِهِ كَأَنَّهُ سِلْسِلَةٌ عَلَى صَفْوَانٍ : فإِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا : مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ. رواه البخاري .
قال ابن أبي العز الحنفي في شرح الطحاوية : " وَالنُّصُوصِ الْوَارِدَةِ الْمُتَنَوِّعَةِ الْمُحْكَمَةِ عَلَى عُلُوِّ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ، وَكَوْنِهِ فَوْقَ عِبَادِهِ، الَّتِي تَقْرُبُ مِنْ عِشْرِينَ نَوْعًا... أَحَدُهَا: التَّصْرِيحُ بِالْفَوْقِيَّةِ مَقْرُونًا بِأَدَاةِ: مِنْ، الْمُعَيَّنَةِ لِلْفَوْقِيَّةِ بِالذَّاتِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ} [النَّحْلِ: 50] : التَّصْرِيحُ بِالْعُلُوِّ الْمُطْلَقِ، الدَّالِّ عَلَى جَمِيعِ مَرَاتِبِ الْعُلُوِّ، ذَاتًا وَقَدْرًا وَشَرَفًا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} [الْبَقَرَةِ: 255]. {وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} [سَبَأٍ: 23]. {إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ} [الشُّورَى: 51]." انتهى المراد منه.







التوقيع



قال تعالى:" وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا"
  رد مع اقتباس
قديم 01-13-2018, 11:29 AM   رقم المشاركة : 5
معلومات العضو
سماعيل السلفي
مشرف







سماعيل السلفي غير متواجد حالياً

افتراضي رد: شرح منظومة سلم الوصول للحافظ الحكمي شرح الدكتور عبد الله الجنابي.

المجلس الخامس من شرح منظومة سلم الوصول للحافظ الحكمي
شرح الدكتور عبد الله الجنابي.

الحمد ‏لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك علَى محمد عبده ونبيّه وعلى آله وصحبه والتابعين، وبعد:
فهذا هو الدرس الخامس من شرح ‎( سُلَّم الْوُصُولِ إِلَى عِلْمِ الْأُصُولِ فِي تَوْحِيدِ اللَّهِ وَاتِّبَاعِ الرَّسُولِ ) ‎لِلْعَلاَّمَةِ الحافظ : حَافِظِ بْنِ أَحْمَدَ الْحَكَمِيِّ ـ رحمه الله تَعَالَى.
وقد انتهى بنا الكلام في مجلسٍ سبق، عن صفة العلو للرب جل في علاه.
قال الناظم رحمه الله تعالى :
30- الْأَحَدُ الْفَرْدُ الْقَدِيرُ الَأَزَلِي الصَّمَدُ الْبَرُّ الْمُهَيْمِنُ الْعَلِي
31 - عُلُوَّ قَهْرٍ وَعُلُوَّ الشَّانِ جَلَّ عَنِ الْأَضْدَادِ وَالْأَعْوَانِ
32 - كَذَا لَهُ الْعُلُوُّ وَالْفَوْقِيَّهْ عَلَى عِبَادِهِ بِلَا كَيْفِيَّهْ
33 - وَمَعَ ذَا مُطَّلِعٌ إلَيْهِمْ بِعِلْمِهِ مُهَيْمِنٌ عَلَيْهِمْ
34 - وَذِكْرُهُ لِلْقُرْبِ وَالْمَعِيَّةِ لَمْ يَنْفِ لِلْعُلُوِّ وَالْفَوْقِيَّةِ
35 - فَإِنَّهُ الْعَلِيُّ فِي دُنُوِّهِ وَهْوَ الْقَريِبُ جَلَّ فِي عُلُوِّهِ
فصفةُ العليِّ والأعلى والمُتعال، كلُّ ذلك ورد في كتاب الله تبارك وتعالى فهذا يفيد علوَّ ذات الربِّ تبارك وتعالى على خلقه، وقد ورد في مواطن كثيرة من كتاب الله عز وجل ذكر هذه الصفة كقوله تعالى: {وَلَا يَؤودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ( ٢٥٥ ) } [سورة البقرة].
وقوله جلّ في علاه: { ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ ، وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ( ٦٢ ) } [سورة الحج].
وقوله تباركت أسماءه : { فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ ( ١٢ ) } [سورة غافر] .
وقوله جلَّ وعلا: { إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ ( ٥١ ) } [سورة الشورى] .
وورد وصف الأعلى له في قوله تعالى: { سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ( ١ ) } [سورة الأعلى].
وقوله جلّ في علاه : { إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى ( ٢٠ ) } [سورة الليل] .
وأما المتعال فقد ورد في قوله جلّ في علاه: { عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ ( ٩ ) } [سورة الرعد].
فربنا جلّ في علاه عليّ، متعالٍ، أعلى، وهذا العلو يفيد الإرتفاع على الخلق ، وارتفاع مكانه عن أماكن خلقه جلّ في علاه؛ لأنه سبحانه وتعالى فوق جميع خلقه والخلقُ دونه، وقد وصف نفسه بأنه على العرش، فهو عالٍ بذلك عليهم.
وفي معنى العلو التي يتضمَّنها هذا الاسم الجليل هو القَهْر، بمعنى أنه قهر الخلق جميعاً ، وعلا عليهم جميعا، فكلٌّ تحت قهره، وكلٌّ تحت سلطانه، وكلٌّ تحت عظمته، لا إلٰه إلا هو لا ربَّ سواه، جلّ في علاه ؛ لأنه العظيم الذي لا أعظم منه، والعليّ الذي لا أعلى منه، والكبير الذي لا أكبر منه تعالى عمَّا يقول الظالمون المعتدون علوًّا كبيراً، أفاده البغوي في التفسير رحمه الله تعالى .
فهذا الوصف بالعلو هو العلو المطلق من جميع الجهات، علوُّ ذاتٍ وعلوُّ قدرٍ وعلوُّ صفةٍ وعلوُّ قهرٍ، فهو الذي على العرش استوى وعلى الملك احتوى، وبجميع صفات العظمة والكبرياء والجلال والجمال وغاية الكمال اتصف ، وإليه فيها المنتهى سبحانه وتعالى.
وقد ذكر المحقق ابن القيم رحمه الله في " نونيّته " قال:
وهو العلي فكل أنواع العلــــــــو له فثابتة بلا نكران
وهذه الصفة أيضاً ثبتت في أحاديث كثيرة منها حديث النبي حين سأل الجارية : " فَقَالَ لَهَا : " أَيْنَ اللَّهُ ؟ " قَالَتْ : فِي السَّمَاءِ. قَالَ : " مَنْ أَنَا ؟ " قَالَتْ : أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ. قَالَ : " أَعْتِقْهَا، فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ ". الحديث... رواه مسلم وغيره.
ففي هذا الحديث دليل على أنَّ الرجل إذا لم يعلم أنَّ الله عزَّ وجلَّ في السماء دون الأرض فليس بمؤمن.
ومن ذلك أحاديث المعراج النبوي الشريف، وهي أحاديث ذكر بعض أهل العلم أنها متواترة ، وأجمع عليها سلف الأمة وأئمّتها.
ومنه قول النبي في صحيح مسلم من حديث أبي موسى قال قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ، فَقَالَ : " إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَنَامُ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ، يَخْفِضُ الْقِسْطَ ، وَيَرْفَعُهُ، يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ، وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ حِجَابُهُ النُّورُ ".
وفي حديث أبي هريرة أنَّ رسول الله قال : " يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ، فَيَسْأَلُهُمْ - وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ - : كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي ؟ فَيَقُولُون : تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ ". رواه البخاري
ومنه حَدِيث أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا مِنْ رَجُلٍ يَدْعُو امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهَا، فَتَأْبَى عَلَيْهِ إِلَّا كَانَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ سَاخِطًا عَلَيْهَا حَتَّى يَرْضَى عَنْهَا ". رواه مسلم، وغير ذلك من الأحاديث التي تدل على اثبات العلو لله تبارك وتعالى .
وذكر المحقق ابن القيم تعالى: أنَّ علوَّ الله جل في علاه بذاته على خلقه له أدلة كثيرة، وأنه يدخل تحت ذلك أنواع وأن كل نوع تحته أفراد، فمن ذلك أنَّ الله جلَّ وعلا صرَّح بوصف العلوّ في آيات عدّة ، وقد ذكرنا طرفا مِنْهَا.
ومنْهَا : قوله تعالى : {وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ( ٢٥٥ ) } [سورة البقرة].
ومنها : التصريح بفوقيّته جلّ في علاه مثل قوله تعالى: { يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ( ٥٠ ) } [سورة النحل].
ومنها : التصريح بأنه في السماء كقوله تعالى: { أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ ( ١٦ ) } [سورة الملك].
وقول النبي صلوات الله وسلامه عليه: "قَالَ : " أَلَا تَأْمَنُونِي، وَأَنَا أَمِينُ مَنْ فِي السَّمَاءِ، يَأْتِينِي خَبَرُ السَّمَاءِ صَبَاحًا وَمَسَاءً ؟ " رواه البخاري .
ومن ذلك الإخبار برفعه بعض خلقه إليه كسيّدنا عيسىٰ في قوله تعالى: { بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ( ١٥٨ ) } [سورة النساء].
ومنها أيضاً : الإخبار بعروج الملائكة إليه كقوله تعالى: { تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ( ٤ ) } [سورة المعارج].
ومنه : الإخبار بصعود الكلم الطيب والعمل الصالح إليه كقوله تعالى: { مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ ( ١٠ ) } [سورة فاطر].
ومنها أيضاً : إخباره عن بعض مخلوقاته بأنها عنده تبارك وتعالى، قال جلَّ وعلا : { إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ ( ٢٠٦ ) } [سورة الأعراف] .
وقال : { وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ ( ١٩ ) } [سورة الأنبياء] .
وبهذا يُستدل على علوِّ الله تبارك وتعالى .
وبه ردٌّ على قول أهل الباطل أنَّ الله تبارك وتعالى في كل مكان، والله جلّ وعلا منزَّهٌ عن ذلك كله، بل هو في العلو. وليس معنى هذا أنَّه بعيد عن خلقه، بل تبارك وتعالى مع علوِّه فوق سماواته على عرشه وبَيْنونَتِه من خلقه محيطٌ بكل شيء من أمر خلقه، فالربُّ تبارك وتعالى مع علوه وقهره وغلبته وتنزُّهِهِ عن الأضداد والأعوان، وأنَّ له العلوّ والفوقية بلا كيفية، فلا يماثلها شيء ولا يُشَابِهُها شيء { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ( ١١ ) } [سورة الشورى].
وعلوّه لا يمنع من اطّلاعه على خلقه بعلمه فهو معهم عالم بأحوالهم، مهيمن عليهم، وقربه منهم ومعيّته معهم لا ينفي أنَّه عالٍ فوقهم، فهو عليّ في دنوّه ، قريب َ في علوه سبحانه تبارك وتعالى.
وفي الحديث أنه كان بعض الصحابة يرفعون أصواتهم في الدعاء فعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ، قَالَ : كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ، فَكُنَّا إِذَا أَشْرَفْنَا عَلَى وَادٍ هَلَّلْنَا وَكَبَّرْنَا، ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُنَا، فَقَالَ النَّبِيُّ: " يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أرْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ ؛ فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، إِنَّهُ مَعَكُمْ، إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ، تَبَارَكَ اسْمُهُ وَتَعَالَى جَدُّهُ ".
وفي رواية : إنه أقرب إليكم من أعناق رواحلكم.
لا تدعون أصمّ أي الذي لا يسمع، ولا غائب، فأنتم تدعون العليّ السميع البصير الذي هو معكم وأحاط بشأنكم فهذا من كماله فهو مع علوّ مقامه ومكانته وفوقيّته على خلقه قريب مِنْهُم، معهم، مطَّلِعٌ عليهم، لا تنافي بيّن علوّه وقربه من خلقه وله من ذلك كله الكمال المطلق والجمال المطلق والجلال المطلق تبارك ربنا وتعالى.
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله في فتح الباري له : " ولم يكن أصحاب النبي يفهمون من هذه النصوص غير المعنى الصحيح المراد بها ، يستفيدون بذلك معرفة عظمة الله وجلاله ، وإطلاعه على عباده وإحاطته بهم ، وقربه من عابديه ، وإجابته لدعائهم ، فيزدادون به خشية لله وتعظيما وإجلالا ومهابة ومراقبة واستحياء ، ويعبدونه كأنهم يرونه .
ثم حدث بعدهم من قلَّ ورعه ، وساء فهمه وقصده ، وضعفت عظمة الله وهيبته في صدره ، وأراد أن يري الناس امتيازه عليهم بدقة الفهم وقوة النظر ، فزعم أن هذه النصوص تدل على أن الله بذاته في كل مكان ، كما يحكى ذلك عن طوائف من الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم ، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً ، وهذا شيء ما خطر لمن كان قبلهم من الصحابة ، وهؤلاء ممن يتبع ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ، وقد حذر النبي أمته منهم في حديث عائشة الصحيح المتفق عليه .
وتعلقوا – أيضاً - بما فهموه بفهمهم القاصر مع قصدهم الفاسد بآيات في كتاب الله ، مثل قوله تعالى : ( وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ( [ الحديد : 4 ] وقوله: ( مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ ( [ المجادلة : 7 ] ، فقال من قال من علماء السلف حينئذ : إنما أراد أنه معهم بعلمه ، وقصدوا بذلك إبطال ما قاله أولئك ، مما لم يكن أحد قبلهم قاله ولا فهمه من القرآن" .







التوقيع



قال تعالى:" وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا"
  رد مع اقتباس
قديم 01-13-2018, 11:30 AM   رقم المشاركة : 6
معلومات العضو
سماعيل السلفي
مشرف







سماعيل السلفي غير متواجد حالياً

افتراضي رد: شرح منظومة سلم الوصول للحافظ الحكمي شرح الدكتور عبد الله الجنابي.

المجلس السادس من شرح منظومة سلم الوصول للحافظ الحكمي
شرح الدكتور عبد الله الجنابي.
الحمد لله ‏رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على محمد عبده ونبيه وعلى آله وصحبه والتابعين.
وبعد:
هذا هو الدرس السادس من شرح ‎( سُلَّم الْوُصُولِ إِلَى عِلْمِ الْأُصُولِ فِي تَوْحِيدِ اللَّهِ وَاتِّبَاعِ الرَّسُولِ ) ‎لِلْعلامة الحافظ حَافِظِ بْنِ أَحْمَدَ الْحَكَمِيِّ رحمه الله تَعَالَى .
وقد انتهى بنا الكلام إلى قوله رحمه الله تعالى رحمة واسعة:
36. حيٌّ وقيومٌ فلا ينامُ وجَلَّ أن يُشبِهَه الأنامُ
يذكر تبارك وتعالى في هذا النظم صفة الحياة لله جلّ في علاه، واسمه " الحيّ " .
وهذا الاسم الكريم قد تكرر ذكره في آيات عدّة في كتاب الله تبارك وتعالى منها: { اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ... ( ٢٥٥ )} الآية، [سورة البقرة].
وقوله جل في علاه: { الم ( ١ ) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ( ٢ ) } [سورة آل عمران].
وقوله تبارك وتعالى: { وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا ( ١١١ ) } [سورة طه] .
وقوله جل وعلا: { وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا ( ٥٨ ) } [سورة الفرقان].
وقوله تبارك وتعالى: { هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ( ٦٥ ) } [سورة غافر].
فهذه الآيات التي ورد فيها اسم " الحيّ " وهذا الاسم لله تبارك وتعالى صفة الكمال المطلق، فحياته دائمة لا تنقطع ، وبقاءه لا أوَّل له ، ولا آخر جلّ في علاه.
ومعنى ذلك أنَّ الحياة الدائمة هذه له صفة ملازمة كانت وما تزال ، والربُّ تبارك وتعالى لمَّا وصف نفسه بالحياة معنى ذلك أنَّ له حياة.
ولما وصف نفسه بالعلم أفاد أنَّ له علما، ولمّا ‏وصف نفسه بالقدرة فإن معنى ذلك أن له قدرة .
فإذاً حياة الله جلَّ وعلا لا فناء لها ولا انقطاع لها. فهي تخالف حياة المخلوقين، فربنا حيٌّ لا يموت ، ولا يبيد ، ولا ينقطع ، دام وجوده ، وعزَّ نواله، تباركت اسماءه، وتعالت صفاته.
فالربُّ جل وعلا ، حيٌّ موصوف بالحياة ، وحياته مباينة لحياة خلقه ، فالربُّ تبارك وتعالى لا تحدث له الحياة بعد موت، بل هو موصوف بها ابتداءً وانتهاءً ، وكلّ شيء هالك إلا وجهه ، فحياته صفة قائمة بذاته.
وذكر الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في قوله جلّ وعلا: " الحيّ القيىوم " أي: الحيّ في نفسه الذي لا يموت أبداً. وأما القيوم فسيأتي عليها الكلام قريباً.
ولا شكَّ أنَّ لهذا الاسم العظيم آثاراً ايمانية، ومن هذه الآثار اعتقاد أنَّ الله تبارك وتعالى حيٌّ بحياة هي له صفة ، حيٌّ أبداً لا يموت ، والإنس والجن وكلّ من عليها فانٍ ، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام.
فحياة الربِّ تبارك وتعالى أكمل الحياة، وحياة الربّ أتمُّ الحياة، وإذا ثبت له الكمال المطلق في ذلك استلزم أيضاً نفي كلّ ما يضاد كمال هذه الحَيَاة.
حيانه لا تشابه حياة خلقه ، فلا يجري عليها موت، ولا يجري عليها فناء، ولا يعتريها وتأخذها سِنَةٌ كما ذكر الربّ تبارك وتعالى ذلك في كتابه ، وقال نبيّه صلوات الله وسلامه عليه: كما هو عَنْ أَبِي مُوسَى ، قَالَ : قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ، فَقَالَ : " إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَنَامُ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ، يَخْفِضُ الْقِسْطَ ، وَيَرْفَعُهُ، يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ، وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ حِجَابُهُ النُّورُ ".
وَفِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ : " النَّارُ لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ " رواه البخاري.
وفي دعاء النبيّ أنه كان يقول كما جاء عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ كَانَ يَقُولُ : " اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ ، وَبِكَ آمَنْتُ ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ ، وَبِكَ خَاصَمْتُ ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِعِزَّتِكَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ أَنْ تُضِلَّنِي ، أَنْتَ الْحَيُّ الَّذِي لَا يَمُوتُ ، وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ يَمُوتُونَ ". رواه مسلم.
فهذا هو ما ذكرناه من معنى وصف الرب جلَّ وعلا ، بأنه الحيّ كما دلَّ على ذلك الكتاب والسُّنّة.
وأما الوصف الآخر الذي ذكره الناظم تبارك تعالى من وصف الربّ بالقيّوميّة، فالقيوم أيضاً جلّ في علاه ورد ذكره في القرآن في مواطن ثلاثة، أولها في سورة البقرة وهو قوله تعالى: { اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ... ( ٢٥٥ )} الآية [سورة البقرة] ، وقوله جلَّ وعلا في سورة "آل عمران" { الم ( ١ ) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ( ٢ ) } [سورة آل عمران].
وقوله في سورة "طه" وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا ( ١١١ ) } [سورة طه].
وقد تَلْحَظُ هنا أنَّ القيوم سُبِق بالحيّ واقترن به، فإذاً ما هو معنى القيوم وما هو معنى القائم مما يتعلق معناه بالله تَبَارَك وتعالىٰ.
الربُّ جلّ وعلا وصف نفسه ، وذكر نفسه بأنه قائم بأمر كل شيء ، قائم بأمر الخلق، قائم بأمر السمٰوات والأرض سبحانه وتعالى، قائم بشأن الأرزاق، يُدبِّر ويُصرِّف ويفعل ما يريد جلَّ في علاه ، فالله جلّ وعلا هو القائم بأمر خلقه جميعا { أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ... ( ٣٣ ) } الآية [سورة الرعد].
وقيامه : أي بحفظها ومجازاتها ومحاسبتها، وقيامه دائم فلا يزول ، وهو القيّم على كلّ شيء برعايته سبحانه وتعالى، وقائم بتدبير ما خلق.
وذكر العلاّمة ابن سعدي رحمه الله تعالى في بيان معنى الحيّ القيوم قال: كامل الحياة والقائم بنفسه، القيوم لأهل السمٰوات والأرض القائم بتدبيرهم وأرزاقهم وكلّ أحوالهم ، حيّ جامع لصفات الذات ، وقيوم جامع لصفات الأفعال ، قال ابن القيم رحمه الله تعالى :
هذا ومن أوصافه القيوم والقيوم في أوصافه أمران
إحداهما القيوم قام بنفسه والكون قام به هما الأمران
فالأول استغناؤه عن غيره والفقر من كل اليه الثاني
والوصف بالقيوم ذو شأن عظيم هكذا موصوفه أيضا عظيم الشان
والحي يتلوه فأوصاف الكما ل هما لأفق سمائها قطبان
فالحي والقيوم لن تتختلف ال أوصاف أصلا عنهما ببيان
فإذاً هنا ذكر الناظم رحمه الله تعالى وصفينِ جليلين لله تبارك وتعالىٰ ، وصف الحياة ، ووصف القيومية ، وهذا معنى أنه قيوم بنفسه لا يحتاج في دوامه أحد ، ولا يحتاج في قيامه إلى أحد ، وكيف يحتاج إلى غيره أو أحدٍ من خلقه وهم أنفسهم لا قيام لهم إلا بإقامة الحي القيوم لهم.
فالله تبارك وتعالىٰ مدبر أمر الخلائق في السماء والأرض كلّها محتاجة إليه، وليست قائمة بنفسها بل محتاجة للحي القيوم الذي يرزقها ويحييها ويقيمها.
ومن كمال قيُّوميّته جلّ وعلا أنه لا ينام تبارك وتعالى ، ولا تعتريه سِنَةٌ ، ولا تعتريه غفلة، تنزّه عن ذلك كلّه ربنا جلّ وعلا.
ومما يلحظ أنّ اسم الحيّ يقترن بالقيوم وأنّ القيوم يقترن بالحي، فالموارد التي ذكر فيها القيوم سبق بوصف الحياة لله تبارك وتعالىٰ، وهذا يستلزم سائر صفات الكمال ، دالّ على البقاء، دالّ على الدوام، دالّ على انتفاء النقص والعدم أزلاً وأبداً؛ ولذلك قال: { اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ... ( ٢٥٥ )} الآية، [سورة البقرة] ، في أعظم آية في القرآن، فعلى هٰذين الاسمين العظيمين مدار الاسماء الحسنى، والقيوم تضمّن كمال غناه وكمال قدرته ، فإنّ القائم بنفسه لا يحتاج إلى غيره بأي وجه من الوجوه.
وفي السنة النبوية المطهرة كما في حديث أنس قال: قَالَ : كُنْتُ جَالِسًا مَعَ رسُولِ اللَّهِ فِي الْحَلْقَةِ، وَرَجُلٌ قَائِمٌ يُصَلِّي، فَلَمَّا رَكَعَ وَسَجَدَ جَلَسَ وَتَشَهَّدَ، ثُمَّ دَعَا فَقَالَ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّ لَكَ الْحَمْدَ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الْمَنَّانُ، بَدِيعَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، يَا حَيُّ، يَا قَيُّومُ ، إِنِّي أَسْأَلُكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ♀ : " أَتَدْرُونَ بِمَا دَعَا ؟ " قَالُوا : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ : " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ دَعَا اللَّهَ بِاسْمِهِ الْعَظِيمِ الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ، وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى ". قَالَ عَفَّانُ : " دَعَا بِاسْمِهِ ".
وهذا لا يتنافى أنّ الاسم الأعظم هو الله جلّ في علاه ، إذاً دعاء الله بهذه الأسماء الحسان كما قال الله جل وعلا: { وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ( ١٨٠ ) } [سورة الأعراف] ، هذا من امتثال أمر الربّ لسؤاله بإسماءه وصفاته.
وفي حديث أنس" كان يدعو ويقول: يا حيّ ياقيوم " . وفي رواية: " أي حيٌّ أي قيوم ".
ومنه حديث أنس لمّا قال النبي لفاطمة: ما يمنعك أن تسمعي ما أوصيك به: أن تقولي إذا أصبحت وإذا أمسيت: يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث أصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين.
قال المنذري: رواه النسائي والبزار بإسناد صحيح والحاكم وقال: صحيح على شرطهما. اهـ. وحسنه الألباني.
وفي مستدرك الحاكم من حديث ابن مسعود قال: قال رسول الله: " من قال أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه غفر له وإن كان فرّ من الزحف "
وذكر الحافظ ابن حجر عن أبي نُعيم الأصبهاني الحافظ قال: هذا يدلّ على أنّ بعض الكبائر تُغفر ببعض العمل الصَّالِح، وضابطه الذنوب التي لا توجب على مرتكبها حكما في نفس ولا مال .
ووجه الدلالة منه أنّه مَثَّل بالفرار من الزحف وهو من الكبائر، فدل على أنّ ما كان مثله أو ذونه يُغفر، اذا كان مِثْل الفرار من الزحف فإنَّه لا يوجب على مرتكبه حكماً في نفس ولا مال.
والحمد لله ربّ العالمين هذا آخر المجلس السادس، نسأل الله التوفيق والإعانة والسداد. وصلى الله وسلّم علَى محمد وعلى آله وصحبه أجمعين






التوقيع



قال تعالى:" وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا"
  رد مع اقتباس
قديم 01-13-2018, 11:30 AM   رقم المشاركة : 7
معلومات العضو
سماعيل السلفي
مشرف







سماعيل السلفي غير متواجد حالياً

افتراضي رد: شرح منظومة سلم الوصول للحافظ الحكمي شرح الدكتور عبد الله الجنابي.

المجلس السابع من شرح منظومة سلم الوصول للحافظ الحكمي
شرح الدكتور عبد الله الجنابي.

الحمد لله ‏ربّ العالمين وصلى الله وسلم وبارك على محمد عبده ونبيه وعلى آله وصحبه والتابعين.
وبعد:
هذا هو الدرس السابع من شرح ‎( سُلَّم الْوُصُولِ إِلَى عِلْمِ الْأُصُولِ فِي تَوْحِيدِ اللَّهِ وَاتِّبَاعِ الرَّسُولِ ) ‎لِلْعَلاَّمَةِ الحافظ : حَافِظِ بْنِ أَحْمَدَ الْحَكَمِيِّ رحمه الله تَعَالَى.
وقد انتهى بنا المقال إلى البيت السابع والثلاثين من النظم وهو قوله رحمه الله :
37.لا تبلُغُ الأوهامُ كُنْهَ ذاتِهِْ ولا يُكيِّفُ الحِجا صفاتِهِْ
ومعنى ذلك أنَّ العقول لا تستقل بإدراكه، وإنما ربّنا تبارك وتعالى يُعْرَف وصفه فيما بيّنه في كتبه المنزلة على رسله الكرام عليهم الصلاة والسلام، فتبارك وتعالى لا يستطيع أحد من خلقه الإحاطة به قال جلّ في علاه: {وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ } [ ( ٢٥٥ ) } [سورة البقرة] .
فمعرفة الله جل وعلا على الحقيقة لا تكون إلا من خلال آياته العظام التي ذكرها في كتابه وبينها رسوله، فالعقول قاصرةٌ، عاجزةٌ أنْ تدرك عِظَم شأن ربنا تبارك وتعالى بأسماءه وصفاته.
وقوله رحمه الله تعالى : ( ولا يُكيِّفُ الحِجا ) أي: العقل، فلا يكيّف العقل صفاته؛ لأن الله تبارك وتعالىٰ لا يعلمُ كيف هو إلا هو، فالواجب على العبد أن يؤمن بالله تبارك وتعالىٰ ، وأن يؤمن بأسماءه ، وأن يؤمن بصفاته ، وأن يُمِرَّها كما جاءت، واعتقاد أنها حق؛ لأنّ الحق تبارك وتعالى أخبر بها، وأخبر بها نبيَّنا تسليماً كثيرا، فلا تُكَيَّفُ ولا تُمَثَّلُ؛ لأنّ الله عز وجلّ تعالى عن مثيلٍ ، وعن نظير ، وعن ندٍّ، وهكذا القول في جميع صفات الله تبارك وتعالىٰ، فعقولنا قاصرة عن ادراك حقيقتها.
وما يُذكر لنا إنما هو في المِثال ، وله جلّ وعلا المثل الأعلى في السمٰوات وَالأَرْض سبحانه وتعالىٰ.
ثم قال رحمه الله تعالى :
38. باقٍ فلا يَفنَى ولا يَبِيدُ ولا يكونُ غيرُ ما يُريدُ
39.مُنفرِدٌ بالخلقِ والإرادةْ وحاكمٌ جَلَّ بِما أرادَهْ
هنا يتكلم الناظم عن بقاء الله تبارك وتعالى ، وأنَّ بقاءه لا انتهاء له، كما أنَّ ابتداءه لا أوَّليَّة له؛ ولذلك لا يطرأ عليه الفناء، ولا يطرأ عليه الهلاك، ولا يطرأ عليه الموت؛ بل هو الذي يُفْنِي الخلائق جميعاً ، وهو الذي يُبديها ، ويعيدها تبارك وتعالىٰ.
قال جلّ وعلا: { كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( ٨٨ ) } [سورة القصص].
وقال جلّ وعلا: { كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ( ٢٦ ) } [سورة الرحمن].
فبيَّنت الآيات فناء الخلق ، وبقاء الرب تبارك وتعالى ، وأنَّ كلّ مخلوق يفنى ، وأن كلّ مخلوق يبيد ، ويبقى الله جلّ في علاه.
ثم قال ولا يكون ) أي في الكون والخلق ( غير ما يريد ) أي ما يريد الله تبارك وتعالىٰ، والمقصود بالإرادة هنا هي الإرادة القدرية الكونية الشاملة النافذة الماضية، فما شاء الله جلّ وعلا كان ، وما لم يشأ لا يكون ، فهو سبحانه فعَّالٌ لما يريد.
وما من حركة في السمٰوات وَالأَرْض إلا بإرادته ومشيئته ، ولو شاء عدمَ وقوعها لم تقع، قال تبارك وتعالى: { فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ ( ١٦ ) } [سورة البروج].
وقال: { وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا ( ١٦ ) } [سورة الإسراء].
فهذا أمر قدري كوني وليس بأمر شرعي، قال تعالى: { يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ... ( ١٨٥ ) } [سورة البقرة].
وقال: { وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا } [ ( ٤١ ) سورة المائدة].
وقال جلّ وعلا حاكياً عن نوح قوله لقومه: { وَلَا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( ٣٤ ) } [سورة هود].
وقوله: { وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يُرِيدُ ( ١٦ ) } [سورة الحج].
وقوله جلّ في علاه: { قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ( ١١ ) } [سورة الفتح].
وقوله تبارك وتعالى: يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ( ١٧٦ ) } [سورة آل عمران].
وقول النبي: " مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ " رواه البخاري.
ومنه قوله من حديث أَنَسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: " إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الْخَيْرَ عَجَّلَ لَهُ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا، وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الشَّرّ َ أَمْسَكَ عَنْهُ بِذَنْبِهِ حَتَّى يُوَافِيَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ". رواه الترمذي.
ومنه قوله وهو في المسند: عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: " إِذَا أَرَادَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِأَهْلِ بَيْتٍ خَيْرًا أَدْخَلَ عَلَيْهِمُ الرِّفْقَ ".
فهذا مبين لإرادة الله تبارك وتعالى، وكذلك مشيئته، ومنه قوله تعالى: { وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ( ١١٢ ) } [سورة الأنعام] .
وقوله: { لَّوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا } [ ( ٣١ ) سورة الرعد] .
وقوله: { وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ( ١٣ ) } [سورة السجدة].
وقال: { وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ } [ ( ٤ ) سورة محمد].
وقال جلّ وعلا عن موسى:{ قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا ( ٦٩ ) } [سورة الكهف].
وقال: { رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا ( ٥٤ ) } [سورة الإسراء].
وقال تبارك وتعالى: { وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ( ١٢٩ ) } [سورة آل عمران].
فهذه الآيات التي ذكرها الرب جلّ وعلا في كتابه العظيم تتضمَّن الرد على طوائف الضلال ممن ينفون المشيئة الكليّة ، وممن ينفون مشيئة أفعال العباد وحركاتهم وهداهم وضلالهم، والرب جلّ وعلا يخبر تارةً أنَّ كل ما في الكون بمشيئته ، وتارة أنَّ ما لم يشأ لم يكن ، وتارةً أنه لو شاء لكان خلاف الواقع، وأنه لو شاء لكان خلاف القدر الذي قدَّره وكتبه، وأنه لو شاء ما عُصي، وأنه لو شاء لجمع خلقه جميعاً على الهدى، وجعلهم أمة واحدة، فتضمَّن ذلك أنَّ الواقع بمشيئته، وما لم يقع فلعدم مشيئته، وهذه حقيقة الربوبية ، وهو معنى كونه ربّ العالمين جلّ في علاه ، فهو القيوم القائم بتدبير أمور عباده فلا خلق ولا رزق ولا عطاء ولا منع ولا قبض ولا بسط ولا موت ولا حياة ولا ضلال ولا هدى ولا سعادة ولا شقاوة إلا بعد إذنه ، كلّ ذلك بمشيئته وتكوينه إذ لا مالك غيره ، ولا مدبّر سواه ، ولا ربّ غيره جلّ في علاه.
ومن الأحاديث الدالة على اثبات المشيئة قوله صلوات الله وسلامه عليه من حديث أبي بُرْدَةَ بْنُ أَبِي مُوسَى ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ إِذَا جَاءَهُ السَّائِلُ أَوْ طُلِبَتْ إِلَيْهِ حَاجَةٌ، قَالَ : " اشْفَعُوا تُؤْجَرُواوَيَقْضِي اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ مَا شَاءَ ". رواه البخاري.
وعَنْ أَنَسٍ عند الترمذي قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ : " يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ، ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ ".
ومنه قوله صلوات الله وسلامه عليه من حديث أبي هريرة: " وَمَثَلُ الْكَافِرِ كَمَثَلِ الْأَرْزَةِ صَمَّاءَ مُعْتَدِلَةً، حَتَّى يَقْصِمَهَا اللَّهُ إِذَا شَاءَ ". رواه البخاري.
وقوله في حديث احتجاج الجنة والنار عند قول الله تعالى للجنة: " أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي. وَقَالَ لِلنَّارِ : إِنَّمَا أَنْتِ عَذَابِي أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي " وهو في الصحيحين.
وفي حديث الشفاعة وهو حديث عظيم طويل قال: " فَإِذَا رَأَيْتُ رَبِّي وَقَعْتُ لَهُ سَاجِدًا، فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدَعَنِي " أي ساجدا، رواه البخاري.
وفي حديث آخر: "فَيَسْكُتُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَسْكُتَ " وهو في الصحيحين، وغير ذلك من الأحاديث.
وقوله رحمه الله تعالى: ( منفرد بالخلق ) أي: أنَّ الربَّ تبارك وتعالى انفرد بالخلق فلا معين له ولا نصير ولا ظهير بل هو الغني عن ذلك كلّه، خلق كل شيء ودبّره، قال تعالى: { ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ( ١٠٢ ) } [سورة الأنعام].
وقال: { هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( ٢ ) } [سورة التغابن].
وقال: { خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ( ٣ ) } [سورة التغابن].
وفي الصحيحين من حديث الأشعريين قوله: " لَسْتُ أَنَا أَحْمِلُكُمْ، وَلَكِنَّ اللَّهَ حَمَلَكُمْ" .
فالله تبارك وتعالى منفرد بالخلق فهو الذي خلق الخلائق جميعاً بإرادته ومشيئته وقدرته وحده من غير عون ، بل تنزَّه ربنا تبارك وتعالى أن يكون له صاحب ، أو أن يكون له معين.
وقوله تعالى : (مُنفرِدٌ بالخلقِ والإرادةْ )
فلا مراد لأحد معه ، ولا إرادة لأحد إلا بعد إرادته، قال تعالى: { كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ ( ٥٤ ) فَمَن شَاءَ ذَكَرَهُ ( ٥٥ ) وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ ( ٥٦ ) } [سورة المدثر] سبحانه وتعالى.
وقوله تعالى : ( وحاكمٌ جَلَّ بِما أرادَهْ ) أي: فلا معقّب لحكمه ولا رادّ لإرادته ومشيئته ، وما كان الله ليعجزه من شيء في السمٰوات ولا في الأرض، { بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ ( ١١٧ ) } [سورة البقرة].
وقال جلّ وعلا: { إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ( ٨٢ ) } [سورة يس]
وفي حديث أبي ذَرٍّ عند أبي عيسى الترمذي وغيره قال: " ذَلِكَ بِأَنِّي جَوَادٌ وَاجِدٌ مَاجِدٌ، أَفْعَلُ مَا أُرِيدُ، عَطَائِي كَلَامٌ، وَعَذَابِي كَلَامٌ، إِنَّمَا أَمْرِي لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْتُهُ أَنْ أَقُولَ لَهُ : كُنْ. فَيَكُونُ ".
قال العلامة المباركفوري: قَالَ الْقَاضِي عياض: يَعْنِي مَا أُرِيدُ إِيصَالَهُ إِلَى عَبْدٍ مِنْ عَطَاءٍ أَوْ عَذَابٍ لَا أَفْتَقِرُ إِلَى كَدٍّ وَمُزَاوَلَةِ عَمَلٍ بَلْ يَكْفِي لحصوله ووصوله تعلق الإرادة به.







التوقيع



قال تعالى:" وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا"
  رد مع اقتباس
قديم 01-13-2018, 11:31 AM   رقم المشاركة : 8
معلومات العضو
سماعيل السلفي
مشرف







سماعيل السلفي غير متواجد حالياً

افتراضي رد: شرح منظومة سلم الوصول للحافظ الحكمي شرح الدكتور عبد الله الجنابي.

المجلس الثامن من شرح منظومة سلم الوصول للحافظ الحكمي
شرح الدكتور عبد الله الجنابي.

الحمد لله ‏رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على محمد عبده ونبيه وعلى آله وصحبه والتابعين، وبعد:
فهذا هو الدرس الثامن من شرح منظومة ‎( سُلَّم الْوُصُولِ إِلَى عِلْمِ الْأُصُولِ فِي تَوْحِيدِ اللَّهِ وَاتِّبَاعِ الرَّسُولِ ) ‎لِلْعَلاَّمَةِ الحافظ : حَافِظِ بْنِ أَحْمَدَ الْحَكَمِيِّ رحمه الله تَعَالَى.
نسأل الله جل وعلا أن ينفع بهذا الشرح كما نفع بأصله.
وبين يديه نقول شيئا لطيفاً مما ذكره الناظم في مورد آخر في قصيدةٍ ميمية له في فضل العلم وغايته وثمرته، قال:
العِلمُ أغلى و أحلـى مـا له استمَـعتْ أُذْنٌ و أعْـربَ عنـه ناطقٌ بِفمِ
العلمُ غايتُه القصْوى و رتبـته العليــاء فاسْـعَوْا إليه يا أولي الهِمَــمِ
العلم أشـرفُ مطلـوبٍ و طالبـُــه للهِ أكرمُ مَنْ يَمْشِي عَـلى قـدَمِ
العلـمُ نــورٌ مبينٌ يسـتضـيء به أهلُ السعادة و الجهّال في الظُلَـمِ
العلـم أعْلَى حياةً للعباد كــمــا أهـلُ الجهـالةِ أمـواتٌ بجهلهمِ
نسأل الله تبارك وتعالى أن يرزقنا الإخلاص في طلبه وبثه ونشره.
ثم نعود إلى ما نحن فيه من أصل الكلام وهو شرح نظم سلم الوصول، وقد بلغ بنا الكلام إلى قول الناظم رحمه الله تعالى :
40.فمَنْ يَشَأْ وفَّقه بفَضلِهْ ومَن يَشأْ أضلَّه بعَدْلِهْ
41.فمِنهُمُ الشقيُّ والسعيدُ وذا مُقرَّبٌ وذا طريدُ
42.لِحكمةٍ بالغةٍ قضاها يَستوجِبُ الحمدَ على اقتِضاها
التوفيق والهداية من فضل الله تبارك وتعالى على عبده، يهدي من يشاء ويضل من يشاء فهو الهادي، وهو يضل من يريد، قال تعالى: { مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا ( ١٧ ) } [سورة الكهف]، وقال جل وعلا: وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِهِ } [سورة الإسراء]، وقال سبحانه وتعالى: { مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ( ١٨٦ ) } [سورة الأعراف].
وأعظم الهداية هي الهداية والتوفيق إلى هذا الدين العظيم .
قال الله تعالى:فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ( ١٢٥ ) [سورة الأنعام] .
فذلك من فضل الله تبارك وتعالى على العبد أنه يهديه لخير الأمور وأفضلها وأحسنها، وأحسن الحسن، وخير الأمور هي الهداية إلى الإسلام والإيمان والطاعة والسنَّة، نسأل الله الهداية والتوفيق لكل خير.
وممَّا دلَّت عليه السُّنَّة في ملاحظة معنى الهداية والضلال قول النبيَّ من حديث زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ : " اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أنْتَ وَليّها وَمَوْلاها " .
وعَنْ جَابِرٍ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَخْطُبُ النَّاسَ، يَحْمَدُ اللَّهَ وَيُثْنِي عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ يَقُولُ : " مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَخَيْرُ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ ". والحديثان أخرجهما الامام مسلم في جامعه الصحيح.
قال: ( فمِنهُمُ ) أي: من عباده الشقيّ ومنهم السعيد، ومنهم المقرَّب بتقريب الله إيّاه وذلك هو السعيد، ومنهم المُبعَد والمطرود بإبعاد الله له وذلك هو الشقيّ، فالله تبارك وتعالى بيده الهداية والإضلال، وبيده الشقاوة والسعادة، نسأل الله أن يهدينا لخير الأمور.
قال: ( لِحكمةٍ بالغةٍ قضاها ) فالهداية والإضلال، والتوفيق والحرمان إنّما هو لحكمة بالغة في خلقه، فالله تبارك وتعالىٰ لا يفعل شيئاً عبثاً، وهو الحكيم الخبير، وربنا تبارك وتعالىٰ الحكيم الخبير، فكل ما يفعله من هداية من يشاء وإضلال من يشاء وإسعاد من يريد وإشقاء من يريد كل ذلك لحكمة بالغة، وهذه الحكمة متضمّنة لاسمه الحكيم تبارك وتعالىٰ، وربنا جلّ في علاه حَكَمٌ حاكِمٌ حكيمٌ، قال : { لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( ٨٨ ) } [سورة القصص].
وقال: { ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ ( ٦٢ ) } [سورة الأنعام].
وأما كونه حكيما فالله تبارك وتعالى قد ذكر ذلك في كتابه في موارد كثيرة جداً تبلغ أربعاً وتسعين مورداً، منها قوله تبارك وتعالى: { وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( ٢٤٠ ) } [سورة البقرة]، و{ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( ٢٦ ) } [سورة النساء]، و { وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ( ١٨ ) } [سورة الأنعام] .وقال سبحانه: { وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ ( ١٠ ) } [سورة النور]، وقال جلّ وعزّ سبحانه : { وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِّن سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا ( ١٣٠ ) } [سورة النساء].
فالله له الحُكم ، وإليه الحُكم، وكونه جلّ وعلا حكيما معناه أنه حكيم في أفعاله وأقواله فيضع الأشياء في محالّها بحكمته وعدله، ذكره ابن كثير رحمه تعالى في التفسير.
وذكر ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى: أنّ الحكيم هو الذي لا يدخل تدبيره خللٌ ولا زللٌ.
وقال في موطن آخر من تفسيره: حكيم فيما قضى بين عباده مِن قضاياه.
فربنا تبارك وتعالىٰ لا يقول ولا يفعل إلا الصواب وإنّما ينبغي أن يوصف بذلك؛ لأن أفعاله سديدة، وصنعه متقن، ولا يظهر الفعل المتقن السديد إلا من حكيم، كما لا يظهر الفعل على وجه الاختيار إلا من حيٍّ عالم قدير.
وذكر ابن الحفَّار رحمه الله تعالى في اسم الحكم قال: وقد تضمَّن هذا الاسم " الحَكَم " جميع الصفات العُلى والأسماء الحُسنى، إذ لا يكون حكماً إلا سميعاً بصيراً عالماً خبيراً إلى غير ذلك فهو سبحانه الحكم بين العباد في الدنيا والآخرة، في الظاهر والباطن وفيما شرع من شرْعه وحكم من حكمه، وقضاياه عل خلقه قولاً وفعلاً، وليس ذلك لغير الله تعالى؛ ولذلك قال: { وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( ٧٠ ) } [سورة القصص].
وقال: { الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ( ١ ) } [سورة هود].
فلم يزل حكيماً قبل أن يحكم ولا ينبغي ذلك لغيره ، و بذلك نعلم أنّ الحلال هو ما أحلّه الله تعالى، وأنّ الحرام ما حرّّمه الله تعالى، والدِّين ما شرعه الله تعالى، فكل حُكم من غيره باطل، فالله الحكم والله الحكيم له الحكمةُ المطلقةُ في خلقه؛ ولذلك حينما هداهم وحينما أضلهم فكل ذلك قائم على حكمةٍ عظيمةٍ بالغةٍ وإنْ لم نُدْركها في بعض الموارد، ولكنَّنا نؤمن بأنَّ الله تبارك وتعالى له الحكمة التامَّة في خلقه، يُضل ويهدي، ويُسعد ويُشقي، ويُقِّرب ويُبعد، وطائع وعاصي، ومؤمن وكافر، وهذا كله لغاية وحكمة يعلمها ربنا تبارك وتعالى، فهو حكيم في أمره ونهيه وكل شرعه.
وأسماءه جلّ في علاه صفات كمال وجلال، وأفعاله جلّ في علاه قائمة على العدل والرحمة وتنزّه ربنا تبارك وتعالى أن يفعل شيئا لغير حكمة، وربنا جلّ في علاه منزّه عن جميع النقائص فجميع ما خلقه وقضاه وقدَّره خيرٌ وحكمة من جهة إضافته إليه سبحانه وتعالى، وكذلك في جميع ما شرعه وجميع ما أمر به كلُّ ذلك فيه الحكمة والعدل .
وأما من كان من شرٍّ لقضاءه وقدره فمن جهة إضافته إلى فعل العبد؛ لأن المعاصي مذمومة مكروهة غير محبوبةٍ عند الله تبارك وتعالى، وأما من جهة الإضافة إلى الله فهو خيرٌ محضٌ لحكمة بالغة وعدل تام وعلم محيط ولذلك قال الله تبارك وتعالىٰ في نبأ الجنِّ: { وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا ( ١٠ ) } [سورة الجن]، فالله جلّ وعلا لا شر في حقه وهو منزَّهٌ عن ذلك كلّه، وفي الدعاء النبوي المبارك في صلاة الليل: " لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ، وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ " .
فنفى أن يُضاف الشر إلى الله بوجه من الوجوه وإن كان الله هو الذي خلقه لأنه ليس شراً من جهك إضافته إليه جلّ وعلا وإنما كان شراً من جهة إضافته إلى العبد، وذلك لأن الشرَّ ليس إلا السيئات وعقوبتها، وموجب السيئات شرُّ النفس وجهلها ولذلك قال النبيّ من حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ : إنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا" وهو عند ابن ماجه.
وقال في الدعاء الجامع في الاستغفار الذي علَّمه أمَّته وهو سيّد الاستغفار، من حديث شَدَّادُ بْنُ أَوْسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ : " سَيِّدُ الِاسْتِغْفَارِ أَنْ تَقُولَ : اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ وَأَبُوءُ بِذَنْبِي، فَاغْفِرْ لِي ؛ فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ ". وهو في الصحيح.
فإذاً أفعال الله تبارك وتعالى كلها خير لأنها صادرة عن علم وحكمة وعدل منه سبحانه وتعالىٰ، فإذا أراد الله بعبدٍ خيراً أعطاه، وإذا أراد الله بعبدٍ شرَّاً فلا رادَّ له، وليس ذلك معناه أنه ظلمٌ منه لعبده بل ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
نسألك اللهمَّ يا مولانا يا رب العالمين من فضلك العظيم أن تهدينا إلى صراطك المستقيم، وأن تختم بالصالحات أعمالنا، وتهدينا إلى ما تحب وترضا من الأقوال والأفعال.
وقول الناظم رحمه الله تعالى تعالى رحمة واسعة: ( يَستوجِبُ الحمدَ على اقتِضاها ) أي: أنَّ الله تبارك وتعالى يستحق الحمد فله الحمد التام على مقتض حكمته من خلقه بل في جميع خلقه وأمره، فذلك موجب حمد الله تبارك وتعالى، قال رسول الله : "اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ مِلْءَ السَّمَاوَاتِ وَمِلْءَ الْأَرْضِ وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ، أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ، لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ " وهو في صحيح مسلم.
ومن دعاء الاستفتاح من صلاة الليل كما رواه البخاري في صحيحه عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، كَانَ النَّبِيُّ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَتَهَجَّدُ، قَالَ : " اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ الْحَقُّ، وَوَعْدُكَ حَقٌّ، وَقَوْلُكَ حَقٌّ، وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ، وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ، وَمُحَمَّدٌ حَقٌّ، اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ ". أَوْ : " لَا إِلَهَ غَيْرُكَ ".
وسوق الآيات والآحاديث في هذا الباب كثيرة والمراد مما ذكر أنَّ الرب تبارك وتعالى لا يكون إلا ربَّاً وإلٰهاً له الحمد كله ، وله الملك كله ، وله الشكر كله لا شريك له في حمده كما لا شريك له في ملكه.







التوقيع



قال تعالى:" وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا"
  رد مع اقتباس
قديم 01-13-2018, 11:32 AM   رقم المشاركة : 9
معلومات العضو
سماعيل السلفي
مشرف







سماعيل السلفي غير متواجد حالياً

افتراضي رد: شرح منظومة سلم الوصول للحافظ الحكمي شرح الدكتور عبد الله الجنابي.

المجلس التاسع من شرح منظومة سلم الوصول للحافظ الحكمي
شرح الدكتور عبد الله الجنابي.

الحمد لله ‏رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على محمد عبده ونبيه وعلى آله وصحبه والتابعين، وبعد:
هذا هو الدرس التاسع من شرح ‎( سُلَّم الْوُصُولِ إِلَى عِلْمِ الْأُصُولِ فِي تَوْحِيدِ اللَّهِ وَاتِّبَاعِ الرَّسُولِ ) ‎لِلْعَلاَّمَةِ الحافظ : حَافِظِ بْنِ أَحْمَدَ الْحَكَمِيِّ رحمه الله تَعَالَى.
وقد بلغ بنا الكلام إلى قول الناظم رحمه الله تعالى :
43.وَهْوَ الذي يَرَى دَبِيبَ الذَّرِّ في الظُّلُماتِ فَوقَ صُمِّ الصَّخْرِ
44.وسامِعٌ للجَهْرِ والإخفاتِ بسَمعِه الواسعِ للأصواتِ
في هٰذين البيتين إثبات البصر لله تبارك وتعالى وأنه سبحانه وتعالى قد أحاط بجميع المبصَرات ، وإثبات السمع له ، وأنه جلّ وعلا أحاط بجميع المسموعات ، والسمع والبصر مما اجتمع ذكره في بعض الآيات منها قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا ( ٥٨) [سورة النساء]، وقوله تبارك وتعالى جمعاً بين النفي والإثبات: { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ( ١١ ) [سورة الشورى]. فسمعه وبصره مخالف لسمع وبصر المخلوقات.
ومن ذلك قوله تعالى: { ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ( ٦١ ) } [سورة الحج]، ومنه قول الله تعالى: { أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا ( ٢٦ ) } [سورة الكهف].
فلا أحد أبصرَ منه ولا أحد أسمعَ منه، يرى سبحانه وتعالى الأعمال ويسمع ذلك مِنْهُم، فهو السميع البَصِير، فهو أبصر بكل موجود، وسمعه لكل مسموع، فلا يغيب عن سمعه ولا عن بصره شيء.
ومما ورد في إثبات صفة البصر لله ربنا تبارك وتعالى من غير اقتران ٍ بالسمع قوله تعالى: { وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( ٢٣٣ ) } [سورة البقرة]، وقوله: { إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا ( ٥٨ ) } [سورة النساء]، وقوله: { وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( ٤ ) } [سورة الحديد]، وقوله: { أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ ( ١٩ ) } [سورة الملك].
فالله تبارك وتعالى ذو إبصار بما يعملون، ولا يخفى عليه ممّا يعملون بل هو محيط لها جميعا،حافظ لها جميعا، عالم بخفيَّات الأمور.
قال ابن كثير رحمه الله تعالى: ( والله بصير بالعباد أي عليم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الضلالة، وهو الذي لا يُسئل عمَّا يفعل وهم يُسئلون، وما ذلك إلا لحكمته ورحمته).
وقال ابن سِعدي رحمه الله تعالى: ( البصير الذي يبصر كل شيء وإن رقَّ وصَغُرَ، فيبصر دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء على الصخرة الصمَّاء، ويبصر ما تحت الأرَضين السبع كما يبصر ما فوق السمٰوات السبع، سميع بصير بمن يستحق الجزاء بحسب حكمته).
وقال ابن القيم رحمه الله تعالى:
وهو البصيرُ يَرَى دبيبَ النَّملةِ السـ ... ـوداءِ تحت الصَّخرِ والصَّوَّانِ
ويَرَى مجاري القوت في أعضائِها ... ويَرَى عُروقَ بَيَاضِها بعيانِ
ويَرَى خياناتِ العيونِ بلْحظِها ... ويَرَى كذلكَ تقلُّبَ الأجْفَانِ
وعلى هذا فالبصير له معنيان:
المعنى الأول: أنه يبصر ويرى فالله تبارك وتعالى له بصر يرى به سبحانه وتعالى، وقلنا أنه ليس كمثله شَيْء.
والمعنى الثاني: أنه ذو البصيرة بالأشياء الخبير بها.
وما دام أنَّ الربَّ تبارك وتعالى أثبت لنفسه صفة البصر فهو أعلم بنفسه مِنَّا، فما علينا إلا أن نثبت ما أثبته لنفسه. فالله تبارك وتعالى بصير، والعبد يقال عنه بصير، ولله المثل الأَعْلَى، فالرجل قد يكون صغير لايبصر ولا يميّز بين الأشياء المتشاكلة، فإذا عقل أبصر فميَّز بين الرديء والجيد وبين الحسن والقبيح، يعطيه الله جل وعلا هذا مدَّة ثم يسلبها منه، فمنهم من يسلبه وهو حي ومنهم من يسلبه بالموت.
والله بصير لم يزل ولا يزول، والخلق إذا نظر إلى ما بين يديه عَمِيَ عمَّا خلفه وعمَّا بَعُدَ عنه، والله جل وعلا لا يعزب عنه مثقال ذرة في خفيَّاتِ مظلم الأرض.
وكلما ذكر مخلوقاته وصفهم بالنكرة، فإذا وصف نفسه وصفه بالمعرفة سبحانه وتعالى، فالله جلّ وعلا إذاً بصير بأحوال العباد خبير بها، بصير بمن يستحق الهداية، بصير خبير بالأعمال والذنوب، { وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا ( ١٧ ) } [سورة الإسراء].
ومن فوائد هذا الاسم العَظِيم: أنه من عَلِم أنَّ ربَّه جلّ وعلا مطلع عليه يستحي أن يراه على معصية أو مما لا يحب، ومن علم أنّ الربَّ جل وعلا مطلع عليه أحسن عمله وأخلص عبادته وخشع لربه تبارك وتعالى.
وفي حديث جبريل عندما سأل النبيّ عن الإحسان قال: قال : ( أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك ).
قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في شرح مسلم: هذا من جوامع الكلم التي أُوتيها النبيّ ؛ لأنّا لو قدرنا أنَّ أحدنا قام في عبادةوهو يعاين ربه سبحانه وتعالى لم يترك شيئاً مما يقدر عليه من الخضوع والخشوع وحسن السمت، واجتماعه بظاهره وباطنه، وعلى الإعتناء بتتميمها على أحسن وجوهها إلا أتى به.
وقال رحمه الله تعالى: اعبد الله في جميع أحوال عبادتك في حال العَيَان فإنّ التتميم المذكور في حال العيان إنّما كان لعلم العبد باطّلاع الله عليه فلا يقْدُم العبد على تقصير في هذا الحال؛ للاطلاع عَلَيْه، وهذا المعنى موجود مع عدم رؤية العبد، فينبغي أن يعمل بمقتضاه.
ومقصود الكلام الحثّ على الاخلاص في العبادة ، ومراقبة العبد ربه تبارك وتعالى في إتمامه الخشوع والخضوع وغير ذلك.
وأما السميع فالله تبارك وتعالى ذكر اسم السميع في القرآن خمساً وأربعين مرة، منها قوله جل وعلا: { رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( ١٢٧ ) } [سورة البقرة]، ومنها قوله:{ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} [لقمان: 28]، و: {إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ} [سبأ: 50]، و: {وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} [المجادلة: 1]. وغير ذلك من الآيات.
والسميع أي السامع لإقوال عباده، ولم يقل سامع وإنما قال سميع لأنه أبلغ في الصفة، ف (فَعِيل )من البناء للمبالغة ، فربنا جلّ وعلا يسمع السرّ والنّجوى، الجهرُ والإخفات والنطق والسكوت عنده سواء، قال النبيّ : " اللهم إني أعوذ بك من قلب لا يخشع ومن دعاء لا يُسمع .." [صحيح الجامع (1297)] أي من دعاء لا يُستجاب.
ومن هذا قول المصلي: سمع الله لمن حمده، والمعنى قَبِلَ الله حَمْدَ من حمده.
قال ابن القيم رحمه الله: فعل السماع يراد به أربعة معان:
أولها: سمع إدراك وهو متعلق بالأصوات.
ثانيها: سمع فهم وعقل, ومتعلقه بالمعاني.
ثالثها: سمع إجابة وإعطاء ما سئل.
رابعها: سمع قبول وانقياد.
و قول الله عز وجل: (قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا) [المجادلة:1]، وقوله: ( لَّقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ ( ١٨١ ) } [سورة آل عمران] عن المعنى الأول وهو سمع الإدراك مما يتعلق بالأصوات.
وأما قول الله عز وجلّ: ( سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ( ٢٨٥ ) [سورة البقرة]، وقولهلا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا) [البقرة:104], هذا المقصود منه سمع الفهم والعقل.
وأما قول القائل: (سمع الله لمن حمده) فهذا سمع إجابة وإعطاء.
وأما قول الله جلّ وعلا: (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ)[المائدة:42], (سماعون للكذب) أي: قابلون للكذب منقادون له غير منكرين له، فهذا على المعنى الرابع، وهو سمع قبول وانقياد.
قال رحمه الله تعالى في نونيته:
وهو السَّميعُ يَرى ويَسْمعُ كلَّ ما ... في الكون من سِرٍّ ومن إعلانِ
ولكلِّ صوتٍ منه سمعٌ حاضرٌ ... فالسِّرُّ والإِعلان مستويــــــانِ
والسَّمعُ منه واسعُ الأصواتِ لا ... يخفى عليه بعيدُهـــا والدانـــــي
سبحان ربنا تبارك وتعالى تقدس اسمه وتعالى ذاته وتباركت صفاته، فالله تبارك وتعالى هو السميع الذي لا يخفى عليه شيء من المسموعات، وفي الحديث عن أبي موسى الأشعري قال: " كنا مع النبي في سفر فكنا إذا علونا كبرنا فقال النبي : أيها الناس أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا ولكن تدعون سميعا بصيرا " .
والمقصود في هذا أنه نفي الآفة المانعة من السمع والآفة المانعة من النظر وإثبات كونه سمعياً بصيراً قريباً.
والله عز وجلّ سميع لدعاء الخلق، ألفاظهم عند تفرقهم واجتماعهم مع اختلاف ألسنتهم وأقوالهم، يعلم ما في قلب القائل قبل أن يقول ويعجِز القائل عن التعبير عن موارده، فيعلمه الله فيعطيه الذي في قلبه.
فالمخلوق يزول عنه السمع بالموت، والله تبارك وتعالى لم يزل ولا يزال يُفني الخلق ويرثهم فإذا لم يبقَ أحد منهم قال: لمن الملك اليوم، فلا يكون من يرد، فيقول: لله الواحد القهار سبحان ربنا وتعالى.
وقد ورد هذا الاسم الكريم إفراداً واقتراناً فمما اقترن قوله تعالى: ( وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) [المائدة: 76] وقوله: (إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} [لقمان: 28] وقوله: (إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ) [سبأ: 50]
وهذا قد دلّ على الإحاطة بالمخلوقات كلّها وأنَّ الله جلّ وعلا محيط بها لا يخفى عليه شيء من أثرها لا يفوته شيء مِنْهَا؛ بل الخلائق كلّها تحت سمعه وبصره وعلمه .
وفي ذلك تنبيه للنبيه العاقل أن يراقب نفسه وما يصدر منها من أقوال وأفعال ؛ لأن ربنا لا يخفى عليه شيء منها وأنه سبحانه مُحْصيها ثم مجازي العبيد بها في الآخرة، إن خيراً فخيراً وإن شراً فشراً.







التوقيع



قال تعالى:" وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا"
  رد مع اقتباس
قديم 01-13-2018, 11:33 AM   رقم المشاركة : 10
معلومات العضو
سماعيل السلفي
مشرف







سماعيل السلفي غير متواجد حالياً

افتراضي رد: شرح منظومة سلم الوصول للحافظ الحكمي شرح الدكتور عبد الله الجنابي.

المجلس العاشر من شرح منظومة سلم الوصول للحافظ الحكمي
شرح الدكتور عبد الله الجنابي.

الحمدلله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على محمد وآله وصحبه والتابعين .
وبعد :
فهذا هو الدرس العاشر من شرح منظومة سُلَّم الوصول إلى علم الأصول للعلامة الحافظ " حافظ بن أحمد الحكمي " رحمه الله تعالى .
وقد بلغ بنا الكلام إلى قوله رحمه الله تعالى عليه :
45. وعِــلْمُهُ بمــا بَــدَا وما خَفِي أحــاط عـلمـاً بالجَلــيّ والخَفِي
يذكر هنا رحمه الله تعالى إحاطة الله تبارك وتعالى الكلية لما يظهر وبما يخفى بظاهر وبواطن الأمور . فهو عليمٌ بذلك كله سبحانه وتعالى .
وعِلْم الله تبارك وتعالى صفةٌ من صفاتهِ . وهذه الصفة الجليلة وهذا الاسم الجليل قد تكرر ذكره كثيراً جداً في كتاب الله تبارك وتعالى . ومن ذلك قوله جلَّ وعلا : (قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32) )البقرة. وقال تعالى : (وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (4( )التغابن .
وقال تعالى : (بَلَىٰ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (28( )النحل .
وقال تعالى : (قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (4( )الأنبياء وقال تعالى : (يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ (54( )الروم .
وقال تعالى : (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (38( ) يس .
ومن اسماءه جلَّ في علاه " العالم " وهو أيضاً مما تكرر ذكره في عدة آياتٍ قرآنية تبلغ ثلاثة عشْرة آية . منها قوله جلَّ وعلا : (عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (9( )الرعد .
وقوله تعالى: (عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (18( )التغابن .
وقوله تعالى: ( ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (8()الجمعة .
وقوله تعالى: ( وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ ۚ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ۚ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (73( )الأنعام .
ومن أسماءه الحسنى هو " العلَّام " وقد ورد هذا الاسم في أربعة مواضع من كتاب الله . هي في قوله تعالى (قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (109( )المائدة .
وفي قوله تعالى: ( تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ ۚ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (116( )المائدة .
وقوله تعالى: (أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (78( )التوبة . وقوله تعالى: ( قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (48( )سبأ .
فربنا جلَّ وعلا العليم من غير تعليم بجميع ما قد كان وما هو كائن والعالم للغيوب دون جميع خلقه . ربنا ذو علم بكل ما أخفته الصدور – أي صدور خلقه – من الإيمان والكفر والحق والباطل والخير والشر وما تَسْتَجْنِهِ مما لم تُجْنِهِ بعد .
وذكر الإمام الخطابي : " أن الله جلّ وعلا هو العالم بالسرائر والخفيّات التي لا يدركها علم الخلق. كقوله جلّ وعلا : ( إنَّ الله عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُور ) ".
ومجيء الصفة هنا مبنياً للمبالغة في وصفه جلّ وعلا مما يفيد كمال العلم . فهو الله جل وعلا العالم بما كان وما يكون قبل أن يكون ولو كان كيف يكون . لم يزل عالماً ولا يزال عالماً بما كان ومايكون ولا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء ، أحاط علمه بجميع الأشياء ، باطناً وظاهراً ، دقيقاً وجليلاً ، على أتمِّ الإمكان .
وقال ابن سِعديٍ رحمه الله : " وهو الذي أحاط علمه بالظواهر والبواطن والإسرار والإعلان وبالواجبات والمستحيلات والممكنات وبالعالم العلوي والسُفلي وبالماضي والحاضر والمستقبل ، فلا يخفى عليه شيءٌ من الأشياء ".
قال ابن القيم رحمه الله :
وهـو العلـيم أحــاط علمــاً بالــذي فــي الكــون مـن ســرٍّ ومــن إعـــلانِ
وبــكــل ـشــيءٍ علمــه ســبحـانــه فـهــو المحيــط ولــيس ذا نـسيــــــانِ
وكــذاك يعلــم مـا يكــون غـداً ومــا قــد كــان والـمــوجـود فــــــي ذا الآنِ
وكـــذا أمــرٌ لـم يكــن لـو كــان كيـ ف يكــون ذلـك الأمــــر ذا إمكــــــــانِ
فربنا " عليمٌ و عالمٌ وعلّامٌ " ، أحاط علمه بكل شيء وهو قد خلق كل شيء . قال سبحانه : (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (14( )الملك.
فربنا لكمال علمه يعلم كل شيء ولا يخفى عليه شيء من أحوال الأمور الماضية والأمور المستقبلة التي لم تقع ، ويعلم الأمور التي لم تقع لو فرض أنها تقع كيف تكون ، وهذا من كمال علمه بالغيب وعواقب الأمور .
قال تعالى : (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (49( )القمر .
وقال تعالى: (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (171( إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ (172) وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (173) )الصافات.
وقال تعالى: (إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ ۚ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ۚ عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ۖ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ ۚ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَىٰ ۙ وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ ۙ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ ۚ )المزمل.
أي : علم الله تعالى أنكم لن تستطيعوا القيام بما أمركم به من قيام الليل لأنه سيكون منكم مرضى وآخون يجاهدون في سبيل الله وآخرون مسافرون في الأرض يبتغون فضل الله في المكاسب ، فقوموا من الليل بما يتيسر لكم .
وقد خالف في هذا القدرية ، فقالوا : "إن الله جلّ وعلا لا يعلم الأمور قبل وقوعها وإنما يعلمها بعد وقوعها ".
وقد حدث هذا القول القبيح في أواخر عصر الصحابة . فقد جاء عن يحيى بن يَعْمَر. قال : " كان أول من قال بالقدر معبد الجُهني)) ، فانطلقتُ أنا وحُميد بن عبدالرحمن حاجين أو معتمرين و قلنا : لو لقينا أحد من أصحاب رسول الله ♀ فسألناه عما يقول هؤلاء في القدر ، فوُفق لنا عبدالله بن عمر بن الخطاب داخل المسجد ، فاكتنختُ أنا وصاحبي أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله وظننت أن صاحبي سيكيل الكلام إليّ . فقلت : أبا عبد الرحمن ! إنه قد ظهر قِبَلنا ناس يقرأون القرآن ويتقفرون العلم وذكر من شيئهم أنهم يزعمون أن لا قدر وأن الأمر أُنُف . قال : فإذا لقيتَ أولئك فأخبرهم أني بريءٌ منهم ، وأنهم برءاء مني . والذي يحلف به عبدالله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أُحُدٍ ذهباً فأنفقه ، ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر ".
ومعنى قول القدرية (أن الأمر أنْفٌ) أي مستأنف ، لم يسبق به قدر ولا عِلْم من الله ، وإنما يعلمه بعد وقوعه . بمعنى ( أن الله أمَرَ العباد ونهاهم وهو لا يعلم من يطيعه ممن يعصيه ، ولا من يدخل الجنة ممن يدخل النار حتى فعلوا ذلك فعلمه بعد ما فعلوه ). تنزه الله عن قولهم وتعالى عُلُواً كبيراً.
وقد أحاط الله علمه بالخلق ، والخلق لا يحيطون عِلماً بالخالق . فنحن لا نعلم من وصف ربنا وذاتهِ وعلمهِ إلا ما أَطْلَعَنا عليه من كتابه العظيم ومن طريق رسله الكرام عليهم الصلاة والسلام وهذا من فضل الله على الخلق أنه يعلمهم عن نفسه وعن ذاته (قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32( )البقرة.
وقال تعالى: (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا )البقرة.
وقال تعالى: (وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا (65( )الكهف.
وعلومنا أمام علم الله وإحاطته لا تعد إلا أقلّ القليل. قال سبحانه: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (85()الإسراء.
وفي قصة الخضر مع موسى عليهما الصلاة والسلام فلما ركبا السفينة جاء عصفورٌ فوقع على حرف السفينة - أي طرفها – فنقر في البحر نقرةً أو نقرتين. فقال له الخضر : " يا موسى ! ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور بمنقاره من البحر" .
وعلم الله جل وعلا لا يعتريه نقصٌ ولا نسيانٌ ولاجهلٌ , أو علم ببعض دون بعض. قال تعالى: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (64( )مريم.
وقال تعالى: (وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (79()يس. لا يشغله علم عن علم ولا يشغله سمع عن سمع , وأنى لخلقه مثل هذه الصفات !؟ . قال سبحانه: (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا )النحل.
فربنا سبحانه وتعالى قد علم من أحوالنا كل شيء ولم يخفى عليه منّا شيء . جليها وخفيها , ظاهرها وباطنها , كلها في العلم عنده سواء .







التوقيع



قال تعالى:" وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا"
  رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 04:02 AM


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2018, vBulletin Solutions, Inc.
جميع الحقوق محفوظة لمجالس العلم النافع
اختصار الروابط