img img

تنبيه

السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، نُرَحِّبُ بِجَمِيعِ أَعْضَاءِ "مَجَالِسِ العِلْمِ النَّافِعِ" وَزُوَّارِهَا، ونَدْعُوهُم للاطِّلَاع عَلَى بُنُود وقَوانٍينٍ المَجالِسِ ، وَفَّقَنَا اللهُ جَمِيعًا لحُسْنِ الإِفَادَةِ والاستِفَادَةِ

العودة   مَجَالِس العِلْمِ النَّافِعِ > مَجْلِسُ طَالِبَاتِ العِلْمِ –خَاصٌّ بِالأَخَوَاتِ فَقَط- > المجلس النسائي العام.
التسجيل التعليمـــات قائمة الأعضاء التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

موضوع مغلق
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 07-10-2018, 09:53 PM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
أم أبي التراب
مشرفة على قسم طالبات العلم






أم أبي التراب غير متواجد حالياً

Awt6 دورة تيسير القواعد الفقهية


دورة تيسير القواعد الفقهية
إنَّ الحَمْدَ لله، نَحْمَدُه، ونستعينُه، ونستغفرُهُ، ونعوذُ به مِن شُرُورِ أنفُسِنَا، وَمِنْ سيئاتِ أعْمَالِنا، مَنْ يَهْدِه الله فَلا مُضِلَّ لَهُ، ومن يُضْلِلْ، فَلا هَادِي لَهُ.
وأَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وأشهدُ أنَّ مُحَمَّدًا عبْدُه ورَسُولُه.






التوقيع


 
قديم 07-10-2018, 09:55 PM   رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
أم أبي التراب
مشرفة على قسم طالبات العلم






أم أبي التراب غير متواجد حالياً

Post رد: دورة تيسير القواعد الفقهية

أما بعد:
فإن من نعم الله - عز وجل - علينا أن هيأ لنا أسباب طلب العلم الشرعي، الذي نتقرب به إلى الله - عز وجل - فإن أفضل نعمة ينعم الله بها على العباد في الدنيا: الدخول في دين الإسلام والالتزام بشرائعه، وإن من شرائع هذا الدين: طلب العلم الشرعي؛ فهو قربة لله - عز وجل - وهو أيضًا وسيلة من وسائل التقرب إلى الله - عز وجل - فهو غاية في نفسه، ووسيلة للتقرب إلى الله في غيره من الأعمال، فإنه لا يُتصور أن يتقرب العبد إلى ربه - عز وجل - إلا بالعلم الشرعي.فكيف نصلي دون أن نتعلم كيف نصلي وهكذا.
وإن من فضل الله علينا أن جعلنا نتذاكر في مثل هذه المجالس العلمية، التي هي أفضل ما في الدنيا وأبرك ما فيها، والسعادة تحصل في مثل هذه المجالس وإنه -والله ثم والله- لا يوجد أحد أسعد من طالب علم، يبذل وقته في طلب العلم، يتقرب بذلك إلى الله - عز وجل -

وحديثنا في هذه الدورة، عن القواعد الفقهية، وأود أن أقدم بمقدمة عن علم القواعد الفقهية بحيث نتناول تاريخ هذا العلم ، فالمتأمل في سُنة النبي - صلى الله عليه وسلم - يجد أن هناك عددًا من الأحاديث النبوية قد اختصرت ألفاظها، ودلت على معانٍ عديدة، وأحكام متعددة، فيدلنا هذا على مبدأ قواعد الفقه.
=صححه الشيخ الألباني " لا ضَرَرَ ، ولا ضِرارَ"الراوي : عبدالله بن عباس و عبادة بن الصامت -المحدث : الألباني -المصدر : صحيح الجامع-الصفحة أو الرقم: 7517 - خلاصة حكم المحدث : صحيح
-عَنْ أَبِي سَعِيدٍ سَعْدِ بْنِ مَالِكِ بْنِ سِنَانٍ الْخُدْرِيّ - رضي الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: " لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ"حَدِيثٌ حَسَنٌ، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ -راجع رقم: 2341، وَالدَّارَقُطْنِيّ :رقم: 4/228، وَغَيْرُهُمَا مُسْنَدًا. وَرَوَاهُ مَالِكٌ :2/746- فِي "الْمُوَطَّإِ" عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - مُرْسَلًا، فَأَسْقَطَ أَبَا سَعِيدٍ، وَلَهُ طُرُقٌ يُقَوِّي بَعْضُهَا بَعْضًا الألوكة -.
ثم إن الشريعة قد دلت على معناه بعموم أدلتها الأخرى.
- ومن ألفاظ النبي - صلى الله عليه وسلم - المختصرة التي أخذ منها قواعد فقهية قوله - صلى الله عليه وسلم - " الخَراجُ بالضَّمانِ "
- أنَّ رجلًا اشترى عبدًا فاستغلَّهُ ثمَّ وجدَ بِه عيبًا فردَّهُ فقالَ يا رسولَ اللَّهِ إنَّهُ قدِ استغلَّ غلامي فقالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ الخَراجُ بالضَّمانِ"
الراوي : عائشة أم المؤمنين -المحدث : الألباني -المصدر : صحيح ابن ماجه -الصفحة أو الرقم 1836 خلاصة حكم المحدث : حسن- الدرر -
معنى الحديث: أنَّ مَن ابتاعَ أرضًا فاستعملها، أو ماشيةً فنَتَجها، أو دابَّةً فرَكِبَها، أو دارًا فسَكَنَها أو أجَّرها، فأَخَذَ غَلَّتها ثمَّ وَجَدَ بها عيبًا قديمًا دلَّسَهُ البائعُ عليه أو لم يُعَرِّفه به؛ فله أَنْ يردَّها إلى بائعها ويَسْتَرِدَّ ثمنَها ولا شيءَ عليه فيما انتفع به، لأنها لو تَلِفَتْ بين مدَّةِ العقد والفسخِ لَكانَتْ مِن ضمانِ المشتري؛ فوَجَبَ أَنْ يكون الخَراجُ له تحقيقًا للعدل ورفعًا للظلم، وهذا ما اقتضَتْه حكمةُ الشارعِ في أَنْ يجعل مِلْكَ الخَراجِ بضمانِ الأصل، ليكون الغُنْمُ في مُقابَلة الغُرْمِ-هنا.
ومن الألفاظ الجامعة :
"إن النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قضى، أن اليمينَ على المدَّعَى عليه"الراوي : عبدالله بن عباس -المحدث : البخاري -المصدر : صحيح البخاري -الصفحة أو الرقم: 2514 - خلاصة حكم المحدث : صحيحالدرر -

هذا الحديثُ يتضمَّنُ أصلًا كبيرًا في القضاءِ، وهو أنَّ اليمينَ على المدَّعَى عليه، كما أنَّ البيِّنَةَ على المدَّعِي، وبيانُ ذلك لوِ اختصمَ رَجلانِ وادَّعى أحدُهما أنَّ له على الآخَرِ مالًا، فهذا الرَّجلُ المدِّعِي إنَّما يجُب عليه البيِّنةُ، فإذا لم يأتِ بِالبيِّنةِ، فإنَّ الرَّجلَ الآخَرَ وهو المدَّعَى عليه ليس عليه إلَّا اليمينُ، فيحلِفُ على خِلافِ ما ادَّعاهُ عليه المدَّعِي.
والحِكمةُ في كونِ البينَّةِ على المدِّعِي واليمينِ على المَّدَّعَى عليه: أنَّ جانِبَ المدِّعِي ضعيفٌ؛ لأنَّه يقولُ خِلافَ الظَّاهرِ، فكُلِّف الحجَّةَ القوِيَّةَ وهي البيِّنةُ وهي لا تَجلِبُ لِنفسِها نفعًا ولا تدفعُ عنها ضررًا فيقوَّى بها ضَعْفُ المدَّعِي، وجانِبُ المدَّعى عليه قويٌّ؛ لأنَّ الأصلَ فراغُ ذمَّتِه، فاكْتُفِيَ فيه بِحُجَّةٍ ضعيفةٍ وهي اليمينُ؛ لأنَّ الحالِفَ يَجلِبُ لِنفسِه النَّفعَ ويَدفعُ الضَّررَ، فكانَ ذلك في غايةِ الحِكمةِ.الدرر .

ثم بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - وردت ألفاظ رشيقة عن الأئمة من الصحابة، فمن بعدهم من التابعين فيها اختصار في الألفاظ، وشمول في المعاني والأحكام.
ومن ذلك قول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه :
قَالَ عُمَرُ : مَقَاطِعُ الْحُقُوقِ عِنْدَ الشُّرُوطِ

الراوي : - - المحدث : الألباني -المصدر : إرواء الغليل-الصفحة أو الرقم- 1891 خلاصة حكم المحدث : صحيحالدرر -
أخرجه البخاري في صحيحه تعليقًا في موضعين ؛ الأول : بَابُ الشُّرُوطِ فِي الْمَهْرِ عِنْدَ عُقْدَةِ النِّكَاحِ .
والثاني : بَابُ الشُّرُوطِ فِي النِّكَاحِ .
ووصله الحافظ ابن حجر في تغليق التعليق فقال في الموضع الأول 3 / 408.
ثم بعد عصور الصحابة والتابعين، وبعد أن جاء عصر التدوين نجد أن الواحد من العلماء يعلل الأحكام الفقهية التي يطلقها بعلل تجمع أحكامًا فقهية من أبواب شتى، فأخذ من تلك التعليلات قواعد فقهية.
*الفرق بين القاعدة الأصولية والقاعدة الفقهية يظهر من خلال عدد من الأمور :
الأمر الأول: أن القاعدة الأصولية توجد أولًا ، ثم يستخرج الحكم الفقهي، ثم بعد ذلك تجمع الأحكام الفقهية المتشابهة، فيؤلف منها قاعدة فقهية.
الفرق الثاني: أن القاعدة الأصولية لا يمكن أن يؤخذ منها الحكم الفقهي مباشرة، بل لا بد أن يكون معها دليل تفصيلي، مثال ذلك قاعدة الأمر للوجوب، هل تأخذ منها وجوب أي فعل من الأفعال؟ لا يمكن حتى تضيف إليها دليلًا تفصيليًا مثل قوله تعالى " أَقِيمُوا الصَّلَاةَ " سورة الأنعام آية : 72. "الأمر للوجوب إلا لصارف" إذا صرفه صارف من الوجوب إلى معنى آخر كالاستحباب، أو نحو ذلك. من الفروق، بينما القاعدة الفقهية يمكن أن نأخذ منها حكمًا مباشرة، مثال ذلك: قاعدة الأمور بمقاصدها، نأخذ منها أن النية واجبة للصلاة وللوضوء، هذه قاعدة فقهية أخذنا منها الحكم مباشرة.
*الفرق بين القاعدة وبين الضابط:
=القاعدة الفقهية تكون مما يدخل في أبواب عديدة، فالقاعدة الفقهية لها فروع في أبواب فقهية متعددة، مثال ذلك: قاعدة الأمور بمقاصدها نأخذ منها وجوب الصلاة في باب الصلاة، ونأخذ منها في البيع أن المقاصد معتبرة.
، بينما الضوابط الفقهية تكون خاصة بباب واحد؛ مثال ذلك: قاعدة أن ما جاز في الفريضة من الصلوات جاز في النفل، فهذا ضابط فقهي متعلق بالأبواب- أبواب النوافل، نوافل الصلوات، ومثله ضابط كل زوج يلاعن، يعني أنه يحق لأي زوج من الأزواج إذا اتهم زوجته بالزنا أن يلاعنها، فهذا ضابط فقهي يختص بباب واحد.
=الفرق الثاني بين القاعدة الفقهية والضابط: أن
القاعدة الفقهية فيها إشارة لمأخذ الحكم ودليل الحكم، فقولنا: الأمور بمقاصدها فيه إشارة لمأخذ الحكم، وهو الدليل الوارد في ذلك إنما الأعمال بالنيات، كما رواه الشيخان من حديث عمر بن الخطاب، بينما الضابط الفقهي لا يشير إلى مأخذ المسألة ودليلها.
إذا تقرر ذلك
، فما هي القاعدة الفقهية؟ القاعدة الفقهية يراد بها حكم كلي فقهي ينطبق على جزئيات عديدة من أبواب مختلفة، فقيل: حكم؛ لأن الحكم يراد به إثبات أمر لأمر أو نفيه عنه، في القاعدة الفقهية إثبات، أو نفي، وقيل: كلي؛ لإبعاد الأحكام الجزئية أحكام الفقه الخاصة بمسألة واحدة، فهذه ليست من القواعد الفقهية،، وقيل في التعريف: كلي، ولم يقل: أغلبي مع أن كثيرًا من القواعد الفقهية لها مستثنيات بسبب أن لفظ القاعدة في ذاته كلي، وإنما الأغلبية بحسب الجزئيات الداخلة في القاعدة، فعندما أقول: المشقة تجلب التيسير، المشقة هذا حكم كلي، وليس حكما جزئيًا، فلم أقل: أغلب المشقة تجلب التيسير. وكون بعض الفروع لا يدخل في القاعدة ليس معناه أن حكم القاعدة في ذاته ليس حكمًا كليًّا، بل هو حكم كلي.
=فيكفي في القاعدة حتى تكون قاعدة أن تنطبق على ما يزيد على النصف، تشمل ستين بالمائة من الجزئيات، فإذا تفوقت قليلاً سبعين بالمائة، ثمانين بالمائة، تسعين بالمائة، لكن مائة بالمائة هذا لا يكاد يوجد إلا في مثل قواعد الحساب، وبعض القواعد العقلية، أو بعض قواعد اللغة العربية، وإلا فالقواعد في الفقه، والقواعد في التفسير، والقواعد الأصولية، وما إلى ذلك، عامة هذه القواعد لها استثناءات.
وقيل: فقهي؛ لإخراج القواعد الكلية الواردة في العلوم الأخرى مثل قواعد النحو وقواعد الحساب- الفاعل مرفوع، والاثنان مع الاثنين يكون أربعة، ونحو ذلك.
=ممن اعتنى بعلم القواعد الفقهية، وألف فيه المؤلفات: الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي -رحمه الله-، وله مؤلفاتعديدة في هذا العلم منها: كتاب "منظومة القواعد الفقهية وشرحها"، وهو الذي بين أيدينا، وسنتناوله بالشرح والإيضاح بإذن الله - عز وجل - .
*المنظومات في القواعد الفقهية :
لقد نظم بعض العلماء ، جملة من القواعد الفقهية ، وصاغوها في قالبٍ شِعريٍّ ، رغبةً في تسهيل حفظِها وتيسير دراستها ، وذلك لأن الأسلوب الشعري أسرعُ عُلوقًا بالذهن ، وأطولُ بقاءً في الذاكرة ، وذلك بسبب الوزن والقافية ، والإيجاز الذي تتصف به هذه المنظومات .
ومن آثار الالتزام بالوزن والقافية : أن قواعد العلوم لا تُذكر في المنظومات غالبًا بصيغها المعهودة ، والمتداولة بين أهلِ الاختصاص ، وهي صيغ دقيقة ، وعبارات مُحْكمة في الغالب . ومن آثار هذا أيضًا عدم الالتزام أحيانًا بقواعد اللغة العربية ، وذلك لضبط الوزن ، وهذا متعارف عليه بين الناظمين ومعفو عنه ، ولكن ينبه عليه . القواعد الفقهية ... / شرح : د . مصطفى كرامة مخدوم .
وتتابعت المصنفات جيلاً بعد جيلٍ ، ورعيلاً بعد رعيلٍ .
وكان آخر ما أُلِّف في ذلك " منظومة القواعد الفقهية " للشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي ـ رحمه الله ـ . ضمَّنها طائفة من مختاراته في القواعد والضوابط . وقد احتوت على أمهات قواعد الدين ، وهي وإن كانت قليلة الألفاظ ، فهي كثيرة المعاني لمن تأملها ، ومن ثَمَّ كانت عناية المتأخرين بهذا النظم دراسة وحفظًا وتفهُّما وضبطًا .
مجموعة الفوائد البهية على منظومة القواعد الفقهية / ص : 9 / بتصرف .
*التعريف بالنَّظْمِ المختار :
هي منظومة موجزة تتكون من 47 بيتًا على بحر الرَّجَزِ ، ولم يقصد الناظم فيها التوسع والتفصيل ، وإنما أراد الإيجاز والتسهيل لتكون مقدمة لهذا العلم ، وسلمًا يرتقي به الطالبُ إلى ما فوقه من المتون المتوسطة والمطولة ، ومِفتاحًا يفتح به بعض خزائن هذا العلم .
والمنظومة تمثلُ جملةً من اختيارات الناظم ، ومعلوماته ، التي لا ترتبط بكتابٍ معينٍ ، فهو لم يحاول نظم متن مخصوصٍ .
وقد ذكر فيها جملة من القواعد الفقهية ـ وهي غالب المنظومة ـ وبعض الضوابط الفقهية ، كقولهم " يجب الضمان مع الإتلاف" ، وبعض القواعد الأصولية مثل
"
الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا" ، وبعض المسائل الفقهية وهي قليلة سنشير إليها في موضعها .
وقد أطال رحمه الله في المقدمة قليلاً ، فإنها مكونةٌ من عشرة أبيات في فضل العلم النافع وضابطه وأهمية القواعد وثمراتها ، وهذه العشرة تُعدُّ طويلةً إذا نظرنا إلى عدد أبيات المنظومة ، وإذا أخرجنا الخاتمة ـ وهي بيتان ـ فالباقي 35بيتًا في القواعد .منظومة القواعد الفقهية ... / شرح : د . مصطفى كرامة مخدوم
لما سبق سنعرض النظم المختار ، ثم التعريف بالناظم .
ثم نشرع في شرح وتوضيح قواعد النظم



منظومة القواعد الفقهية


للشيخ عبد الرحمن بن نَاصِر السعدي






 
قديم 07-10-2018, 09:58 PM   رقم المشاركة : 3
معلومات العضو
أم أبي التراب
مشرفة على قسم طالبات العلم






أم أبي التراب غير متواجد حالياً

Post رد: دورة تيسير القواعد الفقهية

المجلس الثاني
دورة تيسير القواعد الفقهية
وقفات توضيحية عما ورد في المجلس الأول
=" لا ضَرَرَ ، ولا ضِرارَ"الراوي : عبدالله بن عباس و عبادة بن الصامت -المحدث : الألباني - المصدر : صحيح الجامع-الصفحة أو الرقم - 7517 خلاصة حكم المحدث : صحيح.
ثم إن الشريعة قد دلت على معناه بعموم أدلتها الأخرى.
*الفرق بين القاعدة وبين الضابط:
=القاعدة الفقهية تكون مما يدخل في أبواب عديدة، فالقاعدة الفقهية لها فروع في أبواب فقهية متعددة، مثال ذلك: قاعدة الأمور بمقاصدها نأخذ منها وجوب الصلاة في باب الصلاة، ونأخذ منها في البيع أن المقاصد معتبرة.
، بينما الضوابط الفقهية تكون خاصة بباب واحد؛ مثال ذلك: قاعدة أن ما جاز في الفريضة من الصلوات جاز في النفل، فهذا ضابط فقهي متعلق بالأبواب- أبواب النوافل، نوافل الصلوات، ومثله ضابط كل زوج يلاعن،* يعني أنه يحق لأي زوج من الأزواج إذا اتهم زوجته بالزنا أن يلاعنها، فهذا ضابط فقهي يختص بباب واحد.
إذا تقرر ذلك، فما هي القاعدة الفقهية؟ القاعدة الفقهية يراد بها حكم كلي فقهي ينطبق على جزئيات عديدة من أبواب مختلفة...... التعريف: كلي، ولم يقل: أغلبي مع أن كثيرًا من القواعد الفقهية لها مستثنيات بسبب أن لفظ القاعدة في ذاته كلي،....
=فيكفي في القاعدة حتى تكون قاعدة أن تنطبق على ما يزيد على النصف، تشمل ستين بالمائة من الجزئيات، فإذا تفوقت قليلاً سبعين بالمائة، ثمانين بالمائة، تسعين بالمائة، لكن مائة بالمائة هذا لا يكاد يوجد إلا في مثل قواعد الحساب، وبعض القواعد العقلية، أو بعض قواعد اللغة العربية، وإلا فالقواعد في الفقه، والقواعد في التفسير، والقواعد الأصولية، وما إلى ذلك، عامة هذه القواعد لها استثناءات.
*التعريف بالنَّظْمِ المختار :
هي منظومة موجزة تتكون من 47 بيتًا على بحر الرَّجَزِ- أي على وزن معين اسمه بحر الرجز ، ولم يقصد الناظم فيها التوسع والتفصيل ، وإنما أراد الإيجاز والتسهيل لتكون مقدمة لهذا العلم ، وسلمًا يرتقي به الطالبُ إلى ما فوقه من المتون المتوسطة والمطولة ، ومِفتاحًا يفتح به بعض خزائن هذا العلم .
قبل أن نشرع في النظم نذكر أهمية القواعد الفقهية ومصادرها
=فعلم قواعد الفقه هو العلم الذي يبحث فيه عن القضايا الفقهية الكلية من جهاتها المختلفة.
وتتلخص أهمية القواعد الفقهية في :
أولاً : أن القواعد الفقهية تضبط الأمور المنتشرة المتعددة ، وتنظمها في سلك واحد مما يُمكِّن من إدراك الروابط والصفات الجامعة بين الجزئيات .
= فإذن القواعد هي عبارات قصيرة جدًّا محكمة تجمع لك شتات الفروع، وأي فائدة أعظم من هذه الفائدة؟، حينما تحفظ قاعدة: "المشقة تجلب التيسير"، فأتاك إنسان وقال: عنده سلس في البول، ولا يستطيع أن يجلس دقيقتين دون أن يخرج منه هذا البول، فماذا نقول له؟
نقول: صلِّ على حالِكَ؛ لأن "المشقة تجلب التيسير".
أقسام القواعد الفقهية
تُقَسَّم القواعد الفقهية من حيثيتين :
مصدرها واستمدادها ،اتفاق الفقهاء عليها وعدمه .
*الحيثية الأولى:مصدرها واستمدادها :
يمكن تقسيم القواعد الفقهية من حيث مصادرها أو استمدادها إلى قسمين :
أ ـ قواعد جاء بها نص شرعي
قد تكون القاعدة بلفظ النص ، وقد تكون بظاهر النص
*قد تكون القاعدة بلفظ النص :
مثل قاعدة " لا ضرر ولا ضِرار" حيث أن مصدرها حديث نبوي صحيح .
فعن عبادة بن الصامتِ ؛ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ قضى أن " لا ضرر ولا ضِرار"
سنن ابن ماجه / تحقيق الشيخ الألباني / ( 13 ) ـ كتاب : الأحكام / ( 17 ) ـباب : من بنى في حقه مايضر بجاره / حديث رقم : 2340 / ص : 400 / صحيح

معنى "
لا ضرر ولا ضِرار " أن الإنسان لا يجوز له أن يضرّ بنفسه ولا بغيره .
وقيل:الفَرقُ بينَ الضَّررِ والضِّرارِ: أنَّ الضَّررَ يَحصُلُ بدونِ قَصدٍ، وأنَّه إذا تبيَّن لِمَن وقَع منه الضَّررُ رفَعَه، والضِّرارُ يَكونُ بقَصدٍ، فالقاعدةُ: مَتى ثبَت الضَّررُ وجَب رفعُه، ومتى ثبَت الإضرارُ وجَب رفعُه مع عُقوبةِ قاصدِ الإضرارِ.
وفي الحديثِ: أنَّ الشَّرعَ لا يُقِرُّ الضَّررَ، ولا الإضرارَ

*وقد تكون القاعدة أُنشِأ لفظُها من ظاهر النص دون حاجة إلى استنباط . مثل قاعدة:
16ـ وَلَيْسَ وَاجِبٌ بِلاَ اقْتِدَارِ *****وَلاَ مُحَرَّمٌ مَعَ اضْطِرارِ

17ـ وَكُلُّ مَحْظُورٍ مَعَ الضَّرُورَةْ *****بِقَدْرِ ما تَحْتَاجُهُ الضَّرُورَةْ
فهذه القاعدة مستفادة من ظاهر نص حديث صحيح دون الحاجة إلى استنباط .
* فعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ عن النبي ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ قال" دعوني ما تركتكم ، إنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم ، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه ، وإذا أمرتكم بأمرٍ فَأْتُوا منه ما استطعتم"
صحيح البخاري . متون / ( 96 ) ـ كتاب : الاعتصام / ( 2 ) ـ باب : الاقتداء بسنن رسول الله ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ / حديث رقم : 7288 / ص : 846 .
ولقوله تعالى "لاَ يُكَلفُ اللهُ نَفسًا إِلاَّ وُسْعَهَا" سورة البقرة / آية : 286 .
ولقوله تعالى "فاتَّقوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ". سورة التغابن / آية : 16 .
ويُستفاد من هذه القاعدة وما يتفرع عنها أن : القدرة مناط التكليف .
ب ـ قواعد خرَّجها العلماء من استقراء-أي التتبع- الأحكام الجزئية:
وهي التي تتبعها العلماء في أبواب الفقه المختلفة ،وصاغوها في عبارات موجزة مسلسلة .
مثل قاعدة : وكلُّ مشغولٍ فلا يُشَغلُ مثالُه المرهونُ والمُسَبَّلُ
القواعد والأصول الجامعة ... / ص : 6 /بتصرف .ومجموعة الفوائد البهية ... / ص : 21 / بتصرف .
بالاستقراء جمع العلماء أحكام جزئية نتج عنها هذه القاعدة

*الحيثية الثانية:اتفاق الفقهاء عليها وعدمه:
إذ من القواعد الفقهية ما اتفقت المذاهب الفقهية عليها ، وتسمى بالقواعد الكلية . ومنها ما حصل الاختلاف فيها .
مثال للقواعد الكلية :
وترجعُ الأحكامُ لليقينِ فلا يُزيلُ الشكُّ لليقينِ.
مجموعة الفوائد البهية ... / ص : 22 / بتصرف .
ـ قال العلامة جلال الدين السيوطي ـ رحمه الله ـ في " الأشباه والنظائر " / ص : 56
" اعلم أن هذه القاعدة تدخل في جميع أبواب الفقه ، والمسائل المخرجة عليها تبلغ ثلاثة أرباع الفقه وأكثر "
واختلف العلماء في عدد القواعد الكلية ، منهم من قال : 45 قاعدة ، ومنهم من قال : 66 قاعدة ، إلا أن القواعد الكلية الكبرى قصرها الأكثر على خمس قواعد ، وهي :
الأمور بمقاصدها=اليقين لا يزول بالشك= المشقة تجلب التيسير= لا ضرر ولا ضِرار= العادة مُحَكَّمَة .
مجموعة الفوائد البهية ... / ص : 22 / بتصرف .

*منظومة القواعد الفقهية

للشيخ عبد الرحمن بن نَاصِر السعدي

1 ـ الحمدُ للهِ العليّ الأَرفقِِ*****وجامعِ الأشياءِ والمفرِّقِِ

2 ـ ذي النِّعَمِ الواسعةِ الغزيرةْ *****والحِكَمِ الباهرةِ الكثيرةْ
3 ـ ثم الصلاةُ مَعْ سلامٍ دائمِ *****على الرسولِ القُرَشِيِّ الخَاتِمِ
4 ـ وآلهِ وصحبهِ الأبرارِ*****الحَائِزِي مراتبَ الفَخارِ
5 ـ اعلَم ـ هُدِيتَ ـ أَنَّ أفضلَ المِنَنْ ****عِلمٌ يُزيلُ الشَّكَ عَنْكَ والدَّرنْ
6 ـ وَيكْشِفُ الحقَّ لذي القلوبِ *****وَيُوصِلُ العَبْدَ إلى المَطْلوبِ
7 ـ فَاحْرِصْ عَلى فَهمكَ للقواعِدِ *****جَامِعةِ المسائلِ الشوارِدِ
8 ـ فَتَرْتَقي في العِلْمِ خَيرَ مُرْتَقَى *****وَتَقْتَفِي سُبْلَ الذي قَدْ وُفِّقا
9 ـ هَذِهِ قَوَاعدٌ نَظَمْتُها *****مِن كُتْبِ أهلِ العِلْمِ قدْ حصَّلتُها
10 ـ جَزاهُم المَوْلى عَظِيمَ الأَجْرِ *****والعَفوَ مَعْ غُفْرانِه والبِرِّ
11 ـ النيةُ شَرْطٌ لِسَائرِ العَمَلْ *****بِها الصَلاَحُ والفَسادُ للِعَمَلْ
12 ـ الدِّينُ مَبْنيٌّ على المَصَالحِ *****في جَلْبِهَا والدَّرْءِ للقَبَائِحِ
13 ـ فَإِنْ تَزَاحمْ عَدَدُ المَصَالِحِ *****يُقـدَّمُ الأَعلى مِنَ المَصَالِحِ
14 ـ وَضِدُّهُ تَزَاحُمُ المَفَاسِدِ *****يُرتَكَبُ الأَدْنَى مِنَ المَفَاسِدِ
15 ـ وَمِنْ قَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ التَّيْسِيرُ *****في كُلِّ أَمرٍ نَابَهُ تَعْسِيرُ
16 ـ وَلَيْسَ وَاجِبٌ بِلاَ اقْتِدَارِ *****وَلاَ مُحَرَّمٌ مَعَ اضْطِرارِ
17ـ وَكُلُّ مَحْظُورٍ مَعَ الضَّرُورَةْ *****بِقَدْرِ ما تَحْتَاجُهُ الضَّرُورَةْ
18ـ وَتَرْجِعُ الأَحْكَامُ لليَقِينِ *****فَلاَ يُزِيلُ الشَّكُّ لليَقِيِنِ
19 ـ والأَصْلُ فِي مِيَاهِنَا الطَّهَارَةُ *****والأَرْضِ والثِّيَابِ والحجارةِ
20ـ والأَصْلُ فِي الأَبْضَاعِ واللحومِ *****والنَّفْسِ والأموالِ للمَعْصُومِ
21 ـ تَحْريمُها حَتى يَجيءَ الحِلُّ *****فَافْهَمْ هَـدَاكَ اللهُ ما يُمَّلُّ
22ـ والأَصْلُ في عَادَاتِنَا الإِباحَةْ *****حَتى يَجِيءَ صَارِفُ الإِباحَةْ
23ـ وَلَيْسَ مَشْرُوعًا مِنَ الأُمورْ *****غَيرُ الذي فِي شَـرْعِنَا مَذْكُورْ
24 ـ وَسَائِلُ الأُمورِ كَالمَقَاصِدِ *****وَاحْكُم بِهذا الحُكْمِ للزَّوَائِدِ
25 ـ والخَطَأ والإِكْرَاهُ والنِّسيانُ *****أَسقَطَهُ مَعْبُودُنا الرَّحمنُ
26ـ لَكِنْ مَعَ الإِتْلاَفِ يَثْبُتُ البدَلْ *****وَيَنْتَفِي التَأثِيمُ عَنْهُ وَالزَّلَل
27 ـ وَمِنْ مَسَائِلِ الأَحْكَامِ في التَّبَعْ *****يَثْبتُ لاَ إِذَا اسْتَقَلَّ فَوَقعْ
28 ـ والعُرْفُ مَعْمُولٌ بِهِ إِذَا وَرَدْ *****حُكْمٌ مِنَ الشَّرعِ الشَّريِِفِ لَمْ يُحَدْ
29 ـ مُعَاجِلُ الْمَحْظُورِ قُبلَ آنِهِ *****قَدْ بَاءَ بِالخُسْرَانِ مَعْ حِرْمَانِهِ
30 ـ وَإِنْ أَتى التَّحْرِيمُ فِي نَفْسِ العَمَلْ *****أَو شرطِهِ ، فَذُو فَسَادٍ وخَلَلْ
31 ـ وَمُتْلفُ مُؤْذِيهِ لَيْسَ يَضْمَنُ *****بَعْدَ الدِّفاعِ بِالتي هِيَ أَحْسَنُ
32 ـ " وأَل " تًُفِيدُ الكُلَّ فِي العُمُومِ *****فِي الجَّمْعِ والإِفْرَادِ كَالعَلِيمِ
33 ـ والنَّكِراتُ فِي سِيَاقِ النَّفْي *****تُعْطِي العُمُومَ أَوْ سِياقِِ النَّهْي
34 ـ كَذَاكَ " مَنْ " و " مَا " تُفِيدَانِ مَعَا *****كُلَّ العُمُومِ يَا أُخَيَّ فاسْمَعَا
35 ـ وَمِثْلُهُ المُفْرَدُ إِذْ يُضافُ *****فَافهم هُدِِيتَ الرُّشدَ مَا يُضَافُ
36 ـ ولاَ يَتِمُّ الحُكْمُ حَتَّى تَجْتَمِعْ *****كُلُّ الشُّرُوطِ والمَوَانِعْ تَرْتَفِعْ
37 ـ ومَنْ أَتى بِما عَلَيْهِ مِنْ عَمَلْ *****قَدِ استَحَقَ مَالَهُ عَلى العَمَلْ
38 ـ وَكُلُّ حُكْمٍ دَائِرٌ معْ عِلَّتِهْ *****وَهِيَ التي قَدْ أَوْجَبَتْ لِشِرْعَتِهْ
39 ـ وَكُلُّ شَرْطٍ لاَزمٌ لِلعَاقِدِ *****في البَيْعِ وَالنِّكاحِ والمَقَاصِدِ
40 ـ إِلاَّ شُرُوطًا حَلَّلَت مُحرَّما *****أو عَكْسَهُ فَبَاطِلاَتٌ فَاْعلَمَا
41 ـ تُسْتَعْمَلُ القُرْعَةُ عِنْدَ المُبهَمِ *****مِنَ الحُقُوقِ أَو لَدَى التَّزاحُمِ
42 ـ وإِنْ تَسَاوى العَمَلانِ اجْتَمَعَا *****وَفُعلَ أَحَدُهمَا فَاسْتَمِعَا
43 ـ وَكُلُّ مَشْغُولٍ فَلاَ يُشَغَّلُ *****مِثَالُهُ المَرْهُونُ والمُسَبّلُ
44 ـ وَمَنْ يُؤَدِّ عَنْ أَخِيهِ وَاجِبا *****لَهُ الرُّجُوعُ إِنْ نَوَى يُطالِبَا
45 ـ والوَازِعُ الطَّبْعِي عَنِ العِصْيَانِ *****كَالوَازِعِ الشَّرْعِي بِلاَ نُكْرَانِ
46 ـ وَالحَمّدُ للهِ عَلَى التَّمامِ *****فِي البِدْءِ وَالخِتامِ والدَّوامِ
47 ـ ثُمَّ الصَّلاةُ مَعْ سَلاَمٍ شَائِعِ *****عَلَى النَّبىِّ وَصَحْبِهِ وَالَّتابِعِ

*التعريف بالناظم
هو الشيخ عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله بن ناصر بن حمد آل سعدي ؛ المكنى بأبي عبد الله .
ولد في بلدة عُنَيزة في القصيم بالمملكة العربية السعودية ، في الثاني عشر من المحرم سنة سبع وثلاثمائة وألف - 1307 - من الهجرة النبوية . وقد توفيت أمه وله أربع سنوات ، وتوفي أبوه وله سبع سنين ، فعاش يتيم الأبوين ، ولكنه نشأ نشأة حسنة ، وكان قد استرعى الأنظار منذ حداثة سِنه بذكائه ورغبته الشديدة في العلوم .
عني " أبوه " بتربيته تربية صالحة ، ولما عاجلته المنية في سن مبكر من حياة الابن ، كفلته " زوجة أبيه " وآثرته بالعناية والرعاية والمحبة أكثر من أبنائها . ولما شب صار في بيت أخيه الأكبر " حمد بن ناصر " الذي أوصاه أبوه به .
وكان " حمد " رجلاً صالحًا ومن حملة القرآن ، فنشأ " عبد الرحمن " نشأة صالحة كريمة .
وقد قرأ القرآن بعد وفاة والدِهِ ثم حفظه عن ظهر قلب ، وأتقنه وعمره أحد عشر سنة .
وقد أخذ العلم عن شيوخ كثيرين من أجلاء علماء نجد ، أكثرهم من " عُنيزة " و " بُريدة " ،فاجتهد وجَدَّ حتى نال الحظ الأوفر من كل فن من فنون العلم ، ولما بلغ من العمر ثلاثًا وعشرينَ سنة جلس للتدريس فكان يتعلم ويعلِّم ، ويقضي جميع أوقاته في ذلك ، حتى أنه في عام ألف وثلاثمائة وخمسين صار التدريس ببلده راجعًا إليه ومعول جمع الطلبة في التعليم عليه .
ومن مشايخه الشيخ محمد الشنقيطي ... .
وكان أعظم اشتغاله وانتفاعه بكتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم .
كما خلف ـ رحمه الله ـ تلاميذ نجباء ، أشهرهم العلامة " محمد بن صالح العثيمين " ـ رحمه الله ـ .
وفضيلة الشيخ العلامة " عبد الله بن عبد الرحمن آل بسام " ـ حفظه الله ـ .
* عقيدة الشيخ عبد الرحمن السعدي ـ رحمه الله ـ هي عقيدة السلف الصالح .
* فقهه ـ رحمه الله ـ : فقد كان في بداية الطلب متمسكًا بمذهب الإمام أحمد تبعًا لمشايخه ، ثم مال إلى الترجيح (1)وترك التقليد .اللآلئ والدرر السَّعديَّة / ص : 9 / بتصرف .
( 1 ) إلى الترجيح : أي إلى دراسة الأدلة والترجيح بينها.

o لطيفة :
ـ وضع الشيخ السعدي ـ رحمه الله تعالى ـ على نظمه شرحًا لطيفا ، فرغ منه في الثامن عشر من ذي القَعْدة سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة وألف 1331، وعمره حينئذ لم يتجاوز الرابعة والعشرين .
مجموعة الفوائد البهية على منظومة القواعد الفقهية / ص : 27 .
* سمته : عُرف ـ رحمه الله ـ بحسن الخلق ، وطِيب الكلام ، وبذل النصيحة ، والتواضع الجم ، والسعي في مصالح الخلق ، مع حسن الديانة ، والزهد والتعفف ، والشفقة على المساكين ، لذا اجتمعت النفوس على محبته .
مقدمة المرتقى الذلول إلى نفائس علم الأصول / السعدي / ص : 9 .
وكان ذا بسمة دائمة ، كثير البكاء والصلاة والصيام .
القواعد والأصول الجامعة ... / ص : 17 .
* مرضه ووفاته :
قبل وفاته بخمس سنوات أصيب ـ رحمه الله ـ بضغط الدم وتصلب الشرايين ، وكان يعاوده مرة بعد أخرى وهو صابر عليه ولم يمنعه ذلك من مواصلة نشاطه في التعليم والإمامة والخطابة والتأليف ، وقد اهتم أولو الأمر بالمملكة بعلاجه ، وأذنوا بسفره إلى خارج البلاد للعلاج ، وفي آخر أيامه ـ رحمه الله ـ أصيب بنزيف في المخ فأرسَلَ الملك فيصل ـ حيث كان وليّا للعهد ـ طائرة خاصة فيها أطباء مَهَرَة ، فسبقها الأجل المحتوم حيث تلقى طاقم الطائرة نبأ وفاته وهم في الجو ، وذلك في فجر يوم الخميس الثالث والعشرين من جمادى الآخرة عام ستة وسبعين وثلاثمائة وألف عن تسع وستين سنة .
أجزل الله له المثوبة ، ورحمه الله رحمة واسعة ، وقد رثاه غير واحد من الفضلاء بقصائد مبكية . وبموته فقد العالم الإسلامي عالمًا كبيرًا ومربيًا فاضلاً . اللآلئ والدرر السَّعديَّة / ص : 9 / بتصرف .
* * * * *






 
قديم 07-10-2018, 10:01 PM   رقم المشاركة : 4
معلومات العضو
أم أبي التراب
مشرفة على قسم طالبات العلم






أم أبي التراب غير متواجد حالياً

Post رد: دورة تيسير القواعد الفقهية

المجلس الثالث
دورة تيسير القواعد الفقهية
إنَّ الحَمْدَ لله، نَحْمَدُه، ونستعينُه، ونستغفرُهُ، ونعوذُ به مِن شُرُورِ أنفُسِنَا، وَمِنْ سيئاتِ أعْمَالِنا، مَنْ يَهْدِه الله فَلا مُضِلَّ لَهُ، ومن يُضْلِلْ، فَلا هَادِي لَهُ.
وأَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وأشهدُ أنَّ مُحَمَّدًا عبْدُه ورَسُولُه.

أما بعد:
*شرح منظومة القواعد الفقهية

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

1ـ الحمدُ للهِ العليّ الأَرفقِ وجامعِ الأشياءِ والمفرِّقِ
الحمدُ للهِ: هو الثناء .
وقد بدأ النظم بالحمدلة :
اتباعًا للقرآن ، فقد بُدِأ كتاب ُ اللهِ تعالى بسورة الحمد ـ الفاتحة ـ .
وعملاً بالسنة ، فقد كان صلى الله عليه وسلم يفتتح مواعظه وخطبه بالحمدلة كما يؤخذ من مجموع الروايات ـ خطبة الحاجة ـ .
ويقوم مقام الحمدلة كل ما فيه ثناء لله تعالى ، كالبسملة
ونحوِها .
معاني البسملة العظيمة :بسم الله الرحمن الرحيم :

" بسم الله " ؛ أي أبتدئ بكل اسم لله تعالى ، لأن لفظ " اسم " مفرد مضاف ، فيعم جميع الأسماء الحسنى .
إشارة إلى القاعدة رقم 35 .
33 ـ والنَّكِراتُ فِي سِيَاقِ النَّفْي *****تُعْطِي العُمُومَ أَوْ سِياقِِ النَّهْي
34 ـ كَذَاكَ " مَنْ " و " مَا " تُفِيدَانِ مَعَا *****كُلَّ العُمُومِ يَا أُخَيَّ فاسْمَعَا
35 ـ وَمِثْلُهُ المُفْرَدُ إِذْ يُضافُ *****فَافهم هُدِِيتَ الرُّشدَ مَا يُضَافُ


" الله " هو المألوه المعبود ، المستحق لإفراده بالعبادة ، لما اتصف به من صفات الألوهية ، وهي صفات الكمال .

" الرحمن الرحيم " اسمان دالان على أنه تعالى ذو الرحمة الواسعة العظيمة التي وسعت كل شيء. تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان / للسعدي / ص : 21 . تفسير الفاتحة .
ويُراد بالحمد:
* وصف المحمود بالوصف الجميل مع محبته وتعظيمه .
فهو الثناء على الله بصفات الكمال ، وبأفعاله الدائرة بين الفضل والعدل ، فله الحمد الكامل بجميع الوجوه . تفسير السعدي .
* وهو سبحانه يُحمد حمدًا مطلقًا ، أي حمد استحقاق ، لأنه يستحق الحمد لذاته .

ـ الفرق بين الحمد والشكر :
الحمد متعلق بالنعمة والمصيبة ، أما الشكر فعلى النعمة فقط
لذا كان صلى الله عليه وسلم يحمد الله على كل حال .
* فعن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت : كان رسول الله ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ إذا رأى ما يُحب قال : " الحمد لله الذي بنعمته تتُم الصالحات " ، وإذا رأى ما يكره قال : " الحمد لله على كل حال"
سنن ابن ماجه / تحقيق الشيخ الألباني / ( 34 ) ـ كتاب : الدعاء /( 55 ) ـ باب : فضل الحامدين / حديث رقم : 3803 / ص : 627 / حسن .

الله: هو المألوه ، المعبود المستحق لإفراده بالعبادة ، ِلمَا اتصف به من صفات الألوهية ، وهي صفات الكمال .
ولفظ الجلالة أعرف من أن يُعرَّف ، وهو أصل لجميع الأسماءالحسنى. الفرق بين لفظ الجلالة "الله" وبين الأسماء الحسنى الباقية ،هو أن لفظ الجلالة "الله" هو علم على الذات، فهو الدال على جميع الأسماء الحسنى والصفات العليا بالدلالات الثلاث، المطابقة والتضمن واللزوم.


العليّ: الذي له العلوّ التام المطلق من جميع الوجوه ، فيشمل علوّ الذات : بمعنى أنه مستوٍ على عرشه عالٍ على خلقه ، ويشمل علوّ القهر: بمعنى أن كل شيء تحت سلطانه وقدرته ، فهو الذي قهر الأشياء بجلاله وعظمته .
وقد جمع بينهما-أي بين العلو والقهر- في قوله تعالى " وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ" سورة الأنعام / آية : 18 .
ويشمل : علو القدر والمكانة والشأن : قال تعالى " وَمَا قَدَرُواْ اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ"سورة الأنعام / آية : 91 .
والعلي من أسماء الله الحسنى ، كما قال تعالى " وَهُوَ الْعَليُّ الْعَظِيمُ"سورة البقرة / آية : 255 .

الأَرفقِ: أي الرفيق في أفعاله ، فأفعاله كلها رفق ، على غاية المصالح والحكمة ، والرفق صفة ثابتة لله عز وجل .
القواعد الفقهية ... / شرح : د . مصطفى كرامة مخدوم ,وغيره.
الرفق:وهو اللين والتسهيل، وضده العنف والتشديد والتصعيب.
الرفيق: أي الكثير الرفق، وهو اللين والتسهيل، وضده العنف والتشديد والتصعيب.
أيضًا الرفيق في حق الله تعالى بمعنى :الحليم؛ فإنه لا يعجل بعقوبة العصاة ليتوب من سبقت له العناية، ويزداد إثمًا من سبقت له الشقاوة.
إذ هو الميسر والمسهل لأسباب الخير كلها، والمعطي لها. وقد يجيء الرفق أيضًا بمعنى: التمهل في الأمور والتأني فيها
* فعن عائشة ـ رضي الله عنها ـ زوج النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ؛ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال " يا عائشة إن الله رفيق يحب الرفق ، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف ، وما لا يعطي على ما سواه "
صحيح مسلم / ( 45 ) ـ كتاب البر والصلة والآداب / ( 23 ) ـ باب : فضل الرفق /حديث رقم : 77 ـ ( 2593 ) / ص : 661 .
وقد أظهر سبحانه لعباده من آثار رفقه ما يستدلون به على كماله وكمال حكمته ورفقه ، كما في خلقه السموات والأرض وما بينهما في ستة أيّامٍ ، مع أنه قادر على أن يخلقها في لحظة ، وكذلك خلقه الإنسان والحيوانات والنبات ، على اختلاف أنواعه ، يخلقها شيئًا فشيئًا ، حتى تنتهي وتكمل ، مع قدرته على تكميلها في لحظة ، ولكنه رفيق حكيم ، فمن رفقه وحكمته تطويرها في هذه الأطوار ، فلا تَنافي بين قدرته وحكمته ،

وهو سبحانه رفيق في أمره ونهيه فلا يأخذ عباده بالتكاليف الشاقة مرة واحدة ، بل يتدرج معهم من حال إلى حال حتى تألفها نفوسهم وتأنس إليها طباعُهم، كما فعل ذلك سبحانه في فرضية الصيام وفي تحريم الخمر والربا ونحوهما ...،
حصل تدرج في الصيام ، فحين نزل الصوم كان من شاء صام، ومن شاء أطعم ثم بعد ذلك صار الصوم واجبًا، لقوله تعالى: "فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ
وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ"البقرة 185.
¤التدرج الآخر أنهم كانوا إذا ناموا بعد الإفطار أو صلوا العشاء لا يحل لهم الأكل والشرب والجماع، إلا عند غروب اليوم التالي، ثم خفف عنهم، قال تعالى :
" أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ" البقرة

فكانت المحظورات على الصائم إذا نام أو صلى العشاء ثم نسخ ذلك فكانت جائزة إلى أن يتبين الفجر
. ــــــــــــ
مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين المجلد 17 - رابط المادة هنا
مرّ تحريم الربا بأربعة أدوار كما حدث في تحريم الخمر، وذلك تمشيًا مع قاعدة التدرج:
الدور الأول: نزل قوله تعالى"وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَاْ فِي أَمْوَالِ الناس فَلاَ يَرْبُواْ عِندَ الله وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ الله فأولئك هُمُ المضعفون"الروم: 39- وهذه الآية الكريمة نزلت في مكة وهي- كما يظهر- ليس فيها ما يشير إلى تحريم الربا وإنما فيها إشارة إلى بُغض الله للربا، وأن الربا ليس له ثواب عند الله فهي إذن :موعظة سلبية.
الدورالثاني: نزلَ قولُهُ تعالى"فَبِظُلْمٍ مِّنَ الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ الله كَثِيرًا* وَأَخْذِهِمُ الربا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ"النساء: 160-161- وهذه الآية مدنية، وهي درس قصه الله سبحانه علينا من سيرة اليهود الذي حرم عليهم الربا فأكلوه واستحقوا عليه اللعنة والغضب، وهو تحريم "بالتلويح" لا "بالتصريح" لأنه حكاية عن جرائم اليهود وليس فيه ما يدل دلالة قطعية على أن الربا محرّم على المسلمين. وهذا نظير الدور الثاني في تحريم الخمر"يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخمر والميسر قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ ومنافع لِلنَّاسِ"البقرة: 219- الآية حيث كان التحريم فيه بالتلويح لا بالتصريح.
الدور الثالث: نزل قوله تعالى"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ "آل عمران: 130. الآية وهذه الآية مدنية وفيها تحريم للربا صريح ولكنه تحريم جزئي لا كلي، لأنه تحريم لنوع من الربا الذي يسمى الربا الفاحش وهو الربا الذي بلغ في الشناعة والقبح الذروة العليا، وبلغ في الإجرام النهاية العظمى، حيث كان الدَيْنُ فيه يتزايد حتى يصبح أضعافًا مضاعفة، يضعف عن سداده كاهل المستدين، الذي استدان لحاجته وضرورته وهو يشبه تحريم الخمر في المرحلة الثالثة حيث كان التحريم جزئيًا لا كليًا في أوقات الصلاة "يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصلاوة وَأَنْتُمْ سكارى حتى تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ"النساء: 43- الآية.
الدور الرابع: وفي هذا الدور الأخير نزل التحريم الكلي القاطع، الذي لا يفرّق فيه القرآن بين قليل أو كثير، والذي تدل النصوص الكريمة على أنه قد ختم فيه التشريع السماوي بالنسبة إلى حكم الربا، فقد نزل قوله تعالى" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ*فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْب مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ" البقرة:278-279 "الآيات.
وهذه الآيات الكريمة التي كانت المرحلة النهائية في تحريم الربا تشبه المرحلة النهائية في تحريم الخمر في المرحلة الرابعة منه حيث حرمت الخمر تحريمًا قاطعًا جازمًا في قوله تعالى" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ "المائدة: 90.
وبهذا البيان يتضح لنا سر التشريع الإسلامي في معالجة الأمراض الاجتماعية التي كان عليها العرب في الجاهلية بالسير بهم في طريق التدرج. نداء الإيمان- كتاب: روائع البيان في تفسير آيات الأحكام
هنا
وأمرنا سبحانه بالرفق
: قال تعالى" وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَتَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا . وَاخْفِضْ لَهُمَاجَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا .رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِن تَكُونُواْ صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا "الإسراء/23-25.

فالمتأني الذي يأتي الأمور برفق وسكينة ، اتباعًا لسنن الله في الكون واقتداء بهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم تتيسر له الأمور وتذلل الصعاب
o لطيفة نحوية :
" وجامعِ" هكذا بالجر عطفًا على ( الأرفقِ ) . ويجوز الرفع... وجامعُ على الرفع خبر لمبتدأ محذوف ، تقديره هو ، وهو جامع الأشياء والمفرق .منظومة القواعد الفقهية / شرح : عبيد الجابري .

" وَجَامِعِ الأَشْيَاءِ وَالْمُفَرِّقِ " يعني أنه سبحانه يجمع بين الأشياء في بعض المعاني والصفات ، ويفرق بينها في البعض الآخر ، فجمع الأشياء في شيء ، وفرّقها في شيء آخر ، كما جَمَعَ بين خلقه في كونه خلقهم ، وَرَزَقهم ، وفرّق بينهم في الأشكال والصور ، والطول والقِصر ، والسواد والبياض ، وغير ذلك من الصفات .
والناس يشتركون في أصل الرزق ، فكل مخلوق مرزوق ، قال تعالى "وَما مِن دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا " سورة هود / آية : 6 .
ولكنهم يتفاوتون في مقدار الرزق ونوعه على حسب الحكمة الإلهية ، كما قال سبحانه " وَلَوْ بَسَطَ اللهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ" .سورة الشورى / آية27 .
وكل هذا صادر عن كمال قدرته وحكمته ، ووضعه الأشياءَ مواضعها اللائقة بها .رسالة القواعد الفقهية / السعدي / ص : 5 / بتصرف .

وإطلاق هذا اللفظ أعني "وَجَامِعِ الأَشْيَاءِ وَالْمُفَرِّقِ"ـ على الله تعالى من باب الإخبار ، وليس من باب التسمية ، فيصح الإخبار عن الله تعالى بكل ما صح من حيث المعنى ، ولكن لا يُسمى إلا بما سمى به نفسه .القواعد الفقهية ... / شرح : د . مصطفى كرامة مخدوم .

س : ما علاقة هذه المقدمة بموضوع المنظومة ؟
ج : كأنه رحمه الله يقول : إذا كان ربُّك عليًّا ورفيقًا ، فمعناه أنك لن تنال الفهم في دينه ، إلا بأن تستعين به سبحانه لأنه هو العلي ، وأن تكون رفيقًا ، كما يحبه لنفسه ، وكما يحبه لعباده . فهذا الدين متين ، ويحتاج إلى أن يوغِلَ الإنسانُ فيه برفق ، مع التنبيه علي ضعف الحديث الوارد " إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق "
فالحديث ضعيف ، ولكن المعنى صحيح (1)وموافق لقواعد الشريعة فمما صح بهذا المعنى :
* عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه سلم ـ " إن هذا الدينَ يُسرٌ ، ولن يُشاد الدينَ أحدٌ إلا غلبه ، فسددوا وقاربوا ، وأبشروا ويسروا ، واستعينوا بالغدوةِ والرَّوْحَةِ ؛ وشيءٍ من الدَّلْجَةِ"سنن النسائي المجلد الواحد / تحقيق الشيخ الألباني / ( 47 ) ـ كتاب : الإيمان وشرائعه / 28- باب : الدين يسر / حديث رقم : 5034 / ص : 764 / صحيح

( 1 )ليس معنى صحة المعنى أنه يصلح للاستشهاد به ، بل لابد من توافر صحة المعنى وصحة النسبة للرسول صلى الله عليه وسلم .

وتعبير الناظم بقوله"وَجَامِعِ الأَشْيَاءِ وَالْمُفَرِّقِ" ، فيه براعة استهلال كما يسميه البلاغيون ، والمراد بها : دلالة مطلع الكلام على مضمونه ، فهذا التعبير يدل على أن هذا النظم في القواعد التي من شأنها الجمع لكثر من الفروع ، والتفريق بين بعضها .
رسالة القواعد الفقهية / السعدي / ص : 5 / بتصرف .وشرحها للدكتور / مصطفى كرامة مخدوم .

ذِي النِّعَمِ الْوَاسِعَةِ الْغَزِيرَةْ 2 وَالْحِكَمِ الْبَاهِرَةِ الْكَثِيرَةْ
-النِّعَمِ: جمع نِعمة ـ بكسر النون ـ وهي : المنفعةُ المفعولةُ على جهة الإحسان إلى الغير
وأما النَّعمة ـ بفتح النون ـ فهي التَّنَعُّمُ .
-الواسعةِ: من السَّعة ، وهي ضد الضيق .
-الغزيرةْ: من الغزارة ، وهي الكثرة ضد القِلة .
ونِعَم اللهِ تعالى موصوفةٌ بهاتين الصفتين.قال تعالى "وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ اللهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ " سورة النحل / آية : 18. لاَ تُحْصُوهَا ـ : لسعتها وكثرتها .
فهذا بيان لسعة وكثرة فضله وعطاياه الشاملة لجميع خلقه ، فلا يخلو مخلوق من نعمِهِ طرفة عين ، ولا سيّما الآدمي ، فإنَّ الله فضَّله وشرّفه ، وسخر له ما في السموات وما في الأرض ، وأسبغ عليه نعمَه الظاهرة والباطنة ، ولا يمكن تعداد نعمه لسعتها وكثرتها .
ولكنه تعالى رضِيَ مَنْ شَكَر نعمه ، بالاعتراف بها ، والتحدث بها ، وصرفها في طاعة الله ، وأن لا يستعان بشيءٍ من نعمه على معاصيه .
-والحِكَمِ : جمع حِكْمة ، وهي : اسم جامع لكل ما يمنع من الوقوع في الخطأ ، وذلك بوضع كل شيء في مكانه المناسب من جميع الوجوه ، وهذا في حق من له الكمال المطلق سبحانه وتعالى
-الباهرةِ: أي المدهشة للعقول لعظمتها ودقتها .
-والحِكَمِ الباهرةِ الكثيرةْ:يعني أن حكمه تعالى كثيرة تبهر العقول ، وتتعجب منها غاية العجب ، فإن جميع مخلوقاته ومأموراته مشتملة على غاية الحكمة .
ومَنْ نظر في هذا الكون وعجائبه وسمائِه وأرضه ، وشمسه وقمره ، وكواكبه وفصوله وحَيَوانِهِ ، وأشجاره ونباته ، وجباله وبحاره ، وجميع ما يحتوي عليه ، رأى فيه العجائب العظيمة ، ويكفي الإنسان نفسه ، فإنه إذا نظر إلى كل عضو من أعضائِه علِمَ أنه لا يصلح في غير مَحَلِّهِ .
فإذا أردت أن تكون حكيمًا ، فيجب أن تفهم هذا ، وتضع الأمور في أماكنها ، كما يحب الله ويرضى ، وهذا فضل من الله ، قال تعالى "يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا "سورة البقرة / آية : 269.

رسالة القواعد الفقهية / السعدي / ص : 6 / بتصرف . وشرحها للدكتور / مصطفى كرامة مخدوم .

o تعقيب :
من حِكَم الله ما لا يدركه العباد ، ولكن المتقرر عند أهل الإيمان قولاً وعملاً واعتقادًا أن أحكام الله لها حِكم ومصالح ، وأن على العبد الانقياد والتسليم ـ للأحكام الشرعية ـ سواء ظهرت له الحكمة أو لم تظهر له .

منظومة القواعد الفقهية ... / شرح : عُبيد الجابري .

===========






 
قديم 07-10-2018, 10:06 PM   رقم المشاركة : 5
معلومات العضو
أم أبي التراب
مشرفة على قسم طالبات العلم






أم أبي التراب غير متواجد حالياً

Post رد: دورة تيسير القواعد الفقهية



المجلس الرابع
دورة تيسير القواعد الفقهية

3ـ ثُمَّ الصلاةُ مَعْ سلامٍ دائمِ*على الرسولِ القُرَشِىِّ الخَاتِمِ
4ـ وآلهِ وصحبهِ الأبرارِ * الحَائِزِي مراتبَ الفَخارِ


المراد بالصلاة: الثناء والذكر الجميل ، وأنه لا يُراد بلفظ الصلاة في جميع المواطن الدعاء . يدل على هذا أن بعض النصوص الواردة في الصلاة لا يمكن أن تُفسر بالدعاء ، مثل : نسبة الصلاة لله ـ عز وجل ـ " هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلاَئِكَتُهُ " سورة الأحزاب / آية : 43، لا يمكن أن يُقال هو الذي يدعو
*من معاني الصلاة :
=الصلاة المفروضة ،لقوله تعالى " وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ" البقرة 43.
=الصلاة بمعنى :الثناء على العبد ،لقوله تعالى "هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ" الأحزاب 43 .
فالصلاة من الله ثناؤه على العبد عند الملائكة، حكاه البخاري عن أبي العالية. صحيح البخاري:6/ 111.

وتفسير الآية بحسب هذا المعنى هو ما ذهب إليه ابن كثير.
، ويدخل فيها أيضًا رحمته لعباده وإحسانه إليهم سبحانه وتعالى.الشيخ ابن باز- هنا -

=الصلاة بمعنى:الدعاء والاستغفار ،لقوله تعالى "وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ " التوبة 103 . الآية . أي: ادع لهم واستغفر لهم.

"سمِعْتُ عبدَ اللهِ بنَ أبي أَوْفَى ، وكان مِن أصحابِ الشجرةِ ، قال : كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم إذا أتاه قومٌ بصدقةٍ قال : اللهم صلِّ عليهم . فأتاه أبي بصدقتِه، فقال : اللهم صلِّ على آلِ أبي أّوْفَى".الراوي : عمرو بن مرة الجهني -المحدث : البخاري -المصدر : صحيح البخاري- الصفحة أو الرقم: 4166 : خلاصة حكم المحدث : صحيح .الدرر -

يَحكي عبدُ اللهِ بنُ أبي أَوْفَى رضي الله عنهما أنَّ النَّبيَّ صلَّى الله علَيه وسلَّم كانَ إذا أتاه قَومٌ بِصَدقتِهم، أي: بزِكاةِ أموالِهم قالَ: اللَّهُمَّ صَلِّ على آلِ فُلان، أي: اغفِر لهُم وارْحَمهم. فأتاه أبو أَوْفَى بِصَدقتِه فقالَ: اللَّهُمَّ صَلِّ على آل أبي أَوْفى امتثالًا لِقولِه تعالى"وَصَلِّ عَلَيْهِمْ" وهذا مِن خصائِصِه صلَّى الله علَيه وسلَّم.
في الحديثِ: الصَّلاةُ على غَيرِ الأنْبياءِ.
وفيه:الدُّعاءُ لِلمُتَصَدِّقِ.
وفيه: الأمرُ بالدُّعاءِ لِصاحِبِها .الدرر -

ولقوله تعالى "هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلاَئِكَتُهُ" سورة الأحزاب / آية : 43. قال القرطبي "وصلاة المَلاَئِكَتُهُ: دعاؤهم للمؤمنين، واستغفارهم لهم"

وقال الشيخ ابن باز رحمه الله:والملائكة صلاتهم الدعاء، دعاؤهم للمصلَى عليه وترحمهم عليه وثناؤهم عليه هذا يقال له صلاة.الشيخ ابن باز- هنا -
*كما في الحديث" الملائكةُ تصلي على أحدِكم مادام في مُصلاه، ما لم يحدثْ : اللهمَّ اغفرْ له، اللهم ارحمْه، لا يزال أحدُكم في صلاةٍ ما دامتِ الصلاةُ تحبسُه، لا يمنعه أن ينقلبَ إلى أهلِه إلا الصلاةُ ".الراوي : أبو هريرة -المحدث : البخاري - المصدر : صحيح البخاري-الصفحة أو الرقم- 659 خلاصة حكم المحدث : صحيح-الدرر -
في الحديث:لا يمنعُه الانقلابُ، وهو الرَّواحُ إلى أهلِه إلَّا الصَّلاةُ أي: لا غيرُها، ومُقْتضاه أنَّه إذا صَرفَ نيتَّه عَن ذلك صارفٌ آخرُ انقطعَ عَنْه الثَّوابُ المذكورُ، وكذا إذا شارَكَ نيَّةَ الانتظارِ أمْرٌ آخرُ.
والفرْقُ بَيْنَ المغفرةِ والرَّحمةِ أنَّ المغفرةَ سِترُ الذُّنوبِ، والرَّحمةَ إفاضةُ الإحسانِ إليه.
وفي الحديثِ: بيانُ فَضلِ الجلوسِ في الْمُصلَّى على طهارةٍ.
وفيه: أنَّ الحَدَثَ في المسجدِ يُبطِلُ ذلك، ولو استمرَّ جالسًا.
-الدرر -


*قال تعالى"الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ "غافر 7 ..

=الصلاة بمعنى :قراءة القرآن، ومنه قوله تعالى"وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بها "الإسراء:110، أي: بقراءتك

-"في قولِه تعالى "وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ"قال: نزلتْ ورسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مُخْتَفٍ بمكةَ كان إذا صلَّى بأصحابِه رفعَ صوتَه بالقرآنِ ، فإذا سمعَه المشركون سبُّوا القرآنَ ومن أنزلَه ومن جاءَ به ، فقال اللهُ تعالى لنبيِّه صلى الله عليه وسلم : ولا تجهرْ بصلاتِك أي بقراءتِك ، فيسمعُ المشركون فيسبُّوا القرآنَ ولا تخافتْ بها عن أصحابِك فلا تُسْمِعُهم وابتغِ بين ذلك سبيلاً ."الراوي : عبدالله بن عباس -المحدث : البخاري -المصدر : صحيح البخاري-الصفحة أو الرقم4722-خلاصة حكم المحدث:صحيح- الدرر السنية -

الشرح

يَحكي ابنُ عبَّاسٍ رضِي اللهُ عنهما في سَببِ نُزول آيةِ"وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا"الإسراء: 110؛ أنَّها نزلَت ورسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم مُخْتَفٍ بمكَّة؛ يعني: في أوَّلِ الإسلام، وكان إذا صلَّى بأصحابِه رفَعَ صوتَه بالقرآن، فإذا سَمِع المشركون سبُّوا القرآنَ ومَن أَنزلَه ومَن جاء به، فقال اللهُ تعالى لنبيِّه صلَّى الله عليه وسلَّم"وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَأي: بقِراءَةِ صلاتِك؛ فيَسْمَعَ المشركون فيَسُبُّوا القرآن، "وَلَا تُخَافِتْ"، أيْ: لا تَخْفِض صوتَك بها عن أصحابِك؛ فلا تُسمِعَهم، "وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ" الجهر والمخَافتَة "سَبِيلًا" وسَطًا.
وفي الحديثِ: فضلُ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما وعِلمُه بتفسيرِ القرآنِ وأسبابِ نُزولِه.
وفيه: أنَّ هذِه المِلَّةَ الإسلاميَّةَ الحنيفيَّةَ البَيضاءَ؛ أُصولَها وفُروعَها، كلُّها وسطٌ لا إفراطَ ولا تفريطَ؛ وتُحصِّل جميعَ المصالحِ وتَدرأُ جميعَ المفاسِد؛ فقدْ أمَر اللهُ تعالى بما يَحصُل به الأمرانِ جميعًا؛ عدمُ الإخلالِ بسَماعِ الحاضِرين، والاحترازُ عن سَبِّ أعداءِ الدِّين. . الدرر السنية - هنا-


=على الرسولِ: الرسول هو من أُوحِيَ إليه بشرع وأُمر بتبليغه .
أما النبي : من بُعِثَ لتقرير شرع مَنْ قَبْله ، وهو بالطبع مأمور بتبليغه ، إذ من المعلوم أن العلماء مأمورون بذلك والأنبياء بذلك أولى كما لا يخفى .

شرح العقيدة الطحاوية ـ تحقيق الألباني / ص : 38 / بتصرف .
القُرَشِىِّ : أي المنسوب إلى قريش ، وهم بنو النضر بن كنانة ، فكل من كان من ولده فهو قرشي ، وهذا هو الراجح من أقوال أهل النسب لقوله صلى الله عليه وسلم " نحن بنو النضر بن كنانة ، لا نَقْفوا أُمَّنَا (1)، ولا ننتفي مِن أبينا"
سنن ابن ماجه / تحقيق الشيخ الألباني / ( 20 ) ـ كتاب : الحدود / ( 37 ) ـ باب :من نفى رجلاً من قبيلته / حديث رقم : 2612 / ص : 444 / حديث حسن
( 1 )لا نَقْفوا أُمَّنَا : أي لا نتبع أُمَّنا في النسب ، لأن الولد ينسب لأبيه دون أمه .
القواعد الفقهية ... / شرح : د . مصطفى كرامة مخدوم .
قال ابن ماجه في سننه:
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ،قال:حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ،قال: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى،قال: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ح وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ حَيَّانَ،قال: أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُغِيرَةِ ،قَالَا :حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عَقِيلِ بْنِ طَلْحَةَ السُّلَمِيِّ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ هَيْضَمٍ عَنْ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي وَفْدِ كِنْدَةَ وَلَا يَرَوْنِي إِلَّا أَفْضَلَهُمْ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَسْتُمْ مِنَّا فَقَالَ"نَحْنُ بَنُو النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ لَا نَقْفُو أُمَّنَا وَلَا نَنْتَفِي مِنْ أَبِينَا "قَالَ فَكَانَ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ يَقُولُ لَا أُوتِي بِرَجُلٍ نَفَى رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ إِلَّا جَلَدْتُهُ الْحَدَّ"
سنن ابن ماجه» كتاب الحدود» باب من نفى رجلا من قبيلته -الدرر-

شرح الحديث : حذَّر الشَّرعُ الحَكيمُ مِن الانْتِفاءِ مِن الأنسابِ الصَّحيحةِ، للدُّخولِ في أنسابٍ أُخرى؛ لِمَا في ذلك مِن الخداعِ والتَّلاعُبِ بالأنسابِ.
وفي هذا الحَديثِ يُصوِّبُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم خطَأً كان شائِعًا في نسَبِ قُريشٍ، حيث يقولُ الأشعَثُ بنُ قيسٍ رَضِي اللهُ عنه "أتيتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم في وفْدِ كِنْدةَأي: في جَمَاعتِهم، وكِنْدةُ اسمٌ لأبي قبيلةٍ مِن اليمَنِ، "ولا يَرَوْني إلَّا أفضَلَهمأي: يُقدِّمُ الوفْدُ الأشعَثَ على أنفُسِهم؛ لِما يرَونَه فيه مِن أفضَليَّةٍ، وهذا إشارةٌ إلى سبَبِ تَقْديمِه في الكلامِ مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم، "فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، ألَسْتُم مِنَّا؟"، أي: أليسَتْ قُريشٌ وبَنُو هاشِمٍ مِن كِنْدةَ؟ فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم: "نَحن بَنو النَّضرِ بنِ كِنانةَ؛ لا نَقْفو أُمَّناأي: لا نَعِيبُ أُمَّنا ولا نَرْميها بالزِّنا، وقيل: مَعْناه لا نَترُكُ النَّسَبَ إلى الآباءِ، ونَنتَسِبُ إلى الأمَّهاتِ ونَتْبَعُهنَّ،"ولا نَنتَفِي مِن أبيناأي: ولا نَنْفي نسَبَنا مِن أَبينا الأكبَرِ النَّضْرِ بنِ كِنانةَ. قال الرَّاوي: "فكان الأشعَثُ بنُ قيسٍ يَقولُ: لا أُوتَى برَجُلٍ نَفى رجُلًا مِن قُريشٍ مِن النَّضرِ بنِ كِنانَةِ إلَّا جلَدْتُه الحَدَّ"، أي: جلَدَه حدَّ القَذْفِ والفِرْيةِ؛ لأنَّه يَنْفي رجُلًا مِن نسَبِه لأبيه الَّذي شَهِد به النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم. الدرر-


*الخَاتِمِ: الذي ختم الله به أنبياءَه ورسله ، فلا نبي بعده .
قال تعالى" مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبيِينَ" سورة الأحزاب / آية : 40.
* عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ "أنا خاتِم الأنبياء"

رواه البزار ، وقال الشيخ الألباني : صحيح لغيره في : صحيح الترغيب والترهيب / ج : 2 / ( 11 ) ـ كتاب : الحج /( 14 ) ـ باب : التغيب في الصلاة في المسجد الحرام / حديث رقم : 1175 / ص : 45 .
الخاتم ، هذا وصف للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، والخاتِم بكسر التاء اسم فاعل ، فكأنه قد جاء آخر الرسل ، والخاتَم بفتح التاء اسم آله ، كأنه قد خُتمت به الرسالة .
ويقول ابن الجوزي "ومن قرأ "خاتَِم" بكسر التاء فمعناه وختم النبيين، ومن فتحها فالمعنى آخر النبيين . زاد المسير:93/6.
فإن قال قائل : إن عيسى ـ عليه السلام ـ سيأتي في آخر الزمان ، فكيف يوصف محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ بأنه خاتم الرسل ؟! والجواب على ذلك : أن عيسى ـ عليه السلام ـ قد تقدم زمانه ، ثم إن عيسى ـ عليه السلام ـ لا يأتي بصفة كونه نبيًّا ، وإنما يأتي بصفة كونه عبدًا متبِعًا لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فلا يأتي بشرع جديد ، وإنما يكون متبِعًا لهدي النبي صلى الله عليه وسلم .القواعد الفقهية ... / شرح : سعد بن ناصر الشثري .

*وآلهِ: صلى المؤلف أيضًا على آل النبي ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ ويكون بذلك متبِعًا لهدي النبي صلى الله عليه وسلم ؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم ـ كان قد أمر أصحابه في التشهد بالصلاة عليه وعلى آله ، ولذلك نقول : اللهم صل على محمد ، وعلى آل محمد .
و " الآل" في لغة العرب يراد بها عدد من المعاني ، منها القرابة. فآل فلان قرابته ، ويراد به الأتباع ، فيُقال آل فلان بمعنى أتباعه ، ولذلك فُسر قوله عز وجل "أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ "سورة غافر / آية : 46 ، فإن المراد بآل فرعون هنا أتباعه لأن مِنْ قرابة فرعون من هداه الله عز وجل ودخل في دين الإسلام .القواعد الفقهية ... / شرح : سعد بن ناصر الشثري .

*آله : وآل النبيّ على الراجح هم : أتباعه على دينه إلى يوم القيامة ، فيدخل فيهم الصحابة ، فيكون عطفهم عليهم من باب عطف الخاص على العام ، لمزيتهم وشرفهم بالعلم النافع والعمل الصالح والتقَى الذي أوجب لهم مفاخر الدنيا والآخرة رضي الله عنهم .رسالة القواعد الفقهية / السعدي / ص : 7 / بتصرف .
والغالب في:الآل : أنه لا يضاف إلا إلى ما فيه شرفٌ ، فلا يُقال : آل الزَّبال ، ... .منظومة القواعد ... / شرح : د . مصطفى كرامة مخدوم .
*وصحبهِ: الصحب اسم جمع لصاحب . كركب جمع راكب ، وهو في اللغة المُعَاشِر الملازِم .
والمراد : الصحابي ، والصحابي هو من لقي النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مؤمنًا به ولو لم تطل صحبته ، ومات على ذلك ، ولو تخللت ذلك رِدة بعدها إسلام ، وهذا من خصائصه صلى الله عليه وسلم ، ـ أما غيره من الناس فإنه لا يكون صاحبًا إلا من لازمه مدة يستحق بها أن يقال صاحب ـ ، أما لو مات على ردته فهو كافر ولا يسمى صحابيًّا ، فمن مات على الكفر فهو صاحب إبليس وليس صاحب محمد صلى الله عليه وسلم .
وهنا على القول بأن آل النبي ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ أتباعه عى دينه ، فعطف الصحابة من عطف الخاص على العام ، وفي الجمع بين الصحب والآل مخالفة للمبتدعة لأنهم يوالون الآل دون الصحب وقد جاءت النصوص في فضل الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ وبيان مكانتهم ، ومنزلتهم .
قال تعالى "وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعوهُم بِإِحْسانٍ رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنهُ .". سورة التوبة / آية : 100 .
وقال تعالى"مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا" .سورة الفتح / آية : 29 .إلى غير ذلك من النصوص .
*الأبرارِ: الأبرار جمع " بارّ " وهو كل مؤمن جَمع بين الإخلاص والصدق في الأقوال والأعمال ، فهم اتصفوا بذلك ، إيمان مع صدق وإخلاص رضوان الله عليهم .منظومة ... / شرح : عبيد الجابري .

*الحَائِزِي مراتبَ الفَخارِ :الحَائِزِي : حاز الشيء جمعه . مراتبَ : جمع مرتبة وهي المنزِلة . الفَخارِ : جمع مَفْخَرَة وهي المأثرة والمنقبة وقيل الشرف .
وشرف الصحبة لا يعدلُه شرف ، فأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم اجتمع لهم من الشرف والمآثر والمناقب ما لا يجتمع لغيرهم ألْبتة . ومن تلكم المناقب :
1ـ السبق بالإسلام 2 ـ تمام الاتباع .
3 ـ أنهم هم صفوة الأمة .
4ـ العدالة ، فالصحابة كلهم عدول ، ولهذا نص علماء المصطلح على أن جهالة الصحابي لا تضر ، فإذا قال الثقة : حدثني من صحب النبي ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ أو رجل من صحب النبي ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ فلا نبحث . أما مَنْ دون الصحابة من الناس يبحث في حاله من حيث الثقة والضعف والكذب . وأما الصحابة فلا يُبحث عن أحوالهم ، فهم عدول ، ورضي الله عنهم ليوم القيامة.

منظومة القواعد ... / شرح : عبيد الجابري / بتصرف






 
قديم 07-10-2018, 10:07 PM   رقم المشاركة : 6
معلومات العضو
أم أبي التراب
مشرفة على قسم طالبات العلم






أم أبي التراب غير متواجد حالياً

Post رد: دورة تيسير القواعد الفقهية

المجلس الخامس
دورة تيسير القواعد الفقهية

5 ـ اعلَم ـ هُدِيتَ ـ أَنَّ أفضلَ المِنَنْ * عِلمٌ يُزيلُ الشَّكَ عَنْكَ والدَّرنْ

6 ـ وَيكْشِفُ الحقَّ لذي القلوبِ * وَيُوصِلُ العَبْدَ إلى المَطْلوبِ
بدأ الناظم البيت بدعاء لطالب العلم للترغيب ورفع الهمم ،وهذا من دأب المعلم الثاقب البصيرة .

اعلَم هُدِيتَ :هذه الجملة مشتملةعلى: " التحريض " وهو قوله " اعلَم " ، ومشتملة أيضًا على " الدعاء " وهو قوله " هُديتَ " ، أي اعلم هداك الله .
هُدِيتَ : دعاء له بالهداية ، وهي التوفيق .
فإذا اجتمع هذان الأمران في خطاب ، فهو مبالغة في الحث والتحريض .
والدعاء لطالب العلم بالتوفيق والخير فيه تأليفٌ لقلوب الطُّلاب على مشقة العلم والصبر على تحصيله ، وهو من أخلاق العلماء ، ودعاء العالم الصالح من مظان الإجابة .
فإن الله عز وجل امتن على عباده بنعم كثيرة ، ومن أفضل وأعظم ما مَنَّ الله تعالى به على عباده هو العلم النافع .
وهذا مصداق لقوله صلى الله عليه وسلم "
مَن يُردِ اللَّهُ بهِ خَيرًا يُفقِّهُّ في الدِّينِ " الراوي : عبدالله بن عباس - المحدث :الوادعي - المصدر : الصحيح المسند -الصفحة أو الرقم: 618 - خلاصة حكم المحدث : صحيح على شرط الشيخين-الدرر-
أي: مَنْ أراد به اللهُ خيرًا عظيمًا ونَفْعًا كثيرًا، فَقَّهَه في الدِّينِ، أي: منَحَه العِلمَ الشَّرعيَّ، الَّذي لا يُدَانِيهِ خيرٌ في هذا الوجودِ، في فَضلِهِ وشرَفِهِ، وعُلُوِّ درجتِهِ؛ لأنَّه ميراثُ الأنبياءِ، الَّذي لم يُورِّثُوا غيرَهُ.
رعاكم الله – كم مرَّ عبر التاريخ من الملوك والأمراء والعظماء والتجار والمخترعون انتهوا بمماتهم، فانتهى ذكرُهم، فقد يأتي ذكرُهم عابرًا في صفحات التاريخ، ولكن هؤلاء أهل العلم، ذِكرهم يتجدد مع الزمان، لا يُذكَرون إلا ويُترحَّم عليهم، والذي يترحم عليهم هم من عرفوا قيمة العلم وأهله ،اللهم اجعلنا منهم بفضلك العظيم ،أجسادهم مفقودة، لكن آثارهم باقية بين أيدينا.
قال تعالى"
إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ "يس 12 .
قبل مئات السنين جاء الإمام أحمد، والإمام الشافعي، والإمام مالك، والإمام أبو حنيفة، وسفيان الثوري، والإمام البخاري، والإمام مسلم،..... أعلام ما زال ذكرهم عاليًا بين الخلق، منهم من مات في مقتبل عمره مثل الإمام النووي – رحمه الله – فقد مات في العِقد الرابع من عمره، ومع ذلك ما زال ذِكره يطبق مشارق الأرض ومغاربها. هذه مؤلفاته بين أيدينا تُقرأ صباحَ مساءَ، وكلما ذُكر ترحم عليه، فأي شرف وأي منزلة هذه، هذا ذكرهم في الدنيا، ونسأل الله أن يتقبل منهم ويجازيهم خيرًا يوم لاينفع مال ولا بنون .نحسبهم على خير .

* عن كثير بن قيس ؛ قال : كنت جالسًا عند أبي الدرداء في مسجد دمشق ، فأتاه رجل ، فقال : يا أبا الدرداءِ ! أتيتُك من المدينة ـ مدينة رسول الله ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ . لحديث بلغني أنك تُحدث به عن النبي ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلمـ قال : فما جاء بك تجارةٌ ؟ . قال : لا . قال : ولا جاء به غيرُهُ ؟ قال : لا .
قال : فإني سمعتُ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول " من سلك طريقًا يلتمسُ فيه علمًا سَهَّل الله له طريقًا إلى الجنة ، وإن الملائكةَ لتضعُ أجنحتها رضًا لطالب العلم ، وإن طالب العلم يستغفر له من في السماء والأرض ، حتى الحيتان في الماء ، وإن فضل العالم على العابد كفضلِ القمر على سائر الكواكب ، إن العلماء هم ورثة الأنبياء ، إن الأنبياء لم يورِّثوا دينارًا ولا درهمًا ، وإنما ورَّثوا العلم ،
فمن أخذه أخذ بحظ وافر " .
سنن ابن ماجه / تحقيق الشيخ الألباني / ( 17 ) ـ باب : فضل العلماء والحث على طلب العلم / حديث رقم : 223 / ص : 56 / صحيح . الحظ الوافر : النصيب الوافر . حاشية سنن ابن ماجه / ص : 56 .

والمراد بهذا أن العلماء ورثوا الأنبياء فيما خلفوه، وأن هذا الذي خلفه الأنبياء هو العلم النافع فمن أخذ العلم وحصل له فقد حصل له الحظ العظيم الوافر الذي يغبط به صاحبه".

يقول ابن القيم: “وقوله: «العلماءُ ورثةُ الأنبياءِ»… دليل على أنهم أقرب الناس إلى الأنبياء؛ في الفضل والمكانة والمنزلة؛ لأن أقرب الناس إلى المورث ورثته، ولهذا كانوا أحقَّ بالميراث من غيرهم، كذلك العلماء أحق الناس بالنبي – صلى الله عليه وسلم – وأقرب الناس بالنبي – صلى الله عليه وسلم – هم أهل العلم . مفتاح السعادة لابن القيم (1/66) بتصرف.هنا =

طلب العلم الشرعي والاشتغال به أفضل من الاشتغال بنوافل العبادات من صلاة وصيام ونحو ذلك. ويبين هذا الإمام النووي رحمه الله فيقول كما في المجموع: والحاصل أنهم متفقون على أن الاشتغال بالعلم أفضل من الاشتغالات بنوافل الصوم، والصلاة، والتسبيح، ونحو ذلك من نوافل عبادات البدن، ومن دلائله سوى ما سبق أن نفع العلم يعم صاحبه والمسلمين، والنوافل المذكورة مختصة به، ولأن العلم مصحح فغيره من العبادات مفتقر إليه، ولا ينعكس، ولأن العلماء ورثة الأنبياء، ولا يوصف المتعبدون بذلك، ولأن العابد تابع للعالم مقتد به مقلد له في عبادته وغيرها واجب عليه طاعته، ولا ينعكس، ولأن العلم تبقى فائدته وأثره بعد صاحبه، والنوافل تنقطع بموت صاحبها، ولأن العلم صفة لله تعالى، ولأن العلم فرض كفاية أعني العلم الذي كلامنا فيه، فكان أفضل من النافلة. انتهى. هنا-


والتفقه في الدين لايلزم منه أن يفقه كل شيء ، ويتفاوت الناس في ذلك زيادة ونقصًا ، فمن أجاد علم أو أجاد عبادة على علم فله نصيب في هذا الحديث.
والعلم النافع لا يوصف بأنه علم نافع إلا إذا أثمر عملاً صالحًا.العلم النافع يزيل عنك الشك والدرن ،لذا قال الناظمُ:
عِلمٌ يُزيلُ الشَّكَ عَنْكَ والدَّرنْ:الشَّكَ هو : التردد ، وضده اليقين ، والمراد به مرض الشبهات .
والدَّرنْ هو : القّذَرُ وزنًا ومعنى ، والمراد به هنا مرض الشهوات .
أمراض الشهوات:
قال تعالى"فلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً"الأحزاب: من الآية32. والمرض هنا مرض الشهوة والفجور والزنا.
وأمراض الشهوات: هي فساد يحصل للقلب تفسد به إرادته للحق، بحيث يبغض الحق النافع، ويحب الباطل الضار، ومنشأها الهوى، فإن الإنسان يعرف الحق لكن لا يريده؛ لأن له هوى مخالفًا لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم.

ثانيًا: أمراض الشبهات:
قال تعالى في حق المنافقين" فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ"البقرة:10. وقال تعالى" وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً"المدثر:31، وقال تعالى" لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ"الحج:53.
فهذه ثلاثة مواضع، المراد بمرض القلب فيها مرض الشبهات والشك والجهل. قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله تعالى – عند تفسير قوله تعالى"
فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ" المراد بالمرض هنا: مرض الشك والشبهات والنفاق، وذلك أن القلب يعرض له مرضان يخرجانه عن صحته واعتداله، مرض الشبهات الباطلة، ومرض الشهوات المردية، فالكفر والنفاق والشكوك والبدع كلها من مرض الشبهات، والزنا ومحبة الفواحش والمعاصي وفعلها من مرض الشهوات.نسأل الله العافية،وأعوذ بالله من الجهلِ .
وأمراض الشبهات: هي فساد يحصل للقلب يفسد به تصوره للحق، بحيث لا يراه حقًّا أو يراه على خلاف ما هو عليه أو ينقص إدراكه.
وأمراض الشبهات أخطر أمراض القلوب وأصعبها وأقتلها للقلب، ومن هنا أوصى أطباء القلوب بالإعراض عن أهل البدع، لأن مرض الشهوة يرجى له الشفاء، وأما مرض الشبهة فلا شفاء له إن لم يتداركه الله برحمته.
ومنشأ أمراض الشبهات الجهل، فإن الإنسان الجاهل يفعل الباطل ويظنه حقًّا، وهذا مرض. وإنما سميت الشبهة شبهة لاشتباه الحق فيها بالباطل، فإنها تلبس ثوب الحق على جسم الباطل.
.هنا-

فإذا أزال العلم النافع الشبهة والشهوة حل محل الأول اليقين الذي هو ضد الشك ، وحل محل الثاني الإيمان التام الذي يوصل العبد إلى المطلوب من رضا الله ـ عز وجل ـ ، وكلما ازداد الإنسان علمًا حصل له كمال اليقين وكمال الإرادة وكمال الخشية ، قال تعالى "إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَماءُ ".سورة فاطر / آية : 28 .

مرض الشبهات : يعالج باليقين :أي بالعلم ليتضح الحق الذي يؤدي إلى اليقين.
ومرض الشهوات : يعالج بالصبر : أي بالصبر عن المعصية ، والصبر على الطاعة .

وثمرة العلم النافع : أن يكشف الحق لذي القلوب ويوصل العبد إلى المطلوب ، من رضا الله .
لذا قال الناظم :
6 ـ وَيكْشِفُ الحقَّ لذي القلوبِ* وَيُوصِلُ العَبْدَ إلى المَطْلوبِ
يكْشِفُ : أي يظهر ويُبرِز .
الحقَّ : هو الثابت واللازم من العلم النافع ـ وضده الباطل وهو الزائل .
لذِي القلوبِ : الأصل أن يقالَ : لذوي القلوب بالجمع ، لكن مراعاة الوزنِ يوقعُ في هذه المضايق .
لذِي القلوبِ : أي لأصحاب القلوب الواعية ، لأن القلوب قسمان : قلوب واعية وهي المستعدة لقبول الحق ، وقلوب منكوسة وهذه لا يصل إليها من الحق شيئًا ، أعمتها الأهواء والفتن حتى أصبحت لا تعرف معروفًا ولا تنكر منكرًا إلا ما أُشربت من الهوى .
القواعد الفقهية شرح : عبيد الجابري .منظومة القواعد ... / شرح : د . مصطفى كرامة مخدوم .

والمراد بذوي القلوب : أصحاب العقول ، والقلب يطلقُ على العقل ، كقوله تعالى" إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكرَى لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ ... " .سورة ق / آية : 37 .
أي : عقل ؛ لأن القلب محل الفهم والإدراك ، كما قال تعالى "وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا " . سورة الأعراف / آية : 179 .

وَيُوصِلُ العَبْدَ : أي يُبْلِغُه .المَطْلوبِ : أي المقصود .
ففي هذا إشارة إلى أن العلم ليس مقصودًا لذاته ، وإنما يُطلبُ للوصول به إلى العمل ورضا الله تعالى ورِضوانه ، كما قيل : هتف العلمُ بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل .
ظومة القواعد الفقهية / للسعدي / شرح : د . مصطفى كرامة مخدوم / بتصرف .
o مستخلص ووقفة :
المعنى الإجمالي للبيتين : اعلم وفقك الله أن منن الله على العباد كثيرة ، وأفضل ما منَّ الله على عبده ـ بعد نعمة الإيمان ـ العلم النافع ، وهذا هو الخير الذي أشار إليه صلى الله عليه وعلى آله وسلم .
* ..... قال : سمعتُ معاوية بن أبي سُفيان ، وهو يخطبُ يقول : إني سمعتُ رسولَ اللهِ ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ يقول " من يرد الله به خيرًا يفقهْهُ في الدين ، وإنما أنا قاسم ويعطي اللهُ " .
صحيح مسلم . متون / ( 12 ) ـ كتاب الزكاة / ( 33 ) ـ باب : النهي عن المسألة /حديث رقم : 100 ـ ( 1037 ) / ص : 245.

فهذا الحديث يجعلك تجتهد في تحصيل الفهم في دينك ، والفهم مِنَّة من الله سبحانه وتعالى .
لذا كان صلى الله عليه وعلى آله وسلم يسأل الله العلم النافع ، ويتعوذ من العلم الذي لا ينفع .
الدرة المرضية في شرح منظومة القواعد الفقهية / ص : 31 .
* عن أم سلمة ، أن النبي ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ كان يقول إذا صلى الصبح حين يُسلِّمُ :
" اللهم ! إني أسألُك علمًا نافعًا ، ورزقًا طيبًا ، وعملاً مُتَقبَّلاً " .سنن ابن ماجه المجلد الواحد / تحقيق الشيخ الألباني / ( 5 ) ـ كتاب : إقامة الصلوات والسنة فيها / ( 32 ) ـ باب : ما يُقال بعد التسليم / حديث رقم : 925 / ص : 170 / صحيح .
ما هو العلم المقصود ؟
هو العلم النافع الذي يزكي النفس ويوَلِّد فيها خشية الله تعالى فتسري منها إلى سائر الجوارح ، ويثمر العمل الصالح الذي ينال به رحمة الله تعالى والجنة .
حاشية اللآليء والدرر السعدية / ص : 47 .

تعوذ صلى الله عليه وعلى آله وسلم من علم لا ينفع ،
"أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ كان يدعو بهذهِ الدعواتِ اللَّهمَّ إني أعوذُ بك من علمٍ لا ينفعُ ، وقلبٍ لا يخشعُ ، ودعاءٍ لا يُسمعُ ، ونفسٍ لا تشبعُ ثم يقولُ : اللَّهمَّ إني أعوذُ بك من هؤلاءِ الأربعِ"

الراوي : أنس بن مالك - المحدث : الألباني - المصدر : صحيح النسائي-الصفحة أو الرقم: 5485 - خلاصة حكم المحدث : صحيح - الدرر-

س : من هو القلب الخاشع ؟
القلب الخاشع هو الذي يخاف ويضطرب عند ذكر الله سبحانه وتعالى ، ثم يلين ويطمئن ويركن إلى حمى مولاه ، فمن كان كذلك ، كان قلبه محلاً لنور الله الذي يجعله الله في قلب عبده فرقانًا بين الحق والباطل . ونور القلب الخاشع هو العلم النافع . حاشية : اللآليء والدُّرر السعدية / للسعدي / ص : 47 / بتصرف .
فندعوا بما علمنا صلى الله عليه وسلم :
* فعن أبي هريرة قال : كان رسول الله ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ يقول " اللهم ! انفعني بما علمتني ، وعلمني ما ينفعني ، وزدني علمًا " .
سنن ابن ماجه / تحقيق الشيخ الألباني / ( 23 ) ـ باب : الانتفاع بالعلم والعمل به / حديث رقم : 251 / ص : 61 / صحيح .
* وصية الرسول ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ بطلبة العلم :
عن أبي سعيد الخدري ، عن رسول الله ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ قال " سيأتيكم أقوامٌ يطلبون العلمَ ، فإذا رأيتموهم فقولوا لهم : مرحبًا مرحبًا بوصية رسول الله ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ ، واقنوهم " . قلتُ للحَكَم *: ما " اقنوهم " ؟ . قال : علموهم .
سنن ابن ماجه / تحقيق الشيخ الألباني / ( 22 ) ـ باب : الوصاة بطلبة العلم / حديث رقم : 247 / حسن .
*الحَكَم : من رجال هذا السند " ... قال حدثنا الحَكَمُ بن عبدَةَ ، عن أبي هارون العبديّ ، عن أبي سعيد الخدري " .
ـ وحاصل ذلك أن العلم : شجرة تثمر كل قول حسن وعمل صالح ، والجهل شجرة تثمر كل قول وعمل خبيث
وإذا كان العلم بهذه المثابة فينبغي للإنسان أن يحرص كل الحرص ، ويجتهد كل الاجتهاد في تحصيله ، وأن يديم الاستعانة بالله في تحصيله ، ويبدأ بالأهم فالأهم.
ومن أهمه معرفة أصوله وقواعده التي ترجع مسائله إليها .
رسالة القواعد الفقهية / للسعدي / ص : 8 / بتصرف .
لذا قال الناظم ـ رحمه الله ـ :
فاحرص على فهمك للقواعد ... .







 
موضوع مغلق

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 10:39 PM


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2018, vBulletin Solutions, Inc.
جميع الحقوق محفوظة لمجالس العلم النافع
اختصار الروابط