img img

تنبيه

السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، نُرَحِّبُ بِجَمِيعِ أَعْضَاءِ "مَجَالِسِ العِلْمِ النَّافِعِ" وَزُوَّارِهَا، ونَدْعُوهُم للاطِّلَاع عَلَى بُنُود وقَوانٍينٍ المَجالِسِ ، وَفَّقَنَا اللهُ جَمِيعًا لحُسْنِ الإِفَادَةِ والاستِفَادَةِ

العودة   مَجَالِس العِلْمِ النَّافِعِ > مَجَالِسُ العِلْمِ النَّافِعِ لِشُيُوخِ ودُعَاةِ أَهْل السُّنَّةِ بالجَزَائرِ –حَفِظَهُمْ اللهُ-. > مجالس فضيلة الشيخ خالد لوصيف –حفظه الله-
التسجيل التعليمـــات قائمة الأعضاء التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 09-11-2018, 04:30 PM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
سماعيل السلفي
مشرف







سماعيل السلفي غير متواجد حالياً

افتراضي عَالِمٌ وشِاهِدٌ

عَالِمٌ وشِاهِدٌ (1)
سأروي في هذه السلسلة بعض ما حصل لي من مشاهدات وسماعات عن بعض أهل العلم والفضل ، وأكثر هذه الاحداث لم أروه من قبل لا في مجلس خاص ولا عام لرأي كنت أراه، أما وقد مضى على تلك الحقبة عشرون عاما كاملا ، ومع تقدمي في السن خشيت أن أموت وتموت معي، ومن حق هؤلاء العلماء علينا أن نذكر سيرهم وقصصهم فنستلهم منها الدروس والعبر قال الله تعالى : ﴿ فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ وسرد الأحداث عموما له وقعه على النفس فكيف إذا كانت أحداث من قال الله فيهم ﴿ وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾
وفي ذكر الصالحين إعلاءٌ للهمم وواعظٌ للاقتداء بهم ﴿ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۖ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ﴾ قال المروزي: " ذكرت لأبي عبد الله الفضل وعريه وفتح الموصلي وعريه وصبره فتغرغرت عينه وقال: رحمهم الله كان يُقال عند ذكر الصالحين تنزل الرحمة" ( الورع رواية المروزي ص86 ) وهذا القيل روي مرفوعا ولا يصح (تخريج الاحياء ص 697) وإنما هو ثابت عن ابن عيينة (عند ابن المقرئ في معجمه ص75) وروي عن محمد بن النضر الحارثي (عند الالكائي في كرامات الأولياء المقتطع من كتابه في المعتقد ص 100)
وكانوا يصححون نياتهم به، قال ابن الصلاح :" ومن أقرب الوجوه في إصلاح النية فيه ما روينا عن أبي عمرو إسماعيل بن نجيد أنه سأل أبا جعفر أحمد بن حمدان، وكانا عبدين صالحين، فقال له: بأي نية أكتب الحديث؟ فقال: ألستم تروون أن عند ذكر الصالحين تنزل الرحمة؟ قال: نعم. قال: فرسول الله رأس الصالحين " (مقدمة علوم الحديث ت الفحل ص 353)
و في زماننا اليوم وإن كثرت وسائل نقل الأخبار إلا أنه قلَّ فينا تحليلها وفهمها والعمل بها ، بل إن ما نراه اليوم من فساد في العلم والعمل والأخلاق والدعوة راجع إلى انقطاع رحم التعليم والتربية بيننا وبين العلماء، وقد ذُم الأعراب في القرآن والسنة في أكثر من موضع، وقيل في سببه "بعدهم عن أهل العلم وقلة اختلاطهم بالناس، فصارت طباعهم كطباع الوحوش" (الكاشف عن حقائق السنن 8/2580 وانظر البحر المحيط 5/491)
وليكن القارئ الكريم على ذُكْرٍ خلال سرد هذه الروايات -التي قد أكون طرفا فيها وقد لا أكون كذلك - أنني لا أريد بها تزكية لنفسي ولا رفعة لشخصي؛ وإنما أنا شاهد والأنموذج عالم، ثم إنه ليس لي فيها نصيب لأنها مشاهد وسماعات وليست هي أراء وأفكار .
ولمّا لم تكن هذه السلسة تراجم لهؤلاء الأعلام، ارتأيت أن أرويها تِباعًا من غير ترتيب زماني أو ترتيب على الأسماء وإنما ستكون على حسب الظروف والأحوال، فلكل عالم أو فاضل مواقف وفي كل موقف عبرة وعظة، وقد سميتها " عَالِمٌ وشِاهِدٌ " أسأل الله لي ولكم الإخلاص في الأقوال والأفعال.







التوقيع



قال تعالى:" وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا"
  رد مع اقتباس
قديم 09-20-2018, 06:37 PM   رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
سماعيل السلفي
مشرف







سماعيل السلفي غير متواجد حالياً

افتراضي رد: عَالِمٌ وشِاهِدٌ

حكاية مسجد الأنصار ( اولاد سلامة )
قبل ثماني عشرة سنة اتصل علي أعضاء لجنته ، فقلت أين يقع المسجد؟ فقالوا : (اولاد سلامة) ولأنني كنت قد رجعت إلى الجزائر حديثا لم أتصور المنطقة تصورا صحيحا فظننتها تابعة لدائرة الحراش أو ما يتبعها كالكاليتوس والشراربة... فوافقت على إمامة المسجد وقتها، وبعد أسبوعين عن أول لقاء أعادوا الاتصال علي وأخبروني أنه صدر التعيين رسميا، ولكن المدير يريد رؤيتي، فذهبت معهم وتفاجئت أول ما تفاجأت أن الطريق الذي أخذناه هو طريق البليدة وليس طريق العاصمة، ولكنني سكت حياء منهم...
وصلنا إلى البليدة، واستقبلني مدير الشؤون الدينية وبعد حوار قصير سلمني التكليف... وفي طريق العودة اقترحوا علي زيارة المسجد، فكان الطريق كله من البليدة إلى أن وصلنا إلى منطقة بوقرة وسط العمران ولكن لما التفتنا يمينا قالوا هذه هي (اولاد سلامة ) وهناك اختفت العمارات والبنايات والطرق المسفلتة، ولم يظهر لي غير الجبال والأشجار والوديان، فتوجست منهم خيفة، وقلت في نفسي: ( إلى أين هم ذاهبون بي؟) وما هي إلا دقائق معدودة حتى توقفنا عن السير ونزلنا منطقة ريفية صِرفة، وقالوا لي (هذا هو المسجد) فقلت: (أين هو؟) فقالوا (هو أمامك) فكررت عليهم السؤال مرتين أو ثلاثا، لأنني لم أر إلا حفرة عميقة ، وعلى حافتها (بَرَّاكةٌ) صغيرة، فأكدوا لي أنها هي نفسها المسجد...
فرجعت إلى البيت محبطا مما حدث و لعله يحدث مستقبلا، ونصحني بعض من أثق بهم أن أرفض الإمامة لبُعد المسافة ولخطورة المنطقة أمنيا، حيث سمعنا ببعض الاضطرابات وحوادث لتفجيرات واغتيالات فقلت قُضيَ الأمر بمجرد موافقتي وليس لي أن أتراجع الآن) وقلت( لا أطلب الآن شيئا غير أن أجد عندهم من يسمع دروسي وخطبي ويفهمها ..)
- ومع بداية أول درس كان التغير الجذري في التصور والمفاهيم، ذلك التجاوب البديع والتصرف الراقي والاهتمام العجيب، الذي جعلني أشعر أنني من سكان المنطقة أصالة، حيث لم ألق حفاوة و احتراما و تقديرا مثل الذي حظيت به عند سكان اولاد سلامة وما جاورها من مناطق كأولاد الشبل والشبلي والأربعاء ومفتاح وغيرها ...معاملتهم لي كانت أرقى من معاملة نبيل من النبلاء أو أمير من الأمراء
وطِيبةُ قلوبهم وسلامةُ صدورهم ودماثةُ أخلاقهم وسعتُ جودهم وكرمهم ونهمُهم الشديد في العلم هي أبرز صفاتهم، وإن كان البعض منهم قد غضب مني أول الأمر لأنني كنت أرفض الهدايا وحضور الولائم و( العزومات)، إلا أنهم سرعان ما تفهموا الأمر وطابت أنفسهم بعدُ.
- وأشهد هنا شهادة حق أن أهل الأنصار ورواده كانوا على صفة طلاب العلم حقيقة شيبانهم وشبابهم وشيوخهم وعجائزهم وصغارهم وكبارهم ورجالهم ونساءهم...ورغم أن بقائي وسطهم لم يتعد العامين وعلى مدتين منفصلتين إلا أنني مازلت إلى الآن احتفظ بعلاقة قوية بهم وأُكنُّ لهم في قلبي كل مشاعر الود والاحترام...فاللهم احفظ وبارك في قوم أحبوني وأكرموني.







التوقيع



قال تعالى:" وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا"
  رد مع اقتباس
قديم 10-17-2018, 06:07 PM   رقم المشاركة : 3
معلومات العضو
سماعيل السلفي
مشرف







سماعيل السلفي غير متواجد حالياً

افتراضي رد: عَالِمٌ وشِاهِدٌ

عَالِمٌ وشِاهِدٌ (2)
شَيخُنا أَبُو بَكْر الجَزَائريُّ...أَنْزَلَ اللهُ عَلَيكَ شَآبيبَ رَحْمَته ومَغْفرَته وَعَفوه
1 مَكَانَتُهُ عنْدَ الأَكَابر
شَهْرُ رَجَبَ عَامَ 1418ھ قَدِمَ المَدِينةَ النَّبَويةَ الشَيخُ ابنُ عُثيمين، ولَمْ يُدَرِّسْ فِي المسجدِ النَّبَويِّ أثناء زِيَارَتهُ -اسْتمرتْ لأيامٍ- إلاَّ عَلَى كُرْسِيِّ الشّيْخِ أبي بكر، وهَذِهِ عَادَتُهُ كُلَّمَا قَدِمَ المَدينةَ النَّبَوية ، وَفِي هَذَا تَشريفٌ واِعلاءٌ لِمَقَامِ الشيخ، وَلَمْ أَرَ أَحَدًا مِن العُلَماءِ المُبَرَزين إلاَّ وَهُوَ مَع الشَّيخِ كَذَلكَ، حَتَّى إنَّ الشَّيخَ ابنَ بَازٍ كَانَ يَسْألُ أَهلَ المَدينةِ عَنْ أَحْوالِهِم عَامَّةٍ ويَسْأَلُهُم عَن أَحوالِ الشَّيخِ خَاصةً .
وكَانَ مًحدثُ المَدينَة الشَّيخُ عَبْدُ المُحسن العَبَّاد يَنصَحُنا بالجُلوس إليه ، ويَقولُ : " لاَ يَنبَغي لطَالب الحَديث أَنْ يَسْتغنيَ عَن دُروس الشَّيخ أَبي بَكر في التَرغيب والتَرهيب والوَعْظ وتَرقيق القُلوب لأَنَّ دُروسَ الحَديثِ والمُصْطَلحِ وَالجَرحِ والتَعديلِ جَافةٌ فَلاَ تُليَّنُ القُلوبُ إلاَّ بمَجَالس القُرآن والذّكْر و الوَعْظ..."
وَفِي سَنة 1422ھ وفي إحْدَى الدَّورَات العلْمية بمَدينة الريَاض عَلمَ بَعضُ المَشَايخ أَنَّني جَزَائريٌّ مًقيمٌ بالمَدينة النًّبَوية، فكانَ أَول حديثهم السُؤال عَن أَحوال الشَّيخ وَصحَته، كَانَ من هَؤلاء العَلاَّمةً ابنُ جبرين والعَلاَّمةً بَكر أبو زيد.
وزَامَلَ الشيخَ الأَلبَاني زَمَنَ تَدْريسه بالجَامعَة الإسْلاَمية ، وكَانَ بينَهُمَا مُسَاجَلَةٌ علْميَّةٌ حَولَ الاسْتدْلاَل بالحَديث الضَّعيف في فَضَائل الأَعْمَال لاسيمَا في دُروس الوَعْظ والرَقَائق، وكَانَ لكُل وَاحد منْهُمَا رَأْيُهُ مَعَ بَقَاء المَودَة والائتلاف بَينَهُمَا عَلَى مَا سَمعْتُهُ من شَيخنَا عَبْدُ المُحْسن العَبَّاد.

2 دفَاعُ الأَكَابرعَن عرضه
في عَام 1420ھ وفي بَيت الشَّيخ عَبد المُحْسنِ، نَقَلَ لَهُ أَحَدُهُم مَا قيلَ في مَثَالبِ الشَّيخِ أبِي بَكرٍ، ومنْهَا مَوَاقفُه من بَعض الأَفْرَاد والجَمَاعَات، فَدَافَعَ عَنْه دفَاعًا كَبيرًا، وَذَكَر بَعضَ مَنَاقبه، وَأَغلظَ القَولَ للسَّائل، وممَّا قَالَه يومَهَا:" كُفُّوا أَلسنَتَكُم عَنْهُ، ألاَ تَسْتَحُونَ؟ إنَّني لمَّا قَدمتُ الَمدينة عَامَ 1372ھ وَجَدتُه يُدَرِّسُ بالمَسْجد النَّبويّ..."
عَامُ 1372 ھ هو العَامُ الذي قَدمَ فيه الشَّيخُ أبُو بكر المَدينةَ وَبعدهَا بسَنَتين تَحصَّلَ عَلَى إجَازةٍ من رئَاسَةِ القُضَاةِ بمَكَةَ المُكرَّمة للتدْريس بالمَسْجد النَّبويِّ، فَلَا أَدْري مَا وجهُ مَا ذَكَرَهُ شَيخُنا إلاَّ أَن يَكُونَ قَدْ قَصَدَ أنَّ الشَّيخ أبَا بَكرٍ دَرَّسَ في المَسْجد النَّبوي بصفَة غير رَسْمية قَبْلَ حُصُوله عَلَى الإجَازة والله أعلم.
وفي سَنَة 1423ھ أَصَرَّ عُلَمَاءُ ومَشَايخُ كُلية الحَديث الشَّريف يَتَقَدَمُهم شَيخُنَا العلاَّمةُ محمَّد ضياء الرحمن الأعظمي عَلَى إدْخَال أَحَد الطُلاَّب المَجْلس التَّأديبيَ لتطَاوله عَلَى الشَّيخ أَبي بَكْر، فَكَانَ في مَوقِفِهِم ذَبٌ عَن عِرضِ الشَّيخِ وزَجْرٌ لِكُلِ مَن سَوَّلتْ لَهُ نَفسُهُ الطَّعنَ في العُلَمَاءِ الأَجِلاَءِ.

3 حَيَاتُه تَعْليمٌ ودَعْوَةٌ
كَانَ الشَّيخُ امْتدادًا لكَوكَبَةٍ مِنَ عُلَماءِ الجَزائِرِ الذينَ دَرَّسُوا بالمَسْجد الحَرام والمَسْجد النّبويّ، فَقَد دَرَّسَ الشَّيخُ أّبُو بَكْرٍ فِي المَسْجد النّبويِّ أَكْثَرَ مِن ستّينَ عَامًا فًكَانَ بذلك أَقْدَمَ المُدرسينَ فيه.
وسَمعتُه مَرةً يَقُولُ: " مَنَعُوني منَ التدريس مُدةً من الزَّمَانِ، فكُنتُ أَقُولُ لَهُم: إنَّ الدَّعوةَ إلَى الله حَياتِي ولَنْ يَهْنَأَ لِي عَيشٌ مِن دُونهَا، وَإذَا أَرَدْتُم مِنِّي مَالاً أَعطيتُكُم إيَّاهُ"
وَعَمِلَ أُسْتَاذًا فِي الجَامِعَةِ الإِسْلاَمِيَّةِ لٍأَكثَر مِن رُبْعِ قَرْنٍ إِلَى أَنْ أُحيلَ عَلَى التَقَاعُدِ، وَكَانَ يُسَافرُ إلَى مُختلَف البُلْدَان مُعلمًا ومربيًا وناصحًا، وألَّفَ كُتُبًا كَثيرةً في العَقيدةِ والفقْهِ والتَّفْسيرِ والحَديثِ والسيرَةِ والدَّعْوَةِ والرَّدِ عَلَى المُخَالفينَ عَلَى طَريقَةِ أَهْل السُنَّة، وكَيفَ لاَ يَكُونُ كَذلكَ وهُوَ أَحدُ خريجيّ المَدْرَسَة البَاديسيَة الإصْلاَحية التّي كَانت تُعْنَى بمَسَائل التَّوحيد والسُنَّة ونَبْذ الشّركيَات والبدَعَ والخُرَافَات، فَهُو الذي أَسَّسَ في الجَزَائر إبَّانَ الإسْتدمَار الفرَنْسيَّ جَريدَةَ "مرآة التلميذ" ثم جريدة "الدعوة" والتي كان شعارها "وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِين" ثم جريدة "اللواء"
ولمَّا مَنَعَتْ السُلُطَاتُ الفِرنْسِيةُ صُدُورَ الجَرائدِ السَّابِقَةِ جَريدةً بعد أُخرى، انْضَمَ إلَى أُسْرةِ تَحريرِ جَريدةِ "القَبَسِ" وَكَانَ قد أسس قَبْلَهَا جَمَاعَةَ " الشَبَاب المُوحدينَ" التِّي كانَ يَهدفُ مِن خِلالها إلى إخَرَاج الشَّبابِ الجَزَائِريِّ من ربْقَة الجَهْلِ والبِدَعِ والخُرَافَاتِ، وَأَسَسَ مَطْبَعَةَ "الدعوة" لِطِبَاعَةِ الجَرَائِدِ والكُتُبِ بِمَالِهِ الخَاص، فنَحسَبُ الشَّيخَ -واللهُ حَسِيبهُ- أَنَّهُ كَانَ مِمّن جَاهَدَ فِي سَبيلِ اللهِ بِنفسِهِ ومَالِهِ وعلمِه وَقَلَمِهِ.

4 عَلَى خُطَى عُلَمَاءِ الجَمْعِيةِ
1419ھ زَارَ جَمَاعَةٌ مِن عُلَمَاءِ مُوريتَانيا والسُودَان الشَّيخِ أَبِا بَكرٍ ِفي بيته، فَأَثنَوا خَيرًا عَلَى أُسلوبِهِ فِي التَّدريسِ، فَقَاطَعَهُم قَائلاً: " أَستغفرُ اللهَ ،أَستغفرُ اللهَ، لَو سَمعتُمْ دُروسَ الشَّيخِ الطَّيب العُقْبِي كَمَا سَمِعتُهَا أَنَا ـ وَقَدْ لاَزَمَهُ سِتَةَ أَعْوَامٍ أَوَ تَزيدُ ـ لَقُلتُمْ إِنَّهُ لاَ أَفْضَلَ مِنهُ تَعليمًا وَتَدريسًا وتَربيةً " وَمِن مَشَايخِهِ أَيْضًا العَلاَّمَةُ أَبُو يَعْلَى الزَّوَاوِيُّ، وكَانتْ لَهُ عِندَهُ حَظْوَةٌ ومَكَانَةٌ، وقَدَّمَ لَهُ كِتَابَهُ "الضَّرُوَراتُ الفِقهيةُ رسالةٌ في الفقْه المَالكيّ "

5 خَصِيصةٌ بَينَهُ وَبينَ اللهِ
وَضَعَ اللهُ للشّيخِ القَبَولَ فِي الأرضِ ، فَقدْ رَأيتُ الحُجَاجَ والمُعتمرينَ والزُّوارَ مِن شَتَّى بِقَاعِ الأَرضِ عَربًا وعَجمًا يَسألَونَ عَن دَرسِهِ، وَهَذَا لَمْ أَرَهُ لِغيرهِ إلاَّ للشيخينِ ابنَ بَازٍ والعُثيمين، فَكاَنَ دَرسُهُ فِي المَسْجِدِ النَّبَويِّ الأَكبَر عَلَى الإِطلاقِ ، وإنَّمَا قُلتُ هِيَ خَصيصةٌ بَينَهُ وبَينَ اللهِ ؛ لأنَّ كَلاَمَ الشَيخِ سَهْلٌ سَلسلٌ يُحسِنُهُ غَيرهُ، فَكأنَّ اللهَ اختَاَرهُ -والله أعلم- دُونَ غَيرهِ مِنَ المُدرسِينَ لِيكونَ لَهُ هَذَا القَبَول، ومَا مِن أَحَدٍ يَرَاهُ أَو يَجْلسُ مَجْلِسَهُ إلاَّ ويَرتَاحُ لِسَماعِ حَديثِهِ،ولَعلَ في انْتشَار كُتُبه وتَلَقي النَّاس لَهَا بالقَبُول اشارَة إلى هذا المَعْنَى فكِتَابُ " أَيسر التَفَاسِيرِ" و"مِنْهَاج المُسلِمِ" و"عَقيدة المُؤمنِ" وغَيرهَا مِمَّا دَرَجَ المُسلمونَ فِي شَتَى بقَاع المَعْمُرَة عَلَى قِراءَتِهَا وشَرحِهَا فِي مَسَاجِدِهِم ومَدَارِسِهِم وبُيوتِهِم، وكُنتُ وَاحدًا مِن هَؤُلاَءِ الذينَ تَربَّوا عَلَى كُتُبِه، وَأذكرُ أنَّنَي شَارَكتُ فِي إِحْدَى المُسَابَقَاتِ المَسْجِدِيةِ وَأَنَا صَغَيرٌ، وَكَانَ مَوْضُوعُهَا تَلْخِيصُ بَابٍ مِن أَبْوَابِ "مِنهاج المُسْلِم" .
ومِن بَرَكَاتِ الشَيخِ الدَّعَويةِ أنَّهُ كَانَ صَاحِبَ نَظرَةٍ إِبْدِاعِيةٍ فَهُوَ الذي اقَترحَ وَأَسهَمَ فِي تأسيسِ كَثيرٍ مِنَ الصُّروحِ العِلميةِ والدَّعَويةِ كَرَابِطَةِ العَالَمَ الإِسلاَمِي وإِذَاعَةُ القُرآنِ الكَريمِ والجَامِعَةِ الإِسلاَميةِ وكلية القُرآنِ الكَريمِ عَلَى وَجْهِ الخُصُوصِ...
وَكُنَّا نَقُولُ: " سَريرةُ الشَيخِ بَيضَاء نَقيةٌ بَيَاضَ وَجْههِ وَلِحيَتِهِ " بَلْ لَمْ أَرَهُ قَطُّ فِي غَيرِ الثِيابِ البِيضِ ، فكَانَ إذَا رَآهُ النَّاسُ جَالِسًا عَلَى كُرسِي التَدْريسِ قالوا كَأنَّنا نَنْظُرُ إلى النُّور يَشِعُ مِنْهُ رَحِمَهُ اللهُ.

6 أَفضلُ أُسلوبٍ لِلوعظِ
أُسْلُوبُهُ مِن أِحسنِ مَا رَأيتُ فِي خِطَابِ العَامّةِ، لمَا لَهُ منْ قُوةٌ عَجيبةٌ فِي التَأثيرِ عَليهمْ، أُسلوبٌ مُشوقٌ يَجعلُ المُستمعَ مَشدودًا إِليهِ وإِنْ طَالَ حَديثُهُ، وَكَاَنَ يَخُصُ أَهلَ الجَزائِرِ أَوقاتَ المَواسمِ بِالنُّصحِ فَينهاهُمْ عَن الشِركياتِ والمُحرماتِ، ويُحذرُ الرِّجَالَ مِن التِبغِ والدُّخانِ ويُحذرُ النِّساءَ مِن التَبرجِ والسُفورِ.
وَكَانَ الشَيخُ يَبدأُ دَرسَ التَفسيرِ بِتلاوةِ الآيَاتِ القُرآنيةِ، ثمَّ يُفسرهَا تَفسيرًا مُتوسطًا بَينَ الإِيجازِ والإِطنابِ والاِختصارِ والإِسهابِ ثُمَّ في خِتامِ الدَرسِ يَأمرُ الحُضورَ أَنْ يَستمعُوا مَرةً أَخرَى إِلَى تِلاَوةِ الآياتِ ويقول: " استمعُوا للآياتِ وتَذكَرُوا مَا كُنّا نَقولُهُ فِي تَفسيرهَا " فَكنَّا نَستشعرُ خِطَابَ اللهِ للمؤْمنينَ وكَأنَّهُ أُنزلَ عَلينَا لَيلتَهَا فَكَانَ لِذلكَ أَكبر المُعينِ عَلَى تَدبرِ القُرآنِ الكَريمِ.

7 مَجَالِسُهُ لاَ تَخْلُو مِنْ دُعَابَةٍ
كَانَ يُمازحُ السَّائلينَ إِذَا وَردهُ سُؤالٌ فِيهِ غَرابةٌ أَو نَكارةٌ فَيقولُ : " هَذَا بُهلولٌ يَسألُ وَيقولُ..." وَأكثرَ مَرةً مِنْ ذِكرهَا فِي مَجلسهِ فَلمَّا وَردهُ سُؤالٌ مِنْ اِمرأةٍ عَنْ حُكمِ الحِجابِ وأَنَّه لَيسَ بِواجِبٍ قَالَ : "هذه بُهلولةٌ تَسألُ وَتقولُ..." وَكَانَ كُلمَا رَآى مِنَ النَّاسِ تَعجبًا مِنْ تَرديدهِ لِكلمةِ " بُهْلُول" يُبادرُ إِلَى ذِكرِ مَعناهَا فِي اللُّغةِ وَأَنَّهُ يُقصدُ بِهَا الذَكِي الفَطِنُ لاَ مَا يَتبادرُ إِلَى الأَذهانِ مِنْ مَعانِي الغَباءِ والسَذاجةِ... وَنحْو هِذهِ الدُّعاباتِ التِّي كَانَ يَقصدُ بِهَا إِدخالُ السُرورِ والفَرحِ إِلَى قُلوبُ مُستمعيهِ.

8 اهْتِمَامُهُ بِأَحوالِ المُسلمينَ
قَدِمتُ المَدَينَةَ النَّبَويةَ ومَازالتِ الجَزَائِرُ تَئِنُّ تَحتَ وَطْأةِ الفِتنةِ العِمياءِ، فَكانَ الشَيخُ مُهتمًا لأَحوالِ بَلدهِ، وقلَّ دَرسٌ مِن دُروسِهِ لاَ يُعرجُ عَلَى ذِكرِ تِلكَ الأَحداثِ الدَّاميةِ مُبينًا الأَساليبَ الشَرعيةَ للُخروجِ مِنهَا، كَمَا كَانَ مُهتمًا بِأَحوالِ المُسلمينَ المُستضعفينَ فِي العَالَمِ، ويُسمِّي بُلدانَهُمْ وَيَدعُو لَهُمْ بِالاجتماعِ عَلَى التَوحيدِ والسُنَّةِ، وَكَتبَ فِي الرَدِّ عَلَى أَعداءِ الأُمَّةِ من العِلمانيينَ والإِشتراكيينَ والمَلاحدَة كُتُبًا وَرَسائِلَ كَثيرة، وَكَتبَ فِي السِياسةِ الشَرعيةِ كِتابَهُ " الدَّولةُ الإِسلاَميةُ " وَعَارضَ الإِشتراكيةَ الحَاكِمَةَ فِي الجَزَائِرِ بَعدَ الاسْتقلالِ ولذلكَ مُنِعَ مِنَ الَتدريسِ في مَسَاجِدِهَا .
وبِالمُقَابلِ كَانَ يُناصرُ كُلَ الدَّعواتِ الاصْلاَحيةِ فِي العَالَمِ، وَسَمعتُهُ مِرارًا يُسَمِّي مِنهَا -وَذكرها فِي بَعضِ كُتبِهِ- دَعوة الأَلبَاني فِي الشَامِ وَتَقي الدِّينِ الهِلاَلِيَّ فِي المَغْربِ والسَلفيينَ وصِدِّيق حَسَن خَان فِي الهِند.

09 دَمَاثَةُ أَخْلاَقِهِ وَتَوَاضِعِهِ
فِي زِياراتِي للشَيخِ فِي بَيتهِ كَانَ يَظهرُ لِي مَا كَانَ عَليهِ مِنْ كَثرةِ الذِّكرِ والنُّصحِ للهِ ورَسولهِ، مَعَ دَماثةِ الأَخلاقِ وَحُسنُ التَّعاملِ وكَمالِ التَّواضعِ حَيثُ كَانَ إِذَا رَآنَا - نَحْنُ أَهل الجَزائرِ- خَصنَا بِالسلامِ وَالتحيةِ والسُؤالِ.
وَكانَ يُقدمُ الشَايَ لِضيوفهِ بِنفسهِ، وأَذكرُ مَرةً أَنَّ بَعضَ ضُيوفهِ مِنْ أَهلِ الخَليجِ تَعجبَ مِنْ طَريقتهِ فِي صَبِ الشَايِ،لأَنَّهُ كَانَ يَرفعُ الإِبريقَ عَاليًا لِتظهرَ تِلكَ الرَغْوَةُ عَلَى الفِنجانِ ، فَلمَّا سُئلَ عَن ذلكَ ابْتسمَ وَقالَ : " شَايْ بِلاَ تَاجْ ... مَا يَحْتَاجْ "

10 إِعَانَتُهُ للمُحتاجينَ
كَانتَ يَدُ الشَيخِ بَيضاءَ عَلَى الجَميعِ، فَلمْ يَكنْ يَردُّ مَنْ سَألهُ مَالاً أَو مَتاعًا أَو شَفاعةً، وَأذكرُ مَرةً أَنَّ جَريدةَ "المَدينةِ" نَشرتْ مَقالاً مُطولاً عَنْ كَفالةِ الشّيخِ لِلفقراءِ خَاصةً طَلبةَ العِلمِ دَاخلَ المَدينةِ وَخارجهَا، وَرَووا فِيهِ عن الشيخ من السَخاء والكَرَم عجائب ونوادر جعلها الله في ميزان حسناته.

11 صَبرهُ عَلَى الأَذَي ورَحمتُهُ ورفقُه بِمُخَالِفيهِ
لَمْ أَسمعَ الشَيخَ يَذكرُ مُخالفيهِ فِي مِجلسٍ عَامٍ أَو خَاصٍ, إِلاَّ وأَشهدنَا أَنَّهُ قَدْ عَفَى عَنهُمْ، بَلْ وَيختِمُ حَديثهُ بِالدعاءِ لَهُمْ.
عام 1418 وفِي المَسجدِ النَّبويِّ، قرأَ مِنْ أَوراقِ أرسلت لَهُ جَمعَ فِيهَا كَاتبُهَا مَجموعةٌ اتهاماتٍ للشَيخِ بِأسلوبٍ فَض وغَليظ، خَرجَ بِهِ صَحابُهُ مِنْ النَّقدِ العِلميِ إِلَى السِبَابِ والشَتائمِ، رَدَّ الشَيخُ تِلكَ الاتهاماتِ مَع َمُحافظَته عَلَى هُدوءِهِ وَرزانتِهِ ثُمَّ قَالَ: " هَل يَحقُ لِي الآنَ أَنْ أَدعُوَ عَلَى كَاتِبها؟" وردَّدهَا مَرَات ثم قال: " إنّي دَاعٍ فَأَمِّنُوا " ورَفعَ يَديهٍ وَقَالَ: " اللَّهَمَ اغْفِرِ لِكاتبِ هَذهِ الأَوراقِ " فَكانَ هَذَا المَوقفُ دَرسًا لِلحضورِ فِي سَعةِ الحِلمِ والعَفوِ.
وَكَانَ لَهُ مَع أَهلِ الِبدعَ والأَهواءِ صَولاتٌ وجَولاتٌ، وكَتبَ فِي الرَدِّ عَلَى الرَوافضِ والقُبوريينَ والصُوفيينَ وأَهلُ التَوسلِ بِالصالحينَ والاحتفال بالمَوالدِ ،حَتَى سَعَى هُؤلاءِ وغَيرهُمْ - كَمَا هُو حَال أَهلِ البَاطلِ قَديمًا وحَديثًا- إِلَى إِسكاتِهِ بِتهديدهِ بِالقَتلِ تَارةً، وبالتضييقِ عَليهِ في دُروسِهِ تَارةً أَخرى، ولَكنَّ الشَيخَ كَانَ جَلدًا قَويًا صَابرًا مُحتسبًا الأَجَر عِندَ اللهِ ،وَاقرأ رَدهُ عَلى بَعضِ مُناوئيهِ في كُتبهِ ورَسَائله ، ومنهَا كِتابهُ "وجَاءُوا يَركضُونَ مَهلاً يَا دُعاةَ الضَّلالةِ" سَتجدِ حِينهاَ تَصديقَ مَا ادَّعيتُهُ.

12 أَنَا حَسنةٌ مِنْ حَسَناتِهِ
لَمَّا قَدَّمتُ مِلَفِي للالتحاقِ بالجامعةِ الإِسلاميةِ، لَمْ يكنْ فيهِ غَير تزكيتينِ مِنْ طَالبينِ فِي مَرحَلةِ الدِّراساتِ العُليَا، فَقالَ لِي أَحدُهُمَا: " لابدَ أَنْ تَدعمَ مِلفكَ بِتزكيةِ شَيخٍ مِن المَشايخِ" ثُمَّ قَدمَني للشَيخِ مُعَرفًا بِي وَأَنني أَحملُ شهادةً جَامعيةَ فِي أُصولِ الفِقهِ، وأَنني مُشتغلٌ بِالدعوةِ فِي الجَزائرِ، فَصارَ الشَيخُ يَنظرُ إِليَّ مرةً وإلى المُتكلمِ مرةً، وقَالَ متعجّبًا : " وأنتَ في هَذهُ السِن؟ " فقلتُ: "التحَقتُ بِالمدارسِ قَبلَ سِنِ التَمدرسِ الرَسميَ فربحتُ أعوامًا فِي مِشواري الدِراسي" فَقالَ لِي : "هَل أُناديكَ بالشيخ الشابِ أَو بِالشابِ الشَيخِ ؟" فقلتُ: "العفو شيخنا واللهِ مَازلتُ إِلى الآنِ أبحثُ عن سُلمَ طَلبِ العِلمِ" فقالَ:" سَجِّل في كُليةِ الدَّعوةِ " فسكتُ حياءً من الشَيخِ ، فقالَ لَهُ مُرافقي:" يَا شيخُ هَذا طَالبُ حديثٍ ،شَرحَ البيقونيةَ وأَلفيةَ السُيوطِي وهو في الجزائر، فمَقصدهُ كُليةَ الحديثِ الشَريف والدراسات الإسلامية لِيجمعَ بينَ أُصول الفقهِ وأُصول الحديثِ " ، فنظرَ إليَّ الشَيخُ نظرةً لَنْ أَنساهَا فكَأنّهُ كَان يُفكرُ في شيئٍ مَا، وَظننتُ حِينهَا أَنَّهُ سَيرفضنِي لِهذَا السَببِ، وَلكنهُ ابتسمَ أخيرًا وقَال: "سَأدعمكَ، ولكنْ بشرطِ ألاَّ تَبقَى في المَدينةِ النَّبويةِ بَعدَ نَهايةِ الدِراسةِ، ارجع إلى أَهل بَلدكَ وعلِّمهم مَا تعلمت..." فَقلتُ : "نَعم أَعدكم بذلكَ " ثُمَّ أنفذتُ شَرطهُ... وُعدتُ إليهِ بَعد سَنواتٍ ،فَكررَ َتزكيتَهُ لِي فَجزاه الله خيرا.
ولستُ ممَّن تَستهويهِ فِكرةُ نَشرِ التَزكياتِ والإِجازاتِ، ولكنني أُصرُ اليومَ عَلَى نَشرِ الَتزكيةِ الثَانيةِ للشيخِ، لِمناسبةِ المَقامِ أولاً ووفاءً واعترافًا بالجَميلِ ثانيًا.

13 جَنازَةٌ مَشْهودَةٌ.
شَهدهَا العُلماءُ والأئمَّةَ ُوطَلبةُ العلمِ والأَفاضلُ وعُمومُ المسلمينَ وعلى رأسهم، مَحدثُ المدينةِ الشَيخُ عَبدُ المُحسن، والمُدرسونَ في المَسجدِ النَّبوي وأَئمّتُهُ...
فَنالَ فِي حَياتِهِ وبَعدَ مَماتهِ من دُعاءِ الخَيّرينَ لَهُ بالرحمةِ مَا اللهُ بِهِ عليمٌ، والجَزاءُ من جنْس العَمَل، نَحْسَبُهُ -واللُه حَسيبُهُ- أَنَّهُ من أَهْلِ الرَحمةِ ، لأَنَّ أَهلَ العِلمِ هُمْ أَهلُهَا أَصلاً ومَوردًا، فالعِلمُ والرحمةُ صِنوانِ لاَ يَنفكانِ، ألاَ تَرى أَنَّ اللهَ لَم يَذكرِ الخِضْر ﷺ بِاسمهِ ولكنْ ذَكرهُ بِوصفهِ فَقالَ جَامعًا لَهُ بَينَ الرَحمةِ وَالعِلمِ ﴿ فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا ﴾ وفِي تقديمِ ذِكرِ الرحمةِ على العلمِ دلالةٌ واضحةٌ في الحَثِ عَلى مَزيدِ الاهتمامِ بِهَا "وهو سبحانه يقرن بين سَعَة العلْم والرَحْمَة كَمَا يَقْرنُ بينَ العلْم والحلْم فَمنَ الأَول قُولُهُ: ﴿ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً﴾ ومنَ الثاني: ﴿ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ ﴾ فَمَا قُرنَ شَيءٌ إلى شَيء أَحسن من حلْم إلى علْم ومنْ رَحمة إلى علْم " بدائع الفوائد 80-1
فالرحمةُ وَليدةُ العِلمِ غَالبًا، وصَاحبُ العِلمِ يَنظرُ إِلَى المُخالِفِ والمُوافقِ نَظرةَ الرحمةِ قَبلَ نظرةِ التكليفِ، فِإن لم يَكن كَذلكَ عُلمَ حينهَا أَنَّهُ لَم يُصبِ العِلمِ المَمْدُوحِ في الكِتابِ والسُنَّةِ، وأَزَّهُ ذلكَ على التَجني عَلى المُخالفينَ أزًا ودَفَعَهُ إلى التَسلَّطِ عَلَى المُنَاوئينَ دَفْعًا ، وكَانَ سَعيهُ حينئذٍ وَبالاً عَليهِ في الدُّنيَا والآخرةِ.
ويَلزمُني هنا أن أُذَكِّرَ إخواني بمَنهجِ أَهلِ الحَديثِ فِي الروايةِ والتَّعليمِ وأَنَّهم كَانوا يَبدأوُنَ مَجالسهُمْ بروايةِ حديثِ «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا أَهْلَ الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ أَهْلُ السَّمَاءِ» وهُوَ المَعْرَوفُ عندَ أهلِ الصَنعةِ الحديثيةِ بالمُسلسلِ بالأَوليةِ، وَمَنهجُ السَّلَف في العَقيدَة والدَّعْوة والتَعْليم أَعلمُ وأَحكمُ وأَسلمُ
" ولمَّا كَانَ نَصيبُ كُلِ عَبدٍ مِن الرَحمةِ عَلى قَدرِ نَصيبهِ من الهُدَى كَانَ أَكملَ المؤمنينَ إيمانًا أَعظمهمْ رحمةً، كَمَا قَال تَعالَى فِى أَصحابِ رَسولهِ ﷺ : ﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ على الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ ﴾ وكَانَ الصِّديقُ من أَرحمِ الأُمَّةِ، وقَد قال النبى ﷺ : « أرحم أمتى بأمتى أبو بكر» رواهُ الترمذىُّ، وكَانَ أَعلمَ الصَّحابةِ باتفاقٍ ، كَمَا قال أَبُو سَعيدٍ الخُدرى في الصَحيحينِ « وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ أَعْلَمَنَا بِهِ » يعنى النبى ﷺ ،فَجمعَ اللهُ لَهُ بَينَ سَعةِ العِلمِ والرَحمةِ." إغاثة اللهفان 173-2 بتصرف
وهَكذَا الرَّجلُ كُلمَا اتسعَ عِلمهُ اتسعتْ رَحمتُهُ، ولذلكَ كَانَ الأَنبياءُ أَوسع النَّاسِ رَحمةً، قَالَ تَعالَى في حَقِ زَكريا ﷺ: ﴿ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا﴾ وقال في حَقِ مُوسَى ﷺ: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾ وقَالَ في حَقِ إِبراهيمَ وإسحاقَ ويعقوبَ عَليهم الصَّلاةُ والسَّلاَمُ: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾
وبَعدَ مَا ذَكرتُهُ آنفًا يَحقُ لي في هَذا المَقام أَنْ أُوجهَ خطَابي لشَباب ضَلَّ طَريقَ الحَق فَحسبَ أنَّ مَنهجَ أَهل السُنَّة يُحَرّجُ عليهمْ الترحمَ عَلى كُل مُخالف لهم، فأقول لَهُم وأنا مُحبٌ لَهُمْ ومُشفقٌ عليهم:
أَلاَ أَيُّهَا الشَّبَابُ إنَّكُم تَبتعدونَ عَن جَماعة الحَقّ شَيئا فشيئًا ويومًا بَعدَ يَوم فَإنْ لَم تَأخذُوا بالتنظير والتَقعيد فلاَ أقل من أَنْ تَنظُروا إلى شُذوذكُمْ عَن أُمَّة رَسول الله ﷺ شرقًا وغربًا في التَرحُم عَلَى الشَيخ ، بَل رأيتُ بَعضكُمْ وقَدْ نَشَرَ مَثَالبَهُ يَومَ وَفَاته ، وهَذَا والله صَنيعٌ سيئٌ أَهيبُ بكُم ألاَّ تَعودوا لمثله أبدًا، وهي مثالبُ قيلَتْ قَديمًا زَمنَ حياة الأكابر، أَفَلاَ يَسَعُكُمْ مَا وَسعَهُمْ؟
أَلاَ أيُّهَا الشَبابُ تَريثُوا وتَأمَّلُوا وتَدبروُا ولاَ تَستعجلُوا في نسبة كَثير من أَقوالكُمْ وأَفعالكُمْ إلى مَنهج أَهل السُنَّة خَاصَّةً في أَبواب مُعاملة المُخالف والحُكم عَليه.
ولأَنَّ شَهادتي هُنا عَن رَحمة أَهل العلْم فَسأُنهيهَا بالرَحمة كَمَا بَدأتُهَا بالرَحمة فَأقولُ:
شَيخُنَا أَبُو بَكْر الجَزَائريّ...أَنْزَلَ اللهُ عَلَيكَ شَآبيبَ رَحْمَته ومَغْفرَته وَعَفوه.

كتبها أبو الفضل خالد بن علي بن شريف أوصيف الجزائري المدني







التوقيع



قال تعالى:" وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا"
  رد مع اقتباس
قديم 11-30-2019, 07:17 PM   رقم المشاركة : 4
معلومات العضو
سماعيل السلفي
مشرف







سماعيل السلفي غير متواجد حالياً

افتراضي رد: عَالِمٌ وشِاهِدٌ

عَالِمٌ وشِاهِدٌ (3)

شَيخُنا العلاَّمة الأُصوليُ ﷴ المختار بن ﷴ الأمين الشنقيطي... حينما يُورث العلم والخُلق

1 هو ابن العَلاَّمة الأُصُولي المُفَسرُ ﷴ الأمين الشنقيطي رحمه الله، وقد لازم والده من عام 1385هـ الموافق 1965 م -عام قدومه إلى الحجاز- إلى حين وفاته عام 1393 ه الموافق 1974 م
لم أدرك الشيخ ﷴ الأمين، ولكن عوضني الله عنه خيرا حيث نصحني وارثُ علمه شيخنا العَلاَّمة عَطية سالم رحمه الله أن أجلس إلى وّلَديّ الشيخ (ﷴ المختار وعبد الله)

2 عرفت الشيخ ﷴ المختار رحمه الله شهر رجب عام 1418 ه في أحد مساجد حي السيح العتيق، وهو مشهور بحي الشناقطة، وفيه أيضا كان سكنى شيخنا العلامة ﷴ بن ﷴ المختار الشنقيطي وكثير من الناس يخلط بينهما وهما أبناء عمٍّ
ثم عرفت الشيخ ﷴ المختار رحمه الله بعدُ في دروس المسجد النبوي وفي مجالس الجالية ،
جلست بين يديه لسنوات فدرست عليه روضة الناظر والمذكرة وقواعد العز بن عبد السلام وغيرها ، وجلست أيضا إلى أخيه العلاَّمة المُفسر عبد الله بن ﷴ الأمين الشنقيطي -هو أصغر منه سِنًا- واستمعت إلى تفسيره لعدة سور من القرآن الكريم وشروحاته لبعض كتب النحو.

3 أخبرت الشيخ عبد المحسن بذلك فقال لي: (الأول ورث عن والده الأصول وورث الثاني عنه التفسير فكأنك أدركت والدهما...) كلمة أثلجت صدري وأراحت قلبي أذكرها كلما ضعفت همتي، فأجد فيها ما يدفعني إلى ما فيه الخير والفلاح.

4 يُعد الشيخ عبد المحسن أحد أكبر تلامذة الشيخ ﷴ الأمين، وهو أيضا شيخ ابنه ﷴ المختار، وهو حسنةٌ من حسناته، سمعت الشيخ عبد المحسن يقول: (رأينا في الشيخ ﷴ المختار علمَ وفطنةَ شيخنا ﷴ الأمين فعيناه معيدا في كلية الشريعة بالجامعة الإسلامية) وسمعت الشيخ ﷴ المختار رحمه الله يقول: (كنت أميل إلى التخصص في علم التفسير ولكن الشيخ عبد المحسن فرض علي دراسة أصول الفقه فجزاه الله خيرا)

5 الشيخ الأصولي: لن أبالغ إذا قلت إنني لم أر أوسع علما ولا أكثر دقة في علم أصول الفقه من الشيخ، ولا يفوقه في زماننا -فيما أحسب- غير شيخنا العلامة الأصولي عبد الله الغديان رحمه الله ، وهو أيضا من تلامذة الشيخ ﷴ الأمين ، ومن علاماتِ تميزه في فنه حسن فهمه لكلام المتقدمين من أهل الأصول بل لأولهم وسيدهم وهو الإمام الشافعي ، فكان كثيرا ما يستشهد بكلامه قائلا : (هذا قول الشافعي في الرسالة حيث قال كذا وكذا ) أضف إليه شروحاته الكثيرة لكتب الأصول المختصرة منها والمطولة -كما سيأتي- وفيها من عمق الطرح ودقة الفهم ما ينم عن التفرد والسؤدد في هذا الفن .

6 الشيخ المدرس: اشتغل طول حياته العلمية بتدريس كتب الأصول للمبتدئين والمتوسطين والمنتهين، وطريقته هي نفس طريقة الشناقطة مطعمةٌ أحيانا بالطريقة الحجازية، حيث يختار الطالب الكتاب على حسب مستواه العلمي فيقرأ المتن والشيخ يعلق على ما يسمع...
وأول كتاب درسته عليه كتاب الروضة، وكان مقررا علينا في الكلية وكنا نستظهر كلام ابن قدامة عن ظهر قلب... لكن حدث وأن الأستاذ في الكلية اشتد علينا في الامتحان الأول وكان امتحانا شفويا، يفتح فيه الأستاذ الروضة ثم يبدأ بطرح الأسئلة الجزافية التي كانت إجاباتها جزافية أيضا.
فما كان منا (مجموعة من الطلاب المغاربة) إلا أن توجهنا إلى الشيخ ﷴ المختار رحمه الله وطلبنا منه أن يدرسنا الروضة، فكان أحدنا يقرأ والشيخ يستمع، ثم كان يقول في افتتاح شرحه – تسهيلا علينا- أي صعوبة في هذا الموضع؟ إنما يريد ابن قدامة أن يقول لك كذا وكذا... فكان يحل مسائله بأوجز عبارة وأخصرها، وهي نفس طريقة أخيه الشيخ عبد الله إلا أن الشيخ عبد الله يزيد عليه بضرب الأمثلة وإيراد بالمسائل التطبيقة كإعراب الجمل في النحو والشواهد القرآنية في التفسير...
وكان يمازحنا قائلا: (طلابٌ مغاربةٌ ومن كلية الحديث يدرسون الأصول؟ والله أنا متوجس منكم خيفة)
وكان الشيخ مع المنتهين ينتهج نهج المناقشات العلمية والمباحثات الأصولية خاصة في مجالس الجالية
ومن أبرز سمات تدريسه المحافظة على الهيكل العام لكل درس فقد كان يخرج بالمناقشات إلى استطرادات ومباحث طويلة حتى نقول قد نسي ثم يرجع بنا إلى أصل الدرس
ومنها حسن عرضه للأدلة وترتيبها وعدم الاستعجال في إيراد الراجح وعدم تعصبه لرأي بعينه وكان يقول: (استفدت هذه الطريقة من ابن رشد في بداية المجتهد ومن كتب الزركشي)
ويندهش الطالب حينما يسمع أسماء الكتب التي درسها الشيخ من حيث كثرتها أولا، وأصالتها وصعوبتها وندرة من يدرسها ثانيا، ومن هذه الكتب:
روضة الناظر ومختصر الروضة المعروف بالبلبل للطوفي والورقات للجويني والرسالة للشافعي والموافقات للشاطبي والمستصفى للغزالي وإحكام الأحكام لابن حزم والنُبَذُ الكافية وهو مختصره وجمع الجوامع للسبكي ومختصر ابن الحاجب وإحكام الفصول للباجي ومفتاح الوصول للتلمساني وشرح تنقيح الفصول للقرافي وتقريب الوصول لابن جزي ولقطة العجلان وسلاسل الذهب كلاهما للزركشي
وبديع النظام وهو نهاية الوصول إلى علم الأصول لابن الساعاتي...
وأحسن الشروح وأقربها إلى قلبي شرحه على القواعد للعز بن عبد السلام وأحسب أنني لم أفد من شيخ في القواعد والأصول كإفادتي من شرحه رحمه الله
وما سبق كله في علم الأصول وأما في غيره فالقوانين الفقهية لابن جزي وجامع بيان العلم لابن عبد البر والفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي وتفسير النسفي ... وبعض هذه الكتب كانت من اختيار بعض الطلاب

7 بره بوالده: ما أكثر نقولاته عن والده في المسائل الدنيوية والمسائل الدينية وكثيرا ما كنت أسمعه يقول: (قال الشيخ رحمه الله...) يريد والده
ومن أعظم البر إشاعة علم والده وأقواله ووصاياه وخِلاله بين الناس، خاصة بعد وفاته، وهو داخل في قوله ﷺ: «صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ، وَعِلْمٌ يُنْتَفَعُ بِهِ، وَوَلَدٌ صَالِحٌ يَدْعُو لَهُ» رواه مسلم
ومن ذلك اعتناءه بكتب والده، فشرحه على المذكرة في أصول الفقه يُعد من أفضل الشروح فيما أحسب، وقد جمع بعض طلابه شروحاته على الروضة وعلى المذكرة وعُرضت عليه وأجازها وطبعتها دار العلوم والحكم بالمدينة طبعة متميزة.
وله شرحٌ على أداب البحث والمناظرة، وشرحٌ على دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب
وشرحٌ على نثر الورود وهو شرح على مراقي السعود.

8 الشيخ المحققُ: حقق في مرحلة الماجستير شرح المراقي لمحمد الأمين بن أحمد زيدان الملقب بالمرابط، وفي مرحلة الدكتوراه سلاسل الذهب لبدر الدين الزركشي ومن تحقيقاته أيضا لقطة العجلان للزركشي أيضا وتقريب الوصول لابن جزي.

9 الشيخ المدقق: رغم سعة اطلاعه في فنه حيث كان يعد نابغة فيه، إلا أنه دقق في أحد فروعه أكثر من غيره، فأكثر ما ألف في التعارض والترجيح فله: التعارض وطرق دفعه ويشمل البحوث التالية :-( تعارض القياس وخبر الواحد) (التعارض معناه وحكم وقوعه في الأحكام الشرعية)
(دفع التعارض بالجمع) (الترجيح معناه وحكمه ومورده) (الترجيح في أخبار الآحاد والقياس)

10 الشيخ المربي: ربَّى الشيخ طلاَّبه على حب العلم وتعظيم القرآن والزهد في الدنيا، وكان من أشد الناس حرصا على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، خاصة مع طلابه وهو أمر مشهور عنه ،وكان لا يقبل الجدال والمراء في العلم، وكان يقول : (تعلَّم أولا ثم انقد ثانيا) وسمعته مرارا يقول للمجادِل : (أنت صغيرٌ والمسألة كبيرةٌ) وسألته مرة عن مسألة فأجابني ثم قال لي : (كم عمرك؟ فقلت ثماني عشرة سنة، فقال ليتني في سنك هذه، فهي مرحلة الطلب فاستغلها بما ينفعك.)

11 الشيخ المتواضع الكريم: يظهر تواضعه في لباسه وهيئته ومشيته لم يمنع عن طلابه ومريديه بيته في كرم وجود منقطع النظير
وسمعته يقول: (أنا أحضر مجالس العلم متعلما أولا ثم معلما) وسمعت الشيخ عبد المحسن مرة يقول عنه: (ورث عن والده الجود والكرم والتواضع)
قلت هو على ما وصف الشاعر: بأبه اقتدى عديٌ في الكرم *** ومن يشابه أبه فما ظلم
وسمعته مرة يُعددُ من أفاد منهم، فعدَّ رجالاً ثم قال: والدكتور محمد سعد اليوبي – وهو صاحب كتاب المقاصد- والدكتور مصطفى بن كرامة الله... فتعجبت من ذكرهما لأنهما من طلابه لا من مشايخه-وهما من أفاضل مشايخنا- فقال أحدهم من طلابكم أو من مشايخكم؟ فقال: (بل هما من زملائي، وأفدت منهما كثيرا)
والله إن العين لتدمع لصنيعه هذا، وهذه الصفة لم أرها قط في غيره، ومنه تعلمت ألا أقول عن أحد أنه من طلابي مهما صَغُرَ سِنهُ وقلَّ عِلمُهُ.
ومن حِرصِه على طلابه أنه كان يقول لنا: (لا يستقيم بكم وأنتم طلابُ علمٍ أن تأتوا الدرس بلا مراجعة ولا أن ترجعوا إليه بلا مذاكرة)

12 سألته عام 1420 ه عن الخصلة التي ميزت والده عن غيره فقال : (البعد عن مجالس الغيبة ، فلم يكن يقبل أن يُغتاب أحدٌ في مجلسه ) قلت وأنا أشهد أن الشيخ ﷴ المختار كان أيضا من أبعد الناس عن الغيبة ، وكان أكثر ما ينصح طلابه بأن ينقدوا الأفكار لا الأشخاص ،وسمعته مرة وهو يقول : (إن نقد الفكرة سنة نبوية فما أكثر قول الرسول ﷺ ما بال أقوامٍ...) وكان يقول: ( إن سب المبتدع لا يقيم الحجة عليه ولا ينفي الشبهة عن أتباعه )
ولمَّا قَدمنا عليه نحن المغاربةُ وافقَ على تدريسنا واشترط ألاَّ نذكر بحضرته شخصًا بعينه أو جماعة باسمها.

13 وفاته: كانت وفاته يوم الثلاثاء الفاتح من شهر ربيع الأول عام 1441هـ الموافق 29 أكتوبر 2019م وكنت قد بدأت الكتابة عن الشيخ قبل وفاته بنحو ثلاث سنوات، وكنت أحب نشرها في وقتها لأسهم في دلالة الناس عليه، وفاء له ولوالده رحمهما الله، لكن شاء الله ألا تكتمل وألا تنشر إلا بعد أن وُسد التراب، وهذا ما حدث لي أثناء الكتابة عن الشيخ أبي بكر الجزائري رحم الله الجميع

قلت: ما أشبه الوَلدَ بوالدِه في عِلمهِ وفقهه أولاً ثم في أدبهِ ودَلِّه ثانيًا، وهذا مقصد كل طالب علم – أعني الجمع بين العلم والأدب- وهي وظيفة النبي ﷺ قال تعالى: ﭽ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ﭼ
وانظر إلى أثره ﷺ على أصحابه في بابي العلم والأدب لتدرك أثر الطريقة النبوية في التعليم والتربية وسأمثل هنا بعبد الله بن مسعود رضي الله عنه ليظهر المقصود من كلمتي

لازم ابن مسعود رضي الله عنه النبي ﷺ من أول البعثة إلى وفاته، وهو سادس ستة في الإسلام، وكان يُعد هو وأمه من أهل بيته ﷺ لكثرة دخولهم وخروجهم عليه كما رواه البخاري في صحيحه، وله عند بقي بن مخلد ثماني مئة وأربعون حديثا، ولجلالته في هذا الشأن حدَّث عنه أبو موسى، وأبو هريرة، وابن عباس وابن عمر وعمران بن حصين وجابر وأنس وأبو أمامة في طائفة من الصحابة

ولطول الملازمة أخذ عن النبي ﷺ مالم يأخذه غيره قَالَ رضي الله عنه: «وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ مَا مِنْ كِتَابِ اللهِ سُورَةٌ إِلَّا أَنَا أَعْلَمُ حَيْثُ نَزَلَتْ، وَمَا مِنْ آيَةٍ إِلَّا أَنَا أَعْلَمُ فِيمَا أُنْزِلَتْ، وَلَوْ أَعْلَمُ أَحَدًا هُوَ أَعْلَمُ بِكِتَابِ اللهِ مِنِّي، تَبْلُغُهُ الْإِبِلُ، لَرَكِبْتُ إِلَيْهِ» متفق عليه
وشهد له بالعلم والحكمة رسول الله ﷺ فقال له «يَرْحَمُكَ اللهُ، إِنَّكَ غُلَيْمٌ مُعَلَّمٌ» رواه الطبراني في الأوسط وهو صحيح

وشهد له كبار الصحابة بالفقه والعلم قال عمر رضي الله عنه: (كُنَيْفٌ مُلِئَ عِلْمًا) رواه مالك في الموطأ وقال علي رضي الله عنه: (عَلِمَ الْكِتَابَ وَالسُّنَةَ، ثُمَّ انْتَهَى وَكَفَى بِهِ) رواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي وقال أبو موسى الأشعري رضي الله عنه: ( لاَ تَسْأَلُونِي مَا دَامَ هَذَا الحَبْرُ فِيكُمْ) رواه البخاري وقال أبو مسعود الأنصاري رضي الله عنه: (وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرَكَ أَحَدًا أَعْلَمَ بِكِتَابِ اللَّهِ مِنْ هَذَا الْقَائِمِ) رواه الفسوي في المعرفة والتأريخ

وما سبق هو في باب الفقه والعلم، وأما في باب الأدب والهدي، فنقرأ شهادة حذيفة رضي الله عنه : (إِنَّ أَشْبَهَ النَّاسِ دَلًّا وَسَمْتًا وَهَدْيًا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَابْنُ أُمِّ عَبْدٍ، مِنْ حِينِ يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ إِلَى أَنْ يَرْجِعَ إِلَيْهِ، لاَ نَدْرِي مَا يَصْنَعُ فِي أَهْلِهِ إِذَا خَلاَ) رواه البخاري و الترمذي وزاد عليه: (وَلَقَدْ عَلِمَ الْمَحْفُوظُونَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّ ابْنَ أُمِّ عَبْدٍ هُوَ مِنْ أَقْرَبِهِمْ إِلَى اللهِ زُلْفَى)
وهكذا وَرَّث رسول الله ﷺ العلم والأدب لابن مسعود وورثه ابن مسعود لأصحابه، روى إبراهيم النخعي عَنْ علقمة قال: (كان عبد الله يُشبه بالنبيّ ﷺ فِي هَدْيِهِ وَدَلِّهِ وَسَمْتِهِ. وَكَانَ عَلْقَمَةُ يُشَبَّهُ بِعَبْدِ اللَّهِ) رواه الفسوي في المعرفة والتأريخ
وفي غريب الحديث للقاسم بن سلام 3/384 أن أصْحَاب عبد الله (كَانُوا يرحلون إِلَيْهِ فَيَنْظُرُونَ إِلَى سَمته وهديه ودله قَالَ: فيتشبهون بِهِ )

ومن النبي ﷺ وعن طريق ابن مسعود وبقية الصحابة رضوان الله عليهم وصل الأدب والسمت إلى جموع التابعين وأتباعهم (حكى أبو فهر المصري قال: كان أبو بكر بن إسحاق إذا ذكر عقل أبي علي الثقفي يقول ذلك عقل مأخوذ من الصحابة والتابعين وذلك أن أبا علي أقام بسمرقند منذ أربع سنين يأخذ تلك الشمائل من محمد بن نصر المروزي وأخذها ابن نصر عن يحيى بن يحيى، فلم يكن بخراسان أعقل منه وأخذها يحيى عن مالك أقام عليه لأخذها سنة بعد أن فرغ من سماعه. فقيل له في ذلك فقال إنما أقمت مستفيداً لشمائله فإنها شمائل الصحابة والتابعين، وكان مالك لذلك يسمى العاقل واتفقوا على أنه أعقل أهل زمانه.) ترتيب المدارك1 /128
وهذا المنهج السني في التعليم والتربية هو منهج سلفي سار عليه الأسلاف، قال مالك قال محمد بن سيرين - في وصف حال التابعين -: (كَانُوا يَتَعَلَّمُونَ الْهَدْيَ كَمَا يَتَعَلَّمُونَ الْعِلْمَ وَبَعَثَ ابْنُ سِيرِينَ رَجُلًا فَنَظَرَ كَيْفَ هَدْيُ الْقَاسِمِ وَحَالُهُ) الجامع لأخلاق الراوي 1/79 بل كانوا يقصدون أدب أهل العلم ويستكثرون منه قبل طلبهم العلم كما قال أبو عبدالله البلخيُّ: (أَدَبُ الْعِلْمِ أَكْثَرُ مِنْ الْعِلْمِ) الآداب الشرعية والمنح المرعية 3/552
" وَأَيُّ مَصْلَحَةٍ أَعْظَمُ مِنْ الْأَدَبِ حَتَّى قَالَ رُوَيْمٌ لِابْنِهِ يَا بُنَيَّ اجْعَلْ عَمَلَك مِلْحًا وَأَدَبَك دَقِيقًا.
أَيْ اسْتَكْثِرْ مِنْ الْأَدَبِ حَتَّى تَكُونَ نِسْبَتُهُ فِي الْكَثْرَةِ نِسْبَةَ الدَّقِيقِ إلَى الْمِلْحِ وَكَثِيرٌ مِنْ الْأَدَبِ مَعَ قَلِيلٍ مِنْ الْعَمَلِ الصَّالِحِ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ الْعَمَلِ مَعَ قِلَّةِ الْأَدَبِ " الفروق للقرافي 3/96
وقال ابن وهبٍ: ( ما نقَلْنا مِن أدب مالكٍ أكثرُ مما تعلمنا مِن علمه) سير أعلام النبلاء ط الرسالة 8/113

وروى مالك بن أنسٍ: (أن ابن سيرين كان قد ثقل وتخلف عن الحج، فكان يأمر من يحج أن ينظر إلى هدي القاسم، ولبوسه، وناحيته، فيبلغونه ذلك، فيقتدي بالقاسم) سير أعلام النبلاء ط الرسالة 5/57
وقال عباس العنبري عن ابن المديني: (كان الناس يكتبون قيامه وقعوده ولباسه، وكل شيء يَقُولُ ويفعل أو نحو هذا) رواه الخطيب في تاريخ بغداد ت بشار 13/421
والجمع بين العلم والأدب جمعٌ بين التخلية والتحلية ولذا قال ﷺ: «خَصْلَتَانِ لَا تَجْتَمِعَانِ فِي مُنَافِقٍ حُسْنُ سَمْتٍ، وَفِقْهٌ فِي دِينٍ» رواه الطبراني في الأوسط وهو حسن

وفي الأخير أختم بما بدأت به فأقول: لقد تجسدت في الشيخ ﷴ المختار رحمه الله مقالة علماءنا "إن العلم يُورث وإن الخُلق يُورث" ولكن لا يورثان إلا بطول الملازمة للشيوخ وثني الركب عندهم، وصدق من قال :
لي سبيل الهدى ربّاهُ والده *** وقد جرى في مجال العلم مَجراه
رحم الله شيخنا ﷴ المختار وجزاه عنا خير الجزاء.
شَيخُنا العلاَّمة الأُصوليُ ﷴ المختار بن ﷴ الأمين الشنقيطي... حينما يُورث العلم والأدب
كتبها أبو الفضل خالد بن علي بن شريف أوصيف الجزائري المدني







التوقيع



قال تعالى:" وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا"
  رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 04:45 PM


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2019, vBulletin Solutions, Inc.
جميع الحقوق محفوظة لمجالس العلم النافع
اختصار الروابط