img img

تنبيه

السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، نُرَحِّبُ بِجَمِيعِ أَعْضَاءِ "مَجَالِسِ العِلْمِ النَّافِعِ" وَزُوَّارِهَا، ونَدْعُوهُم للاطِّلَاع عَلَى بُنُود وقَوانٍينٍ المَجالِسِ ، وَفَّقَنَا اللهُ جَمِيعًا لحُسْنِ الإِفَادَةِ والاستِفَادَةِ

العودة   مَجَالِس العِلْمِ النَّافِعِ > مَجَالِسُ العِلْمِ النَّافِعِ لِشُيُوخِ ودُعَاةِ أَهْل السُّنَّةِ بالجَزَائرِ –حَفِظَهُمْ اللهُ-. > مجالس فضيلة الشيخ بن حنفية العابدين –حفظه الله-
التسجيل التعليمـــات قائمة الأعضاء التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 08-02-2019, 01:30 PM   رقم المشاركة : 181
معلومات العضو
سماعيل السلفي
مشرف







سماعيل السلفي غير متواجد حالياً

افتراضي رد: خواطر متجددة تحت عنوان" عبر و فكر "

سمعت يوم أمس أن وزيرة الثقافة السابقة مدرجة مع من يحقق معهم في الفساد المالي، فذكرت تلمسان (عاصمة الثقافة الإسلامية)، ومدينة قسنطينة بعدها، لقد كانتا فرصة لتضييع المال العام، ونهبه بطريقة مقننة، والخيمة المفقودة غيض من فيض النهب الذي برع كثير من المسؤولين في التغطية عليه، الثقافة عندهم هي الحفلات الماجنة، والمجالس الصاخبة، واللقاءات التافهة، والترويج لحفلات اللهو والزهو والسهو كما كان يقول مولود قاسم رحمه الله، وقد يرافق ذلك التعريف ببعض الشخصيات الوطنية، وإنشاء المرافق في المدينة العاصمة، وإصلاح الطرق، وطبع كتب التراث، وقد دعيت في مناسبة قسنطينة إلى تقديم كتابي عن أبي رأس الناصري لإعادة طبعه فأبيت .
وكان بين وزيرة الثقافة وبين والي ولاية تلمسان يومئذ من الخلاف ما أدى إلى أن ممثل الحكومة لا يستقبل عضو الحكومة في ولايته، ولا يعلم سبب الخلاف، لكنهما اليوم قد يلتقيان في المساءلة القانونية عما أهدر من الأموال .
كنت أقول عن تلك المناسبة (عاصفة الثقافة)، لا عاصمتها، وأذكر أن صحفيا من جريدة الشروق أجرى معي مقابلة، وكان مما سألني عنه حدث تلمسان، الذي سارت به (الركبان)، فذكرت له ذلك الوصف، وبعد سنة لم ينشر شيئا إلا هذا الذي استكتمته إياه، ووافق نشره يوم حضوري ندوة أقيمت للتعريف ببعض الشخصيات العلمية، وعند الباب رأيت الجريدة في أيدي من كنت أسلم عليهم ومنهم وزير الشؤون الدينية يومئذ، وعلى صفحة الجريدة كلمة العاصفة، فظننت أن (صاحبي) كان يعلم حضوري فاجاد المكر !!، وما كل ظن هو إثم.
ما كل مشهد يحضره المرء هو راغب في حضوره، قد يحضر غير مطمئن، وقد يكثر أن يدعى فيعتذر، ثم يحضر كارها، مقاوما للطبع، مخالفا للميل، صابرا على ما يعلم أنه يلحقه من النقد والطعن، لا حرج أن يخالفه غيره في مشروعية الدافع، وهو ما يؤمله من المصلحة، وما يرجوه من إيصال شيء من النصح، وما يسعى إليه من تضييق الهوة التي ما فتئت تتعاظم بين فئات الأمة، وبت حبل التواصل الذي هو خطر على الدعوة في أوساط الحكام، وقد يصب في حيز تكريس علمانية الدولة بتسليمها إلى من لا يؤتمن عليها، هي هواجس تحرق باطن المرء، وتصطرع داخله، لا يرى منها الشانئون إلا حب الظهور والتمييع ونحوهما مما يسهل قوله، ويعظم وزره، فما أيسر الغياب، وما أخطر تبعات الحضور، والله عليم بذات الصدور .
من معاني الثقافة في لغة العرب حذق الشيء، وفهمه، وضبطه، وتسويته، وتقويم اعوجاجه، وسرعة التعلم، والفطنة، والذكاء، والأخذ، قد لا تجد كلمة في لغة العرب تجمع هذه المعاني، ولا يختلف في مدحها عاقلان، بل هي مما تلتقي الإنسانية قاطبة على الثناء على المتصف بها، فكيف اهتدى العرب اليها؟، وكيف لا يهتدون وقد ارتضاها الله لغة كتابه الخاتم الذي يخاطب به الإنسانية كلها ؟ .
لكن الجماعات البشرية تتفاوت في مضمونها، وتفسيرها، ومدى الخروج عن أصلها، تعبر كل جماعة بالثقافة عن نفسها ومرجعيتها بالنظر إلى أديانها وعاداتها وتقاليدها، والعادات والتقاليد عند المسلمين يؤطرها الدين ويضبطها، فما هو حظ هذه المعاني مما جعلته وزارة الثقافة عندنا رأس مالها؟، وهل تعلم من هو الأجدر عندها بوصف المثقف؟، كثير ممن يوصف بذلك هو في اللسان الدارج إما مشقف، (مضروب في الرأس!!)، وإما مثقث بالثناء (مأخوذ مربوط!!)، وليته ربط عن الباطل، فاعجب لبلد مسلم مثل الجزائر تتولى وزارة الثقافة فيه امرأة كهذه التي قيل(للتمريض) إنها فرت إلى فرنسا، لقد قالت قبل ثلاثة عقود: إنها رمت السجادة لأنها إهانة للإنسان، وحط من قيمته، رأي الرعية في الحكام هو رأي الحكام في وزرائهم، فلينظروا من يستوزرون، وما أحسن ما قيل في هذا المعنى:
لليث ملك القفار ** وما تضم الصحاري
سعت إليه الرعايا ** يوما بكل بدار
قالت تعيش وتبقى ** يا دامي الأظفار
مات الوزير فمن ذا ** يسوس أمر الضواري؟
قال الحمار وزيري ** قضى بهذا اختياري
فاستضحكت ثم قالت ** ما ذا رأى في الحمار ؟
وودعته وطارت ** بمضحك الأخبار
حتى إذا الدهر ولى ** كليلة أو نهار
لم يشعر الليث إلا ** وملكه في دمار
الكلب عند اليمين ** والقرد عند اليسار
والهر بين يديه ** يلهو بعظمة فار
فقال من في جدودي ** مثلي عديم الوقار ؟
أين اقتداري وبطشي ** وعزتي واعتباري؟
فجاءه القرد سرا ** وقال بعد اعتذار:
يا علي القدر فينا ** كن عالي الأنظار
رأي الرعية فيكم ** من رأيكم في الحمار

غرة شهر ذي الحجة 1440

شيخنا بن حنفية العابدين حفظه الله







التوقيع



قال تعالى:" وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا"
  رد مع اقتباس
قديم 08-10-2019, 08:32 PM   رقم المشاركة : 182
معلومات العضو
سماعيل السلفي
مشرف







سماعيل السلفي غير متواجد حالياً

افتراضي رد: خواطر متجددة تحت عنوان" عبر و فكر "

بسم الله الرحمن الرحيم
تهنئة
بمناسبة عيد الأضحى المبارك أهنئ إخواني المسلمين في بلدي خاصة، وفي سائر بلدانهم، وفي غيرها حيث يقيمون، سائلا الله تعالى أن يتقبل منا ومنهم، وأن يعيده على المسلمين بالهداية، وبالخير والبركة، واتحاد الكلمة، والاستقامة على الدين، حكاما ومحكومين، وأغتنم هذه الفرصة لأوصيكم ونفسي بالاجتهاد في تحقيق هذا الذي أذكره، وما كان وسيلة إليه، كل حسب استطاعته:
* وحدتكم أيها المسلمون، وهي لا تقوم إلا بالرجوع إلى دينكم عقيدة وشريعة .
* مراعاة عقيدة الولاء والبراء التي تجمعكم وتميز جماعتكم من غيرها .
* السعي في استقلال دولكم في السياسة والاقتصاد والإعلام والثقافة متآزرين متعاونين في نطاق ما يرضي ربكم .
* الشروع في إرساء تعاون جديد مع غيركم يقوم على المصالح المتبادلة مع الحفاظ على خصوصيتكم .
* بذل الوسع في إطفاء نيران الحروب، وعمل اللازم لاجتناب أسبابها، واللجوء إلى الصلح عند الاقتضاء .
* إطلاق سراح أهل العلم وغيرهم من اللذين لم يثبت عليهم شيء، مع أن العفو عمن أخطأ منهم خير للحكام والمحكومين ولدولهم .
* نصرة المستضعفين والمضطهدين من المسلمين ومن غيرهم في بقاع الأرض .
* إفساح المجال واسعا للدعاة والجمعيات والهيآت العلمية والخيرية للمساهمة في إصلاح الحياة العامة وفق النظم الملائمة وبإشراف الحكام .
* ترك التحالف مع غير المسلمين في علاج وإصلاح قضاياهم الداخلية .
* وأدعو أبناء وطني بخاصة إلى اجتماع الكلمة على الوسيلة التي تخرجنا مما نحن فيه، وهي الآن ولله الحمد واضحة بينة .
* وعلى العلماء والمشتغلين بالدعوة أن يولوا هذه الأمور، وما يندرج تحتها من التفاصيل اهتمامهم، وأن يصرفوا إليها جهودهم، واضعين نصب أعينهم المخاطر التي تهدد أصول دينهم، من الملاحدة، والعلمانيين، والحداثيين، والمنافقين، والجاهلين، وغيرهم، مستحضرين أن نشر اختلافهم بالصورة التي نراها يضعف شوكتهم، ويصد كثيرا من ضعاف الإيمان عن دعوتهم، ويفتنههم عن دينهم، ولا يصح أن يحجب الخلاف الذي بينهم هذه المهام الكبرى التي ينبغي أن يتعاونوا عليها، مع استمرار نصح بعضهم بعضا بالرفق الذي يثمر ما لا يثمر العنف والشدة، والتوفيق بيد الله .
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان.
معسكر ليلة عيد الأضحى 1440
بن حنفية العابدين







التوقيع



قال تعالى:" وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا"
  رد مع اقتباس
قديم 08-14-2019, 02:52 AM   رقم المشاركة : 183
معلومات العضو
سماعيل السلفي
مشرف







سماعيل السلفي غير متواجد حالياً

افتراضي رد: خواطر متجددة تحت عنوان" عبر و فكر "

الخاطرة ١٦٦

روى مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه استعمل مولى له يدعى هنيا على الحمى، فقال: يا هني، اضمم جناحك على الناس، واتق دعوة المظلوم فإن دعوة المظلوم مجابة، وأدخل رب الصريمة والغنيمة، وإياك ونعم ابن عفان وابن عوف، فإنهما إن تهلك ماشيتهما يرجعان إلى المدينة: إلى زرع ونخل، وإن رب الصريمة والغنيمة إن تهلك ماشيته يأت ببنيه فيقول: يا أمير المؤمنين، يا أمير المؤمنين!!، أفتاركهم أنا لا أبا لك؟!، فالماء والكلأ أيسر علي من الذهب والورق، وأيم الله إنهم ليرون أن قد ظلمتهم، إنها لبلادهم ومياههم، قاتلوا عليها في الجاهلية، وأسلموا عليها في الإسلام، والذي نفسي بيده لولا المال الذي أحمل عليه في سبيل الله؛ ما حميت عليهم من بلادهم شبرا" .
أورد هذا الأثر تحت ترجمة (ما يتقى من دعوة المظلوم)، وهو أقوى من أن يقال "لا تظلم"، وأخذ الترجمة من قول عمر: "واتق دعوة المظلوم..."، وهو مرفوع حكما، وفي دعوة المظلوم أحاديث صحيحة منها: "اتقوا دعوة المظلوم وإن كان كافرا فإنه ليس دونها حجاب"، وجاء هذا في وصية النبي صلى الله عليه وآله وسلم لمعاذ حين بعثه إلى اليمن، وقد كان فيها أهل الكتاب، فيدخلون فيمن أمر أن يتقي ظلمهم، وإجابة الله تعالى دعاء المظلوم الكافر من مقتضيات ربوبيته سبحانه .
ولعله اختار الموقوف الذي في طوايا هذه القصة؛ لأغراض، أبرزها أن ظلم الحاكم أعظم ضررا، وأكبر إثما من ظلم غيره، لأنه إنما ولي لإقامة العدل في رعيته، فإن كان هو الظالم فمن يدفع الظلم عنهم؟، ولأن غير الحاكم قد يشرع أن يعاقب بمثل عقوبته، أما الحاكم فالمطلوب الصبر على جوره، درءا لمفسدة القيام عليه .
وفيه أن عمر شرح عمليا لعامله الرفق الذي أمره به، وبين له خطته في معاملة رعيته، حتى يكون على بينة من أمره، فهو التعليم والقدوة .
وفيه أن مكانة الشخص ومنزلته لا تقتضي تقديمه على غيره ممن يكون أحق بالمساعدة منه، حيث لا بديل له عن مورد رزقه، ولم يتردد عمر أن يسمي عثمان وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما محذرا عامله أن يدخلهما فيمن يتسامح معه .
وفيه أن النظم والقوانين ينبغي أن تكون مرنة يراعى فيها ما وضعت له وهو مصالح الناس، التي هي روح القانون ولبه، يقابله صورته ونصه، والنظام هنا هو الحمى الذي يمنع الناس من الرعي فيه، ومع هذا قال عمر لعامله: "وأدخل رب الصريمة والغنيمة"، يريد من له إبل أو غنم قليلة .
وفيه مساعدة الحاكم المحتاجين على الاستقلال بأنفسهم في تحصيل عيشهم بدل الاعتماد على إعانة الدولة المباشرة لهم فإنها تورث التواكل والكسل .
وفيه المحافظة على موارد الدولة الأهم فالأهم، فإن مسامحة المحتاج في استعمال الحمى أخف من بذل النقود التي تدخر للحاجة، وأمثلته اليوم في الدول لا تخفى .
وفيه إحساس عمر بهموم رعيته، باستحضاره شكواهم له مصحوبين بأبنائهم مما تكرر على مسمعه: "يا أمير المؤمنين، يا أمير المؤمنين"!! .
وفيه مشروعية سؤال الرعية الحاكم حقوقهم فليس ذلك كسؤال أفراد الناس، وإن كان التعفف خيرا.
وفيه أن عمر يضع في حسبانه أنه وإن كان يعدل ويحكم بالحق فإن بعض رعاياه قد يرى في عدله ظلما، لأنهم لا يدركون الحكمة من تصرفه، ولا يعرفون وجه حكمه، وهذا يقتضي الحاكم أن يبين وجه المصلحة في تصرفاته التي كثيرا ما يخفى الغرض منها على بعض الناس .
وفيه ما كان يعتمل في نفس عمر من التألم جراء تضارب المصلحة العامة مع مصالح الأفراد، وأنه لا يجد بدا من تقديم الأولى، وهذا جرى مثله لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حيث قال عن بعض من سأله الصدقة: "إن الرجل يسألني ما لا يصلح لي ولا له، فإن منعته كرهت المنع، وإن أعطيته؛ أعطيته ما لا يصلح لي ولا له"، وفي الحديث القدسي: "...، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن: يكره الموت وأنا أكره مساءته"، هو شأن من شؤونه، آمنت بكلامه على مراده، ونزهته عن مماثلة خلقه.
12 شهر ذي الحجة 1440 .







التوقيع



قال تعالى:" وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا"
  رد مع اقتباس
قديم 08-15-2019, 09:02 AM   رقم المشاركة : 184
معلومات العضو
سماعيل السلفي
مشرف







سماعيل السلفي غير متواجد حالياً

افتراضي رد: خواطر متجددة تحت عنوان" عبر و فكر "

الخاطرة ١٦٧

من الجوانب التي لم تحظ بالعناية اللازمة عند شراح الموطإ الكلام على التراجم، وصلتها بما تحتها، وترتيبها، وجمع أكثر من مسألة فيها، وتقفية مالك المرفوع منها بالآثار، واقتصاره على أقل القليل في مواضع ينتظر أن يورد فيها أكثر مما ذكر، كباب القنوت في الصبح، وفضل العلم، واختلاف الصيغ التي حكى بها عمل أهل المدينة، وعدم اكتفائه بالمفهوم في تقرير ما يذكره، وغير ذلك .
وأقتصر على أمر واحد يتوسمه المتأمل، وهو ميله إلى العمل، الذي هو المقصود من العلم، وحاجة المسلمين إليه أشد في هذا الزمن الذي كثر فيه القول، وبلغ التأليف حد التخمة، وهذه إشارة إلى أمور تنبئ عن هذا التوجه العملي عنده باختصار:
1 - ابتدأ موطأه بوقوت الصلاة، وخالفه غيره من مدوني السنن، فافتتحوها بالطهارة، كأبي داود والنسائي، واختار أصحاب المجاميع تقديم أصل الدين، فقدم البخاري الوحي، وقدم مسلم الإيمان، وخالفهما الترمذي في جامعه، ولا يسع المقام بيان وجهه، وقدم بعض أصحاب السنن السنة والعلم .
ووجه عمل مالك أن الصلاة أعظم ركن بعد الشهادتين، والخطاب إنما يتوجه إلى المكلف بتحصيل الطهارة التي هي شرط فيها بعد دخول الوقت، ندبا في أوله، ووجوبا عند ضيقه، فلما كان كتابه مقصورا على العمليات ابتدأ بوقت أعظمها وهي الصلاة .
2 - أكثر من المراسيل والبلاغات ونحوهما في رواية معظم الآخذين عنه، مع وصل بعضها عند آخرين من رواة كتابه، فيستدل بهذا على أنه آثر التخفيف بحجبه الأسانيد، أو لم ينشط لذلك .
3 - تجنب تكرار الحديث، إلا القليل النادر، مع أنه قد يحتاج إلى تكراره للاستدلال، إما لأن للنص أكثر من دلالة، أو لضمه أكثر من مسألة، وهو كثير في الأحاديث .
وتكرار الأحاديث وتقطيعها فاق فيه البخاري غيره، لكنه لا يخلو من فائدة زائدة على الاستدلال كاختلاف شيوخه في الحديث، وهو الغالب، أو غير ذلك من الأغراض، وخالفه فيه مسلم، فجمع الأحاديث ذات الموضوع الواحد، وذكر الزيادات واختلاف الألفاظ، واعتمد صيغة تحويل الإسناد بغية الاختصار، ففضله المغاربة لهذا على البخاري، فقال قائلهم:
قالوا لمسلم فضل ** قلت: البخاري أعلى
قالوا المكرر فيه ** قلت: المكرر أحلى
4 - اشتمل الموطأ على كتاب الأقضية، الذي أودعه الكثير من اجتهاداته وآرائه، فهو كالتطبيق العملي للأحكام النظرية، فسماها أقضية تغليبا، والأمر الواحد قد يختلف القول فيه في القضاء عنه في الفتوى، فإن المستفتي قد يدين(يترك لدينه)، والفتوى لا إلزام فيها بخلاف القضاء .
5 - أدرج اكثر من مبحث في الترجمة الواحدة، مع عدم وجود الجامع بينها أحيانا عدا كونها أحكاما شرعية بقصد التخفيف .
6 - اختص كتابه بما سماه من التراجم "العمل في كذا"، كقوله: العمل في الوضوء، العمل في التيمم، العمل في الإهلال، العمل فيمن أعطى شيئا في سبيل الله، العمل في الدية، كأنه عنده تطبيق للقول وبيان له.
7 - ما في موطئه من ذكره لما عليه أهل العلم ببلده وهذا كثير مستفيض فيه .
8 - كثيرا ما يذكر آثارا للصحابة بعد الأحاديث المرفوعة ليستدل بها على استمرار العمل بالحديث وأنه لم ينسخ .
9 - ما امتاز به موطأه، وهو كتاب الجامع الذي ختمه به، وجمع فيه مسائل متفرقة بعضها يمكن إدراجه في أبواب كتابه .
10 - ومن ذلك لجوؤه إلى الاستدلال في أكثر من موضع بأن هذا ليس عليه المسلمون، أو أنه ليس من سنتهم، أو أن الذي عليه المسلمون هو كذا وكذا، كما في الاعتكاف، والبيوع، والقراض، وغيرها، وإذا كان هذا صالحا لأن يستند إليه في وقته، وهو القرن الثاني، فكيف بما لم يعرفه المسلمون قريبا من أربعة عشر قرنا؟.
11 - ومن ذلك ما ذكره القاضي عياض عن سليمان بن بلال أن مالكا وضع موطأه على أربعة آلاف حديث، أو أكثر، فمات وهي ألف حديث، يلخصها عاما عاما، بقدر ما يرى أنه أصلح للمسلمين، وأمثل في الدين" !!، وقد شاع أن الناس قالوا عن تناقص مرويات موطئه: علم الناس في الزيادة وعلم مالك في النقصان !! .
12 - ومما يدل على تعويله على الجانب العملي اعتماده على عمل أهل المدينة الذي هو أبرز أصوله الخاصة، وخالفه فيه جمهور العلماء .
كلمة يسمعها المرء ويقيمها في حياته أنفع له من المآت يحفظها ثم لا تجد لها امتدادا في أعماله وسلوكه كما قال الله تعالى: "وَلَوۡ أَنَّہُمۡ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِۦ لَكَانَ خَيۡرًا لَّهُمۡ وَأَشَدَّ تَثۡبِيتًا"، وقد تعوذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أربع منها علم لا ينفع، وعن عمر بن عبد العزيز: "من لم يعد كلامه من عمله كثرت خطاياه، ومن عمل بغير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح"، وقال أيضا: "من عد كلامه من عمله قل كلامه" .
في الأبواب الأخيرة من الجامع أورد مالك قول القاسم بن محمد: "أدركت الناس وما يعجبون بالقول"، ثم فسره بقوله: "يريد بذلك العمل، إنما ينظر إلى عمله، لا ينظر إلى قوله" .
13 شهر ذي الحجة 1440







التوقيع



قال تعالى:" وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا"
  رد مع اقتباس
قديم اليوم, 06:05 AM   رقم المشاركة : 185
معلومات العضو
سماعيل السلفي
مشرف







سماعيل السلفي غير متواجد حالياً

افتراضي رد: خواطر متجددة تحت عنوان" عبر و فكر "

الخاطرة ١٦٨

الدعاة خلفاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم في التبليغ والتعليم، وقد بعث بهذه الأربعة التي ذكرت في سياقات أربعة:
في دعاء إبراهيم عليه الصلاة والسلام بقوله: "رَبَّنَا وَٱبۡعَثۡ فِيهِمۡ رَسُولاً مِّنۡہُمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡہِمۡ ءَايَـٰتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَـٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَيُزَكِّيہِمۡ‌ۚ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ"، وقد استجاب الله دعاءه كما دل عليه القرآن والحديث الصحيح .
وفي قوله تعالى: "كَمَآ أَرۡسَلۡنَا فِيڪُمۡ رَسُولاً مِّنڪُمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡكُمۡ ءَايَـٰتِنَا وَيُزَكِّيڪُمۡ وَيُعَلِّمُڪُمُ ٱلۡكِتَـٰبَ وَٱلۡحِڪۡمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمۡ تَكُونُواْ تَعۡلَمُونَ" .
وقوله: "لَقَدۡ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذۡ بَعَثَ فِيہِمۡ رَسُولاً مِّنۡ أَنفُسِهِمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡہِمۡ ءَايَـٰتِهِۦ وَيُزَڪِّيہِمۡ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَـٰبَ وَٱلۡحِڪۡمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبۡلُ لَفِى ضَلَـٰلٍ مُّبِين" .ٍ
وقوله: "هُوَ ٱلَّذِى بَعَثَ فِى ٱلۡأُمِّيِّـۧنَ رَسُولاً مِّنۡہُمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡہِمۡ ءَايَـٰتِهِۦ وَيُزَكِّيہِمۡ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَـٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبۡلُ لَفِى ضَلَـٰلٍ مُّبِين" .
1- تلاوة الآيات، أي قراءتها عليهم، ولكل مسلم حظّ ما من هذا، أقله قراءة فاتحة الكتاب في الصلاة، وفي صلاة الجماعة .
2 - تعليم الكتاب، ببيان عقائده، وأحكامه، وما فيه من الحلال والحرام، ويلزم من تعليمه تعلم الكتابة والقراءة، أو هو من المُشترك فيعمّهما، وقد حصل، والدليل التاريخي قائم حاسم .
3 - تعليم الحكمة، قيل: "هي المعرفة بالدين، والفقه فيه، و الاتباع له"، وهو مأثور عن مالك رحمه الله، وقيل: "العقل في الدين"، وقيل: "هي السنة"، وهو قول قتادة والشافعي رحمهما الله، والسنة مع السيرة بيان للقرآن، بتفصيل أحكامه، وبيان مراتبها، ومقاصدها، وأسرارها، وفضائلها، وكيفية تعليمها، والدعوة إليها، وأقوال السلف في الحكمة لا تخرج عن هذا المعنى .
4 - التزكية، وهي تنمية الفضائل، والتطهير من الرذائل، الناشئة عن العادات القبيحة، والوساوس والظنون، فتصفو النفس، ويصلح القلب، بتوحيد الله، وإفراده بالعبادة، والخوف منه، والتوكل عليه .
وقد ذكرت هذه الأمور في دعاء إبراهيم مرتبة حسب ظهورها، وإنباء بعضها على بعض، وقدمت التزكية في باقي السياقات؛ لعظم شأنها في الدين، ولأن غيرها وسيلة إليها، ولا ضير أن تكون مقصودة أيضا، أما تلاوة الآيات فقدمت في الجميع لأنها مبدأ النبوة، ومنطلق الرسالة .
في الأربعة حظوظ لسمع المسلم ونطقه وبصره، إذ يتعامل مع كلام ربه، وفيها حظوظ لنفسه وروحه وعقله، فإن هلك فما الحيلة ؟ .
ومن تأمل مواقع الحكمة في القرآن ألفاها :
* ضمن العناصر التي لا بد منها لصلاح الفرد والمجموع كما سبق .
* وفي سياق سياسة الناس والنهوض بالملك، قال تعالى: "وَقَتَلَ دَاوُۥدُ جَالُوتَ وَءَاتَاهُ ٱللَّهُ ٱلۡمُلۡكَ وَٱلۡحِڪۡمَةَ وَعَلَّمَهُۥ مِمَّا يَشَآءُ‌ۗ "، وقال: "وَشَدَدۡنَا مُلۡكَهُۥوَءَاتَيۡنَـٰهُ ٱلۡحِكۡمَةَ وَفَصۡلَ ٱلۡخِطَابِ" .
* وفي مقدمة طرق الدعوة، كما قال الله تعالى: "ٱدۡعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلۡحِكۡمَةِ وَٱلۡمَوۡعِظَةِ ٱلۡحَسَنَةِ‌ۖ وَجَـٰدِلۡهُم بِٱلَّتِى هِىَ أَحۡسَنُ‌ۚ ".
* وفي صفات القائم بالتعليم والتربية: "وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا لُقۡمَـٰنَ ٱلۡحِكۡمَةَ أَنِ ٱشۡكُرۡ لِلَّهِ‌ۚ".
* وختام أوامر ونواهيه مكتنفة بنهيين عن الشرك، دالّين على أنه خزي في الدنيا، وعذاب في الآخرة، في قوله سبحانه: "ذَلِكَ مِمَّآ أَوۡحَىٰٓ إِلَيۡكَ رَبُّكَ مِنَ ٱلۡحِكۡمَةِ‌ۗ "، وقوله "وَٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَمَآ أَنزَلَ عَلَيۡكُم مِّنَ ٱلۡكِتَـٰبِ وَٱلۡحِكۡمَةِ يَعِظُكُم بِهِۦ"
واشتقاق الحكمة من الحكم، وهو المنع، لأنها تحجز المتصف بها عن الخلل في التفكير، والضلال في العمل، بتروّيه وتأنّيه، عدا ما لا يسلم منه غير المعصوم، ولها صلة بالحَكَمة - بفتح الحاء والكاف - وهي الحديدة في اللجام تمنع الفرس من الجماح، وتردعه عن الحراك .
حكمة المسلمين معيار يوزن به ما عند غيرهم من أنواع المعارف والفنون والتجارب، ثم هم أحق بها متى وجدوها، وقد يقال عمن فاق فيها حكيم، وللناس مرجعيات وأصول يعودون إليها في إطلاق هذا الوصف، أما نحن فكدنا نذوب في غيرنا حتى صرنا نقول للسفيه حكيما، وللمعتوه عاقلا، ولا غرابة فقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "يأتي على الناس سنوات خداعات: يؤتمن فيهن الخائن، ويُخوّن الأمين، ويكذّب الصّادق، ويُصدّق الكاذب، وينطق الرويبضة في الشؤون العامة"، قيل: وما الرويبضة"؟، قال: الرجل التافه في أمر العامة"، وقد قيل:
لقد هزلت حتى بدا من هزالها ** كلاها وحتى سامها كل مفلس !! .
18 شهر ذي الحجة 1440 .







التوقيع



قال تعالى:" وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا"
  رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 02:16 PM


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2019, vBulletin Solutions, Inc.
جميع الحقوق محفوظة لمجالس العلم النافع
اختصار الروابط