img img

تنبيه

السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، نُرَحِّبُ بِجَمِيعِ أَعْضَاءِ "مَجَالِسِ العِلْمِ النَّافِعِ" وَزُوَّارِهَا، ونَدْعُوهُم للاطِّلَاع عَلَى بُنُود وقَوانٍينٍ المَجالِسِ ، وَفَّقَنَا اللهُ جَمِيعًا لحُسْنِ الإِفَادَةِ والاستِفَادَةِ

العودة   مَجَالِس العِلْمِ النَّافِعِ > مَجَالِسُ العِلْمِ النَّافِعِ لِشُيُوخِ ودُعَاةِ أَهْل السُّنَّةِ بالجَزَائرِ –حَفِظَهُمْ اللهُ-. > مجالس فضيلة الشيخ خالد لوصيف –حفظه الله-
التسجيل التعليمـــات قائمة الأعضاء التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 01-10-2020, 08:27 PM   رقم المشاركة : 61
معلومات العضو
سماعيل السلفي
مشرف







سماعيل السلفي غير متواجد حالياً

افتراضي رد: من فوائد الشيخ خالد أوصيف حفظه الله تعالى

مقياس أفضلية الأُمم عند ابن مسعود رضي الله عنه

يرى الرافضة أن أفضلية الأُمم تقاس بأفضلية إمامها ولذلك جعلوا الإمام معصوما وحرَّموا تولي المفضول الولاية مع وجود الفاضل وبه قالت طوائف من الخوارج والمعتزلة والمرجئة منهم محمد بن الطيب الباقلاني ومن اتبعه (انظر الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم 4/163)
وخالف أهل السنة فجوزوا ولاية المفضول ...

وإذا لم تكن الأفضلية بالحاكم فبم تكون؟

روى البخاري في صحيحه عن الزبير بن عدي، قال: أتينا أنس بن مالك، فشكونا إليه ما نلقى من الحجاج، فقال: «اصبروا، فإنه لا يأتي عليكم زمان إلا الذي بعده شر منه، حتى تلقوا ربكم» سمعته من نبيكم ﷺ

"قال بن بطال هذا الخبر من أعلام النبوة لإخباره ﷺ بفساد الأحوال وذلك من الغيب الذي لا يُعلم بالرأي وإنما يعلم بالوحي
وقد استُشكل هذا الإطلاق مع أن بعض الأزمنة تكون في الشر دون التي قبلها ولو لم يكن في ذلك إلا زمن عمر بن عبد العزيز وهو بعد زمن الحجاج بيسير وقد اشتهر الخبر الذي كان في زمن عمر بن عبد العزيز بل لو قيل إن الشر اضمحل في زمانه لما كان بعيدا فضلا عن أن يكون شرا من الزمن الذي قبله

وفي توجيه العلماء نقرأ أقوالا منها:

1/ حمله الحسن البصري على الأكثر الأغلب فسئل عن وجود عمر بن عبد العزيز بعد الحجاج فقال لا بد للناس من تنفيس

2/ قال البعض أن المراد بالتفضيل تفضيل مجموع العصر على مجموع العصر فإن عصر الحجاج كان فيه كثير من الصحابة في الأحياء وفي عصر عمر بن عبد العزيز انقرضوا

3/ صرح عبد الله بن مسعود رضي الله عنه بالمراد، فعن زيد بن وهب قال سمعت عبد الله بن مسعود يقول: « لا يأتي عليكم يوم إلا وهو شر من اليوم الذي كان قبله حتى تقوم الساعة لست أعني رخاء من العيش يصيبه ولا مالا يفيده ولكن لا يأتي عليكم يوم إلا وهو أقل علما من اليوم الذي مضى قبله فإذا ذهب العلماء استوى الناس فلا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر فعند ذلك يهلكون »

وفي طريق أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن ابن مسعود زيادة قال: « فأصابتنا سنة خصب فقال ليس ذلك أعني إنما أعني ذهاب العلماء »
ومن طريق الشعبي عن مسروق عنه قال: « لا يأتي عليكم زمان إلا وهو أشر مما كان قبله أما إني لا أعني أميرا خيرا من أمير ولا عاما خيرا من عام ولكن علماؤكم وفقهاؤكم يذهبون ثم لا تجدون منهم خلفا ويجيء قوم يفتون برأيهم »
وفي لفظ عنه من هذا الوجه: « وما ذاك بكثرة الأمطار وقلتها ولكن بذهاب العلماء ثم يحدث قوم يفتون في الأمور برأيهم فيثلمون الإسلام ويهدمونه» " فتح الباري بتصرف 13/21

والروايات السابقة لأثر بن مسعود رضي الله عنه رواها الدارمي في سننه (1/65)، والطبراني في المعجم الكبير (9/105) ، وابن وضاح في البدع (2/70) ، وابن أبي زمنين في أصول السنة (ص55 ) ، والخطيب في الفقيه والمتفقه (1/182) ، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (2/1043) ، والهروي في ذم الكلام وأهله (2/129) ونسبها ابن حجر ليعقوب بن شيبة وحسنها (فتح الباري 13/21)

والناظر في الأثر يجد صحة قوله ، قال ابن حجر في الموضع السابق : (وهو أولى بالاتباع) لاسيما أن معناه له حكم الرفع إلى النبي ﷺ لأنه لا يقال من قبل الرأي ،ثم إن زمن الحجاج -على انتشار الظلم فيه- كان فيه بقية باقية من فقهاء الصحابة وعلماءهم بخلاف زمن عمر بن عبد العزيز -على انتشار العدل فيه- ليس فيه أحد من الصحابة، والزمان الذي فيه الصحابة خير من الزمان الذي بعده لقوله ﷺ: «خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» وهو في الصحيحين وقوله «النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون» أخرجه مسلم

" واستشكلوا أيضا زمان عيسى بن مريم ﷺ بعد زمان الدجال وأجابوا بأجوبة منها :
1/ توجيه الكرماني بأن المراد الزمان الذي يكون بعد عيسى ﷺ أو المراد جنس الزمان الذي فيه الأمراء وإلا فمعلوم من الدين بالضرورة أن زمان النبي المعصوم لا شر فيه

2/ قيل أنه يحتمل أن يكون المراد بالأزمنة المذكورة أزمنة الصحابة بناء على أنهم هم المخاطبون بذلك فيختص بهم ، فأما من بعدهم فلم يقصد في الخبر المذكور ،ويجاب عنه بأن الصحابي فهم التعميم فلذلك أجاب من شكا إليه الحجاج بذلك وأمرهم بالصبر وهم أو جلهم من التابعين

3/ رأى ابن حبان أن حديث أنس رضي الله عنه ليس على عمومه واستدل عليه بالأحاديث الواردة في المهدي وأنه يملأ الأرض عدلا بعد أن ملئت جورا (صحيح ابن حبان 13/282)

4/ رجح ابن حجر أن يكون المراد بالأزمنة ما قبل وجود العلامات العظام كالدجال وما بعده ويكون المراد بالأزمنة المتفاضلة في الشر من زمن الحجاج فما بعده إلى زمن الدجال ،وأما زمن عيسى ﷺ فله حكم مستأنف، ثم جعل الحافظ رحمه الله أصلح التفاسير تفسير ابن مسعود السابق" انظر فتح الباري بتصرف 13/21

وهنا حجر الزاوية في مسألتنا فنقول:

لا تقاس أفضلية الأمم بأفضلية حكَّامها، مهما كانت صفات الخيرية فيهم ،ولا تقاس أيضا بدرجة الرفاهية الاقتصادية ووفرة الأموال لدى الأفراد والجماعات ،وهما المقياسان اللذان نفاهما ابن مسعود رضي الله عنه ، الأول بقوله : « لا أعني أميرا خيرا من أمير » والآخر بقوله : « لست أعني رخاء من العيش يصيبه ولا مالا يفيده»

وقد جمع الله لبني إسرائيل بين الوصفين السابقين فقال على لسان نبيه موسى ﷺ: ﴿ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً وَآتاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ ﴾ ولم يكن الأنبياء فيهم مجرد دعاة فحسب بل كانوا حكام وملوكا يسوسونهم بالتوارة ولا خيرية بعد خيرية الأنبياء دعاة وحُكاما قال تعالى: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ ﴾ ويؤكده خبر الصحيحين : «كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي » قال النووي: ( أي يتولون أمورهم كما تفعل الأمراء والولاة بالرعية والسياسة القيام على الشيء بما يصلحه) شرح صحيح مسلم 12/231
ومع هذا كله لم يرفع الله عنهم مقته وغضبه وكتب عليهم الذلة والمهانة إلى قيام الساعة
وبالمقابل أثبت ابن مسعود رضي الله عنه لأفضلية الأمم مقياسا واحدا هو مقياس العلم والعلماء ، العلم انتشارا وانحسارا والعلماء بقاء وذهابا ، حيث قال مقررا : «...ولكن لا يأتي عليكم يوم إلا وهو أقل علما من اليوم الذي مضى قبله فإذا ذهب العلماء استوى الناس» وقال : «......إنما أعني ذهاب العلماء » وقال أيضا : « ولكن علماؤكم وفقهاؤكم يذهبون ...»

وقد وردت نصوص تبين أن العالمَ بكائناته الحية – حتى النملة في جحرها والحوت في الماء-يستغفر لمعلم الناس الخير كما رواه الترمذي في سننه ، وهذا يدل على أن نشر العلم وإشاعته بين الناس سبب من أسباب نجاتهم وسعادتهم وزكاة نفوسهم حتى تعدت الخيرية إلى الكون كله ،وهذا بمقابل لعنها لمن تسبب في كتمان العلم وانحساره كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ ﴾ قال الربيع بن أنس : (اللاعنون : من ملائكة الله والمؤمنين) وعن عكرمة في قوله: (أولئك يَلعنهم اللهُ ويَلعنهم اللاعنون) قال: ( يلعنهم كل شيء حتى الخنافس والعقاربُ، يقولون: مُنعنا القطرَ بذنوب بني آدم) رواهما الطبري في تفسيره 3/255

ودلت نصوص أخرى على أن خراب العالمَ بموت العالِم قال تعالى : ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾ قال ابن عباس : «ذهابُ علمائها وفقهائِها وخيار أهلِها» ومثله عن مجاهد رواهما الطبري في تفسيره 16/ 497
الْأَرْضُ تحيَا إِذَا مَا عَاش عَالِمُهَا ... مَتَى يمُتْ عَالم مِنْهَا يمُت طَرفُ
كَالْأَرْضِ تحْيَا إِذَا مَا الْغَيْثُ حَل بِهَا ... وَإِنْ أَبَى عَاد فِي أكنافهَا التَّلَفُ

ومن فقه عمر بن الخطاب رضي الله عنه في الإمارة ما حكاه عنه تميم الداري رضي الله عنه: قال: تطاول الناس في البناء في زمن عمر رضي الله عنه فقال لهم: «يا معشر العريب، الأرض الأرض، إنه لا إسلام إلا بجماعة، ولا جماعة إلا بإمارة، ولا إمارة إلا بطاعة، فمن سوده قومه على الفقه، كان حياة له ولهم، ومن سوده قومه على غير فقه، كان هلاكا له ولهم» رواه الدارمي في سننه

أيها الناس

"العلم ... العلم ...

أيها الشباب
لا يلهيكم عنه سمسار أحزاب، ينفخ في ميزاب، ولا داعية انتخاب في المجامع صخاب، ولا يلفتنكم عنه معلل بسراب، ولا حاو بجراب، ولا عاو في خراب يأتَمُّ بغراب، ولا يَفْتِنَنَّكُمْ منزو في خنقة ولا ملتو في زنقة، ولا جالس في ساباط، على بساط يحاكي فيكم سنة الله في الأسباط، فكل واحد من هؤلاء مشعوذ خلاب، وساحر كذاب" آثار الإمام الإبراهيمي 3/316
" وهذه الإيحاءات، والإحالات من الإمام الإبراهيمي على تعددها تشير، منفردة ومجتمعة، إلى آفات المجتمع الجزائري آنذاك، وهي آفات فيها الحزبي المخادع باسم السياسة، وفيها الطرقي المضلل باسم الدين، وفيها المشعوذ، والحاوي ولازالت هذه الآفات المقيتة اليوم فاحذرها" انظر تعليق أحمد طالب الإبراهيمي في آثار والده 3/17

وفي آخر المقال أقول :إن صنيع الحافظ ابن حجر في حل الإشكالين السابقين بالرجوع إلى أثر ابن مسعود رضي الله عنه والتزامه القول بقوله وعدم مخالفته بالأراء يعدُّ من مناقب الحافظ رحمه الله وهي منقبة لأهل الحديث قاطبة الذين لا ينخدعون بالآراء المزخرفة ولا بالأفكار المستوردة قال الأوزاعي: «عليك بآثار من سلف، وإن رفضك الناس. وإياك ورأي الرجال، وإن زخرفوه بالقول. فإن الأمر ينجلي، وأنت على طريق مستقيم» رواه الخطيب في شرف أصحاب الحديث ص7
وقال أيضا : (اصبر نفسك على السنة وقف حيث وقف القوم وقل فيما قالوا وكف عما كفوا واسلك سبيل سلفك الصالح فإنه يسعك ما يسعهم لست آمن إلا أن يدفع الله شر هذه البدعة من أن يصيروا إخوانا بعد تواد إلى تفرق في دينهم وتباغض ولو كان خيرا ما خصصتم به دون أسلافكم وإنه لم يدخر عنهم خير خبيء لكم دونهم لفضل عندكم وهم أصحاب محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم اختارهم الله وبعثه فيهم ووصفهم بما وصفهم به ) رواه الهروي في ذم الكلام وأهله 5/117

والله أعلى وأعلم وهو هادي الخلق إلى الحق وهو أرحم الراحمين







التوقيع



قال تعالى:" وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا"
  رد مع اقتباس
قديم 01-14-2020, 07:25 PM   رقم المشاركة : 62
معلومات العضو
سماعيل السلفي
مشرف







سماعيل السلفي غير متواجد حالياً

افتراضي رد: من فوائد الشيخ خالد أوصيف حفظه الله تعالى

مقياس أفضلية الأُمم عند ابن مسعود رضي الله عنه

يرى الرافضة أن أفضلية الأُمم تقاس بأفضلية إمامها ولذلك جعلوا الإمام معصوما وحرَّموا تولي المفضول الولاية مع وجود الفاضل وبه قالت طوائف من الخوارج والمعتزلة والمرجئة منهم محمد بن الطيب الباقلاني ومن اتبعه (انظر الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم 4/163)
وخالف أهل السنة فجوزوا ولاية المفضول ...

وإذا لم تكن الأفضلية بالحاكم فبم تكون؟

روى البخاري في صحيحه عن الزبير بن عدي، قال: أتينا أنس بن مالك، فشكونا إليه ما نلقى من الحجاج، فقال: «اصبروا، فإنه لا يأتي عليكم زمان إلا الذي بعده شر منه، حتى تلقوا ربكم» سمعته من نبيكم ﷺ

"قال بن بطال هذا الخبر من أعلام النبوة لإخباره ﷺ بفساد الأحوال وذلك من الغيب الذي لا يُعلم بالرأي وإنما يعلم بالوحي
وقد استُشكل هذا الإطلاق مع أن بعض الأزمنة تكون في الشر دون التي قبلها ولو لم يكن في ذلك إلا زمن عمر بن عبد العزيز وهو بعد زمن الحجاج بيسير وقد اشتهر الخبر الذي كان في زمن عمر بن عبد العزيز بل لو قيل إن الشر اضمحل في زمانه لما كان بعيدا فضلا عن أن يكون شرا من الزمن الذي قبله

وفي توجيه العلماء نقرأ أقوالا منها:

1/ حمله الحسن البصري على الأكثر الأغلب فسئل عن وجود عمر بن عبد العزيز بعد الحجاج فقال لا بد للناس من تنفيس

2/ قال البعض أن المراد بالتفضيل تفضيل مجموع العصر على مجموع العصر فإن عصر الحجاج كان فيه كثير من الصحابة في الأحياء وفي عصر عمر بن عبد العزيز انقرضوا

3/ صرح عبد الله بن مسعود رضي الله عنه بالمراد، فعن زيد بن وهب قال سمعت عبد الله بن مسعود يقول: « لا يأتي عليكم يوم إلا وهو شر من اليوم الذي كان قبله حتى تقوم الساعة لست أعني رخاء من العيش يصيبه ولا مالا يفيده ولكن لا يأتي عليكم يوم إلا وهو أقل علما من اليوم الذي مضى قبله فإذا ذهب العلماء استوى الناس فلا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر فعند ذلك يهلكون »

وفي طريق أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن ابن مسعود زيادة قال: « فأصابتنا سنة خصب فقال ليس ذلك أعني إنما أعني ذهاب العلماء »
ومن طريق الشعبي عن مسروق عنه قال: « لا يأتي عليكم زمان إلا وهو أشر مما كان قبله أما إني لا أعني أميرا خيرا من أمير ولا عاما خيرا من عام ولكن علماؤكم وفقهاؤكم يذهبون ثم لا تجدون منهم خلفا ويجيء قوم يفتون برأيهم »
وفي لفظ عنه من هذا الوجه: « وما ذاك بكثرة الأمطار وقلتها ولكن بذهاب العلماء ثم يحدث قوم يفتون في الأمور برأيهم فيثلمون الإسلام ويهدمونه» " فتح الباري بتصرف 13/21

والروايات السابقة لأثر بن مسعود رضي الله عنه رواها الدارمي في سننه (1/65)، والطبراني في المعجم الكبير (9/105) ، وابن وضاح في البدع (2/70) ، وابن أبي زمنين في أصول السنة (ص55 ) ، والخطيب في الفقيه والمتفقه (1/182) ، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (2/1043) ، والهروي في ذم الكلام وأهله (2/129) ونسبها ابن حجر ليعقوب بن شيبة وحسنها (فتح الباري 13/21)

والناظر في الأثر يجد صحة قوله ، قال ابن حجر في الموضع السابق : (وهو أولى بالاتباع) لاسيما أن معناه له حكم الرفع إلى النبي ﷺ لأنه لا يقال من قبل الرأي ،ثم إن زمن الحجاج -على انتشار الظلم فيه- كان فيه بقية باقية من فقهاء الصحابة وعلماءهم بخلاف زمن عمر بن عبد العزيز -على انتشار العدل فيه- ليس فيه أحد من الصحابة، والزمان الذي فيه الصحابة خير من الزمان الذي بعده لقوله ﷺ: «خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» وهو في الصحيحين وقوله «النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون» أخرجه مسلم

" واستشكلوا أيضا زمان عيسى بن مريم ﷺ بعد زمان الدجال وأجابوا بأجوبة منها :
1/ توجيه الكرماني بأن المراد الزمان الذي يكون بعد عيسى ﷺ أو المراد جنس الزمان الذي فيه الأمراء وإلا فمعلوم من الدين بالضرورة أن زمان النبي المعصوم لا شر فيه

2/ قيل أنه يحتمل أن يكون المراد بالأزمنة المذكورة أزمنة الصحابة بناء على أنهم هم المخاطبون بذلك فيختص بهم ، فأما من بعدهم فلم يقصد في الخبر المذكور ،ويجاب عنه بأن الصحابي فهم التعميم فلذلك أجاب من شكا إليه الحجاج بذلك وأمرهم بالصبر وهم أو جلهم من التابعين

3/ رأى ابن حبان أن حديث أنس رضي الله عنه ليس على عمومه واستدل عليه بالأحاديث الواردة في المهدي وأنه يملأ الأرض عدلا بعد أن ملئت جورا (صحيح ابن حبان 13/282)

4/ رجح ابن حجر أن يكون المراد بالأزمنة ما قبل وجود العلامات العظام كالدجال وما بعده ويكون المراد بالأزمنة المتفاضلة في الشر من زمن الحجاج فما بعده إلى زمن الدجال ،وأما زمن عيسى ﷺ فله حكم مستأنف، ثم جعل الحافظ رحمه الله أصلح التفاسير تفسير ابن مسعود السابق" انظر فتح الباري بتصرف 13/21

وهنا حجر الزاوية في مسألتنا فنقول:

لا تقاس أفضلية الأمم بأفضلية حكَّامها، مهما كانت صفات الخيرية فيهم ،ولا تقاس أيضا بدرجة الرفاهية الاقتصادية ووفرة الأموال لدى الأفراد والجماعات ،وهما المقياسان اللذان نفاهما ابن مسعود رضي الله عنه ، الأول بقوله : « لا أعني أميرا خيرا من أمير » والآخر بقوله : « لست أعني رخاء من العيش يصيبه ولا مالا يفيده»

وقد جمع الله لبني إسرائيل بين الوصفين السابقين فقال على لسان نبيه موسى ﷺ: ﴿ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً وَآتاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ ﴾ ولم يكن الأنبياء فيهم مجرد دعاة فحسب بل كانوا حكام وملوكا يسوسونهم بالتوارة ولا خيرية بعد خيرية الأنبياء دعاة وحُكاما قال تعالى: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ ﴾ ويؤكده خبر الصحيحين : «كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي » قال النووي: ( أي يتولون أمورهم كما تفعل الأمراء والولاة بالرعية والسياسة القيام على الشيء بما يصلحه) شرح صحيح مسلم 12/231
ومع هذا كله لم يرفع الله عنهم مقته وغضبه وكتب عليهم الذلة والمهانة إلى قيام الساعة
وبالمقابل أثبت ابن مسعود رضي الله عنه لأفضلية الأمم مقياسا واحدا هو مقياس العلم والعلماء ، العلم انتشارا وانحسارا والعلماء بقاء وذهابا ، حيث قال مقررا : «...ولكن لا يأتي عليكم يوم إلا وهو أقل علما من اليوم الذي مضى قبله فإذا ذهب العلماء استوى الناس» وقال : «......إنما أعني ذهاب العلماء » وقال أيضا : « ولكن علماؤكم وفقهاؤكم يذهبون ...»

وقد وردت نصوص تبين أن العالمَ بكائناته الحية – حتى النملة في جحرها والحوت في الماء-يستغفر لمعلم الناس الخير كما رواه الترمذي في سننه ، وهذا يدل على أن نشر العلم وإشاعته بين الناس سبب من أسباب نجاتهم وسعادتهم وزكاة نفوسهم حتى تعدت الخيرية إلى الكون كله ،وهذا بمقابل لعنها لمن تسبب في كتمان العلم وانحساره كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ ﴾ قال الربيع بن أنس : (اللاعنون : من ملائكة الله والمؤمنين) وعن عكرمة في قوله: (أولئك يَلعنهم اللهُ ويَلعنهم اللاعنون) قال: ( يلعنهم كل شيء حتى الخنافس والعقاربُ، يقولون: مُنعنا القطرَ بذنوب بني آدم) رواهما الطبري في تفسيره 3/255

ودلت نصوص أخرى على أن خراب العالمَ بموت العالِم قال تعالى : ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾ قال ابن عباس : «ذهابُ علمائها وفقهائِها وخيار أهلِها» ومثله عن مجاهد رواهما الطبري في تفسيره 16/ 497
الْأَرْضُ تحيَا إِذَا مَا عَاش عَالِمُهَا ... مَتَى يمُتْ عَالم مِنْهَا يمُت طَرفُ
كَالْأَرْضِ تحْيَا إِذَا مَا الْغَيْثُ حَل بِهَا ... وَإِنْ أَبَى عَاد فِي أكنافهَا التَّلَفُ

ومن فقه عمر بن الخطاب رضي الله عنه في الإمارة ما حكاه عنه تميم الداري رضي الله عنه: قال: تطاول الناس في البناء في زمن عمر رضي الله عنه فقال لهم: «يا معشر العريب، الأرض الأرض، إنه لا إسلام إلا بجماعة، ولا جماعة إلا بإمارة، ولا إمارة إلا بطاعة، فمن سوده قومه على الفقه، كان حياة له ولهم، ومن سوده قومه على غير فقه، كان هلاكا له ولهم» رواه الدارمي في سننه

أيها الناس

"العلم ... العلم ...

أيها الشباب
لا يلهيكم عنه سمسار أحزاب، ينفخ في ميزاب، ولا داعية انتخاب في المجامع صخاب، ولا يلفتنكم عنه معلل بسراب، ولا حاو بجراب، ولا عاو في خراب يأتَمُّ بغراب، ولا يَفْتِنَنَّكُمْ منزو في خنقة ولا ملتو في زنقة، ولا جالس في ساباط، على بساط يحاكي فيكم سنة الله في الأسباط، فكل واحد من هؤلاء مشعوذ خلاب، وساحر كذاب" آثار الإمام الإبراهيمي 3/316
" وهذه الإيحاءات، والإحالات من الإمام الإبراهيمي على تعددها تشير، منفردة ومجتمعة، إلى آفات المجتمع الجزائري آنذاك، وهي آفات فيها الحزبي المخادع باسم السياسة، وفيها الطرقي المضلل باسم الدين، وفيها المشعوذ، والحاوي ولازالت هذه الآفات المقيتة اليوم فاحذرها" انظر تعليق أحمد طالب الإبراهيمي في آثار والده 3/17

وفي آخر المقال أقول :إن صنيع الحافظ ابن حجر في حل الإشكالين السابقين بالرجوع إلى أثر ابن مسعود رضي الله عنه والتزامه القول بقوله وعدم مخالفته بالأراء يعدُّ من مناقب الحافظ رحمه الله وهي منقبة لأهل الحديث قاطبة الذين لا ينخدعون بالآراء المزخرفة ولا بالأفكار المستوردة قال الأوزاعي: «عليك بآثار من سلف، وإن رفضك الناس. وإياك ورأي الرجال، وإن زخرفوه بالقول. فإن الأمر ينجلي، وأنت على طريق مستقيم» رواه الخطيب في شرف أصحاب الحديث ص7
وقال أيضا : (اصبر نفسك على السنة وقف حيث وقف القوم وقل فيما قالوا وكف عما كفوا واسلك سبيل سلفك الصالح فإنه يسعك ما يسعهم لست آمن إلا أن يدفع الله شر هذه البدعة من أن يصيروا إخوانا بعد تواد إلى تفرق في دينهم وتباغض ولو كان خيرا ما خصصتم به دون أسلافكم وإنه لم يدخر عنهم خير خبيء لكم دونهم لفضل عندكم وهم أصحاب محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم اختارهم الله وبعثه فيهم ووصفهم بما وصفهم به ) رواه الهروي في ذم الكلام وأهله 5/117

والله أعلى وأعلم وهو هادي الخلق إلى الحق وهو أرحم الراحمين







التوقيع



قال تعالى:" وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا"
  رد مع اقتباس
قديم 08-14-2020, 07:15 AM   رقم المشاركة : 63
معلومات العضو
سماعيل السلفي
مشرف







سماعيل السلفي غير متواجد حالياً

افتراضي رد: من فوائد الشيخ خالد أوصيف حفظه الله تعالى

تباعد المأمومين في صلاة الجماعة

1/ ما معنى إقامة الصفوف ؟

الجماعة في الفرض والنفل داخلة في عموم الأمر بتسوية الصفوف وسد الفرج لقوله عليه الصلاة والسلام فيما رواه أبو داود في سننه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «أَقِيمُوا الصُّفُوفَ وَحَاذُوا بَيْنَ الْمَنَاكِبِ وَسُدُّوا الْخَلَلَ وَلِينُوا بِأَيْدِي إِخْوَانِكُمْ وَلَا تَذَرُوا فُرُجَاتٍ لِلشَّيْطَانِ وَمَنْ وَصَلَ صَفًّا وَصَلَهُ اللَّهُ، وَمَنْ قَطَعَ صَفًّا قَطَعَهُ اللَّهُ»
ومعنى إقامة الصفوف وتراصها ورد فيما رواه البخاري في صحيحه عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ، فَإِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي، وَكَانَ أَحَدُنَا يُلْزِقُ مَنْكِبَهُ بِمَنْكِبِ صَاحِبِهِ، وَقَدَمَهُ بِقَدَمِهِ»

" قَالَ الْكِسَائِيُّ: التَّرَاصُّ أَنْ يَلْتَصِقَ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ، حَتَّى لَا يَكُونَ بَيْنَهُمْ خَلَلٌ، وَمِنْهُ قَوْلُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿ كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ ﴾ " الأوسط لابن المنذر4/ 178 وانظر شرح البخاري لابن بطال 2/ 348 وطرح التثريب 2/ 324

2/ هل تصح الصلاة مع التباعد بين المأمومين؟

تصح الصلاة مع التباعد للحاجة كما هو الحال في زماننا هذا حيث انتشر الوباء في عموم البلاد

ويدل عليه :

الأول : سد الفرج سنة وهو من تمام الصلاة وكمالها ، وعدمه لا يقدح في صحتها، وهو قول أهل العلم سلفا وخلفا وهو قول الأئمة الأربعة (المجموع شرح المهذب 4/ 301 وطرح التثريب 2 /325 ونُقل فيه الإجماع انظر المحلى 2/ 375 وسيأتي موقف ابن حزم قريبا) لما رواه البخاري ومسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « وَأَقِيمُوا الصَّفَّ فِي الصَّلاَةِ، فَإِنَّ إِقَامَةَ الصَّفِّ مِنْ حُسْنِ الصَّلاَةِ » والحديث واضح الدلالة على ما مضى وهو صارف لأحاديث الفقرة السابقة عن الوجوب فلو كان واجبا أو شرط صحة لما جعله من حسن الصلاة ، لأن حسن الشيئ زائد على حقيقة الشيئ التي لا يتحقق إلا بها فحسن الشيئ ليس هو الشيئ وإن كان يطلق بحسب الوضع على ما لا تتم الحقيقة إلا به ، انظر إكمال المعلم 2/ 346 وشرح البخاري لابن بطال 2/ 347 وفتح الباري لابن رجب 6/ 278 وطرح التثريب 2/ 325

فإن قلنا بالوجوب فإن الصلاة أيضا لا تبطل لاختلاف الجهتين، وقد يقال هي من تمام كمال الصلاة وإن كانت واجبة في نفسها ،ولكن تسقط للحاجة خلافا لابن حزم القائل بالوجوب والبطلان ( المحلى 2/ 372 وممن قال بالوجوب أيضا مغلطاي في شرحه على ابن ماجة 1/222)
وانظر الرد على ابن حزم في فتح الباري لابن حجر 2/ 209 وشرح أبي داود للعيني 3/ 212 وعمدة القاري 5/ 256 )

الثاني : ورد في بطلان صلاة المنفرد خلف الصف أحاديث، إلا أنها تصح لعذر فقد روى البخاري في صحيحه عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، أَنَّهُ انْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ رَاكِعٌ، فَرَكَعَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى الصَّفِّ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا وَلاَ تَعُدْ»
وفعله رضي الله عنه لإدراك الركعة، ومن باب أولى فعله للوقاية من الوباء، والتباعد أخف بكثير من صلاة المنفرد خلف الصف، لأنه لم يرد في بطلان صلاته نص بخلاف صلاة المنفرد
ثم إن التباعد بين المأمومين ليس هو من باب صلاة المنفرد خلف الصف لوجود مأمومين معه
ولو قلنا إنه مثله فنقول إن الجمهور على تصحيح صلاته بلا عذر وحينها لا يلحق حكمه بالجماعة المتباعدين لوجود عذر للتباعد

الثالث: إقامة الصفوف في الجماعة أولى من سد الفرج لأن الاصطفاف واجب ولا معنى للجماعة بدونه وأما سد الفرج فمستحب كما سبق

الرابع : لتسوية الصفوف وسد الخلل عند العلماء معان منها: " حصول الاستقامة والاعتدال في الظاهر كما هو المطلوب باطنا/ لئلا يتخللهم الشيطان فيفسد صلاتهم بالوسوسة / حسن الهيئة/ تمكنهم من صلاتهم مع كثرة جمعهم فإذا تراصوا وسع جميعهم المسجد وإذا لم يفعلوا ذلك ضاق عنهم/ أن لا يشغل بعضهم بعضا بالنظر إلى ما يشغله منه إذا كانوا مختلفين وإذا اصطفوا غابت وجوه بعضهم عن بعض وكثير من حركاتهم وإنما يلي بعضهم من بعض ظهورهم" طرح التثريب بتصرف يسير2 /326
وإقامة الجماعة مع التباعد للحاجة أولى من عدم إقامتها لفوات هذه المعاني

الخامس: صلاة الجماعة مع التباعد بين المأمومين أولى من الصلاة وهم منفردين، لما في الجماعة من الفضائل الكثيرة الواردة في الكتاب والسنة والقول ببطلان صلاة المتباعدين تضييع لها

السادس : من الأصول الكلية في الشريعة سقوط الواجب بالعجز كاستقبال القبلة والقيام في الفرض وصحت صلاة العاري إذا لم يجد ثوبا مع فوت شرط ستر العورة بل إن صلى العراة جماعة صحت بشروطها (بدائع الصنائع1 /141 والنوادر والزيادات لابن أبي زيد1 /253 والتوضيح شرح ابن الحاجب1 /309 والأم للشافعي1 /111 والمجموع للنووي 3/185 والمغني لابن قدامة 1/124 ومجموع فتاوى ابن تيمية28 /389) فلأن تصح مع انقطاع الصفوف للحاجة أولى من ذلك كله ، لأن قطع الصفوف والتباعد بين المأمومين أخف من صلاة العاري منفردا وأخف أيضا من صلاة العراة جماعة ، فستر العورة واجب داخل الصلاة وخارجها بخلاف التقارب بين المأمومين سنة داخل الصلاة

ويسقط الواجب بأقل مما مضى فالجماعة تسقط بالمطر والطين والحرج ونحوها فمن باب أولى سقوط المستحب في الجماعة لجلب مصلحة أو دفع مفسدة كما هو الحال اليوم ،فليس المطر والطين والحرج بأضر على المسلمين من الوباء
ويدل على عموم ما سبق قوله تعالى: ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ﴾ وما في الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «... وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ»
وقواعد أهل العلم المستنبطة منهما كثيرة كقولهم ما لايدرك كله لا يترك جله والميسور لا يسقط بالمعسور ونحوهما

السابع : في صلاة الجماعة بتباعد المأمومين شَبَهٌ بصلاة الخوف وقد يكون فيها من التباعد والمشي والعَدْو ما هو أكثر من تباعد المأمومين اليوم

-فإن قيل ما حد التباعد الذي تصح معه الصلاة؟

فالجواب: ليس للفقهاء حد معين فيه فما دامت الجماعة قائمة صحت الصلاة إلا أن الشافعية ضبطوا صحة الصلاة بالتقارب بين المأمومين في الصفوف وقيدوه بثلاثمائة ذراع على خلاف هل هو للتحديد أو للتقريب قال النووي : ولو وقف واحد عن يمين الإمام على ثلاثمائة ذراع وآخر عن يساره كذلك وآخر وراءه كذلك ثم وراء كل واحد أو عن جنبه آخر أوصف على هذه المسافة ثم آخر ثم آخر وكثروا صحت صلاة الجميع إذا علموا صلاة الإمام (المجموع شرح المهذب 4/ 305 )

وجعله البعض صورا متعددة منها أن يكون التباعد عن يسار الإمام بقدر وقوف ثلاثة رجال أو أكثر انظر الانصاف للمرداوي 4/ 424 وحاشية ابن قائد 1/ 318 وشرح منتهى الارادات 1/ 284

وقيل إن المالكية وسعوا دائرة التباعد أكثر من غيرهم، وسيأتي تحقيق قولهم

-فإن قال قائل قد مر على الأمة طواعين وأوبئة كثيرة ولم يقل أحد بهذه الهيئة في الصلاة فتكون هيئة مخترعة .

وفي الجواب يقال: إن ما بين القديم والحديث في معرفة أسباب الأمراض خاصة المعدية منها فرق شاسع وبون كبير ، وقد أجمع أهل الاختصاص اليوم أن الوباء ينتشر بملامسة الرذاذ المنبعث من العطاس والسعال وأجمعوا على أن في المباعدة سلامة من المرض ،والمساجد ( مواضع وأماكن السجود) وإن كانت شريفة القدر في الإسلام إلا أنها ليست منزهة عن الوباء خاصة مع رص الصفوف وإلزاق المناكب والأقدام بعضها مع بعض

3/ هل تصح الصلاة مع وجود حائل بين الصفوف؟

-تصح الصلاة مع وجود حائل بين الصفوف سواء كان داخل المسجد أو خارجه إذا اتصلت الصفوف باتفاق الأئمة (مجموع فتاوى ابن تيمية 23/ 407) ونقل النووي إجماع المسلمين على صحة الصلاة إذا كانوا داخل المسجد مع اتحاد البناء أو اختلافه وكذلك صحتها إذا عُرفت انتقالات الإمام (المجموع شرح المهذب 4 /302-309)

-وإذا لم تتصل الصفوف فخلاف مشهور وسببه اختلافهم في اعتبار اتصال الصفوف شرط صحة أو شرط كمال فمن قال إنه شرط صحة قال بالبطلان ومن قال إنه شرط كمال قال بالصحة
والصحيح أنها تصح إذا شُوهد شخص الإمام أو سمعت تكبيراته وفي منزلتهما سماع من يسمع الإمام ومشاهدة من يشاهده ، وفي اعتبار هذه الأحوال الأربعة في الاقتداء بالإمام إجماع (المجموع شرح المهذب4 /309)

ويدل عليه ما يلي :

-قال البخاري : في صحيحه باب إِذَا كَانَ بَيْنَ الإمَامِ وَبَيْنَ الْقَوْمِ حَائِطٌ أَوْ سُتْرَةٌ قَالَ الْحَسَنُ: لا بَأْسَ أَنْ تُصَلِّيَ وَبَيْنَكَ وَبَيْنَهُ نَهْرٌ. وَقَالَ أَبُو مِجْلَزٍ: يَأْتَمُّ بِالإمَامِ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا جِدَارٌ أَوْ طَرِيقٌ، إِذَا سَمِعَ تَكْبِيرَ الإمَامِ ثم أسند عن عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ فِي حُجْرَتِهِ، وَجِدَارُ الْحُجْرَةِ قَصِيرٌ، فَرَأَى النَّاسُ شَخْصَ النَّبِيِّ عليه السلام، فَقَامَ أُنَاسٌ يُصَلُّونَ بِصَلاتِهِ

وفيه أيضا عن زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ اتَّخَذَ حُجْرَةً - حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ: مِنْ حَصِيرٍ - فِي رَمَضَانَ، فَصَلَّى فِيهَا لَيَالِيَ، فَصَلَّى بِصَلاتِهِ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ

والحديثان يدلان على أن الصلاة أجزأتهم ولو لم تجزئهم لأخبرهم النبي عليه الصلاة والسلام بذلك لأنه بُعث معلمًا وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، وأثر الحسن ورد موصولا بمعناه عند سعيد بن منصور في سننه بسند صحيح وأثر أبي مجلز عند ابن أبي شيبة وعبد الرزاق في مصنفيهما وهو صحيح أيضا، انظر فتح الباري لابن حجر 214/2

وفي الحديث الأول التصريح بأنهم كانوا يرون شخصه، فجعلوا علة الصحة الاستطراق والمشاهدة لأنهما توصلان إلى معرفة انتقالات الإمام وهي شرط بالإجماع (المجموع للنووي 4/ 309 وانظر فتح الباري لابن رجب6 /300)

ومما ورد من فعل الصحابة والتابعين :

" عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تُصَلِّي بِصَلَاةِ الْإِمَامِ فِي بَيْتِهَا وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ وعَنْ صَالِحِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ «أَنَّهُ رَأَى أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ صَلَّى الْجُمُعَةَ فِي دَارِ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِصَلَاةِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَبَيْنَهُمَا طَرِيقٌ» وعَنْ صَالِحٍ مَوْلَى التَّوْأَمَةِ: أَنَّهُ رَأَى أَبَا هُرَيْرَةَ «يُصَلِّي عَلَى ظَهْرِ الْمَسْجِدِ بِصَلَاةِ الْإِمَامِ وَهُوَ تَحْتَهُ»
وعَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ قَالَ: «جِئْتُ أَنَا، وَأَبِي مُرَّةَ، فَوَجَدْنَا الْمَسْجِدَ قَدِ امْتَلَأَ، فَصَلَّيْنَا بِصَلَاةِ الْإِمَامِ فِي دَارٍ عِنْدَ الْمَسْجِدِ بَيْنَهُمَا طَرِيقٌ» رواه عبد الرزاق في مصنفه ورُوى مثله عن سالم، وابن سيرين (شرح البخاري لابن بطال 2/ 350 )

-"قال الأوزاعي في السفينتين، يأتم مِن في أحداهما بإمام الأخرى: الصلاة جائزةٌ، وإن كانَ بينهما فرجةٌ، إذا كانَ أمام الأخرى وبه قالَ الثوري" فتح الباري لابن رجب 6/297

-وبه قال المالكية المدونة 1/ 175 - 176 وشرح الخرشي2/ 37 والشرح الكبير للشيخ الدردير 1/ 337

-وهو المشهور عند الشافعية وصرحوا باشتراط الرؤية ولو لبعض الصلاة مع إمكان الاقتداء :انظر تفصيل الشيرازي في المهذب ثم تفريع النووي عليه وبعض صوره كالصور التي سئل عنها الإمام مالك المجموع للنووي 308/4

-وهو قول أيضا عند الحنابلة مع اشتراط الرؤية : انظر المغني2 /152 وقيد ابن تيمية صحتها بالحاجة فقال : وأما إذا كان بينهما حائل يمنع الرؤية والاستطراق ففيها عدة أقوال في مذهب أحمد وغيره. قيل: يجوز وقيل: لا يجوز. وقيل: يجوز في المسجد دون غيره. وقيل: يجوز مع الحاجة ولا يجوز بدون الحاجة. ولا ريب أن ذلك جائز مع الحاجة مطلقا: مثل أن تكون أبواب المسجد مغلقة أو تكون المقصورة التي فيها الإمام مغلقة أو نحو ذلك. فهنا لو كانت الرؤية واجبة لسقطت للحاجة. كما تقدم فإنه قد تقدم أن واجبات الصلاة والجماعة تسقط بالعذر وأن الصلاة في الجماعة خير من صلاة الإنسان وحده بكل حال (مجموع الفتاوى23 /407-408)

وقال أيضا : وإذا كان القيام والقراءة وإتمام الركوع والسجود والطهارة بالماء وغير ذلك يسقط بالعجز فكذلك الاصطفاف وترك التقدم. وطرد هذا بقية مسائل الصفوف كمسألة من صلى ولم ير الإمام ولا من وراءه مع سماعه للتكبير وغير ذلك (مجموع الفتاوى23/ 397)

-خلافا للحنفية القائلين ببطلان الصلاة إلا أن السرخسي صحح الصلاة في بعض صور المسألة ( المبسوط 1/ 193 ) واستدل من قال بالبطلان بما رُوي عَن عائشة، أن نسوةً صلْين في حجرتها، فقالت: لا تصلِّين بصلاة الإمام؛ فإنكنَّ في حجابٍ. وهو ضعيف انظر فتح الباري لابن رجب6 /300

والله أعلى أعلم وأجل وأكرم ، وهو من وراء القصد وهو يهدي السبيل .







التوقيع



قال تعالى:" وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا"
  رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 04:12 AM


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2020, vBulletin Solutions, Inc.
جميع الحقوق محفوظة لمجالس العلم النافع
اختصار الروابط