عرض مشاركة واحدة
قديم 01-13-2018, 11:32 AM   رقم المشاركة : 9
معلومات العضو
سماعيل السلفي
مشرف







سماعيل السلفي غير متواجد حالياً

افتراضي رد: شرح منظومة سلم الوصول للحافظ الحكمي شرح الدكتور عبد الله الجنابي.

المجلس التاسع من شرح منظومة سلم الوصول للحافظ الحكمي
شرح الدكتور عبد الله الجنابي.

الحمد لله ‏رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على محمد عبده ونبيه وعلى آله وصحبه والتابعين، وبعد:
هذا هو الدرس التاسع من شرح ‎( سُلَّم الْوُصُولِ إِلَى عِلْمِ الْأُصُولِ فِي تَوْحِيدِ اللَّهِ وَاتِّبَاعِ الرَّسُولِ ) ‎لِلْعَلاَّمَةِ الحافظ : حَافِظِ بْنِ أَحْمَدَ الْحَكَمِيِّ رحمه الله تَعَالَى.
وقد بلغ بنا الكلام إلى قول الناظم رحمه الله تعالى :
43.وَهْوَ الذي يَرَى دَبِيبَ الذَّرِّ في الظُّلُماتِ فَوقَ صُمِّ الصَّخْرِ
44.وسامِعٌ للجَهْرِ والإخفاتِ بسَمعِه الواسعِ للأصواتِ
في هٰذين البيتين إثبات البصر لله تبارك وتعالى وأنه سبحانه وتعالى قد أحاط بجميع المبصَرات ، وإثبات السمع له ، وأنه جلّ وعلا أحاط بجميع المسموعات ، والسمع والبصر مما اجتمع ذكره في بعض الآيات منها قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا ( ٥٨) [سورة النساء]، وقوله تبارك وتعالى جمعاً بين النفي والإثبات: { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ( ١١ ) [سورة الشورى]. فسمعه وبصره مخالف لسمع وبصر المخلوقات.
ومن ذلك قوله تعالى: { ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ( ٦١ ) } [سورة الحج]، ومنه قول الله تعالى: { أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا ( ٢٦ ) } [سورة الكهف].
فلا أحد أبصرَ منه ولا أحد أسمعَ منه، يرى سبحانه وتعالى الأعمال ويسمع ذلك مِنْهُم، فهو السميع البَصِير، فهو أبصر بكل موجود، وسمعه لكل مسموع، فلا يغيب عن سمعه ولا عن بصره شيء.
ومما ورد في إثبات صفة البصر لله ربنا تبارك وتعالى من غير اقتران ٍ بالسمع قوله تعالى: { وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( ٢٣٣ ) } [سورة البقرة]، وقوله: { إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا ( ٥٨ ) } [سورة النساء]، وقوله: { وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( ٤ ) } [سورة الحديد]، وقوله: { أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ ( ١٩ ) } [سورة الملك].
فالله تبارك وتعالى ذو إبصار بما يعملون، ولا يخفى عليه ممّا يعملون بل هو محيط لها جميعا،حافظ لها جميعا، عالم بخفيَّات الأمور.
قال ابن كثير رحمه الله تعالى: ( والله بصير بالعباد أي عليم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الضلالة، وهو الذي لا يُسئل عمَّا يفعل وهم يُسئلون، وما ذلك إلا لحكمته ورحمته).
وقال ابن سِعدي رحمه الله تعالى: ( البصير الذي يبصر كل شيء وإن رقَّ وصَغُرَ، فيبصر دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء على الصخرة الصمَّاء، ويبصر ما تحت الأرَضين السبع كما يبصر ما فوق السمٰوات السبع، سميع بصير بمن يستحق الجزاء بحسب حكمته).
وقال ابن القيم رحمه الله تعالى:
وهو البصيرُ يَرَى دبيبَ النَّملةِ السـ ... ـوداءِ تحت الصَّخرِ والصَّوَّانِ
ويَرَى مجاري القوت في أعضائِها ... ويَرَى عُروقَ بَيَاضِها بعيانِ
ويَرَى خياناتِ العيونِ بلْحظِها ... ويَرَى كذلكَ تقلُّبَ الأجْفَانِ
وعلى هذا فالبصير له معنيان:
المعنى الأول: أنه يبصر ويرى فالله تبارك وتعالى له بصر يرى به سبحانه وتعالى، وقلنا أنه ليس كمثله شَيْء.
والمعنى الثاني: أنه ذو البصيرة بالأشياء الخبير بها.
وما دام أنَّ الربَّ تبارك وتعالى أثبت لنفسه صفة البصر فهو أعلم بنفسه مِنَّا، فما علينا إلا أن نثبت ما أثبته لنفسه. فالله تبارك وتعالى بصير، والعبد يقال عنه بصير، ولله المثل الأَعْلَى، فالرجل قد يكون صغير لايبصر ولا يميّز بين الأشياء المتشاكلة، فإذا عقل أبصر فميَّز بين الرديء والجيد وبين الحسن والقبيح، يعطيه الله جل وعلا هذا مدَّة ثم يسلبها منه، فمنهم من يسلبه وهو حي ومنهم من يسلبه بالموت.
والله بصير لم يزل ولا يزول، والخلق إذا نظر إلى ما بين يديه عَمِيَ عمَّا خلفه وعمَّا بَعُدَ عنه، والله جل وعلا لا يعزب عنه مثقال ذرة في خفيَّاتِ مظلم الأرض.
وكلما ذكر مخلوقاته وصفهم بالنكرة، فإذا وصف نفسه وصفه بالمعرفة سبحانه وتعالى، فالله جلّ وعلا إذاً بصير بأحوال العباد خبير بها، بصير بمن يستحق الهداية، بصير خبير بالأعمال والذنوب، { وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا ( ١٧ ) } [سورة الإسراء].
ومن فوائد هذا الاسم العَظِيم: أنه من عَلِم أنَّ ربَّه جلّ وعلا مطلع عليه يستحي أن يراه على معصية أو مما لا يحب، ومن علم أنّ الربَّ جل وعلا مطلع عليه أحسن عمله وأخلص عبادته وخشع لربه تبارك وتعالى.
وفي حديث جبريل عندما سأل النبيّ عن الإحسان قال: قال : ( أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك ).
قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في شرح مسلم: هذا من جوامع الكلم التي أُوتيها النبيّ ؛ لأنّا لو قدرنا أنَّ أحدنا قام في عبادةوهو يعاين ربه سبحانه وتعالى لم يترك شيئاً مما يقدر عليه من الخضوع والخشوع وحسن السمت، واجتماعه بظاهره وباطنه، وعلى الإعتناء بتتميمها على أحسن وجوهها إلا أتى به.
وقال رحمه الله تعالى: اعبد الله في جميع أحوال عبادتك في حال العَيَان فإنّ التتميم المذكور في حال العيان إنّما كان لعلم العبد باطّلاع الله عليه فلا يقْدُم العبد على تقصير في هذا الحال؛ للاطلاع عَلَيْه، وهذا المعنى موجود مع عدم رؤية العبد، فينبغي أن يعمل بمقتضاه.
ومقصود الكلام الحثّ على الاخلاص في العبادة ، ومراقبة العبد ربه تبارك وتعالى في إتمامه الخشوع والخضوع وغير ذلك.
وأما السميع فالله تبارك وتعالى ذكر اسم السميع في القرآن خمساً وأربعين مرة، منها قوله جل وعلا: { رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( ١٢٧ ) } [سورة البقرة]، ومنها قوله:{ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} [لقمان: 28]، و: {إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ} [سبأ: 50]، و: {وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} [المجادلة: 1]. وغير ذلك من الآيات.
والسميع أي السامع لإقوال عباده، ولم يقل سامع وإنما قال سميع لأنه أبلغ في الصفة، ف (فَعِيل )من البناء للمبالغة ، فربنا جلّ وعلا يسمع السرّ والنّجوى، الجهرُ والإخفات والنطق والسكوت عنده سواء، قال النبيّ : " اللهم إني أعوذ بك من قلب لا يخشع ومن دعاء لا يُسمع .." [صحيح الجامع (1297)] أي من دعاء لا يُستجاب.
ومن هذا قول المصلي: سمع الله لمن حمده، والمعنى قَبِلَ الله حَمْدَ من حمده.
قال ابن القيم رحمه الله: فعل السماع يراد به أربعة معان:
أولها: سمع إدراك وهو متعلق بالأصوات.
ثانيها: سمع فهم وعقل, ومتعلقه بالمعاني.
ثالثها: سمع إجابة وإعطاء ما سئل.
رابعها: سمع قبول وانقياد.
و قول الله عز وجل: (قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا) [المجادلة:1]، وقوله: ( لَّقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ ( ١٨١ ) } [سورة آل عمران] عن المعنى الأول وهو سمع الإدراك مما يتعلق بالأصوات.
وأما قول الله عز وجلّ: ( سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ( ٢٨٥ ) [سورة البقرة]، وقولهلا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا) [البقرة:104], هذا المقصود منه سمع الفهم والعقل.
وأما قول القائل: (سمع الله لمن حمده) فهذا سمع إجابة وإعطاء.
وأما قول الله جلّ وعلا: (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ)[المائدة:42], (سماعون للكذب) أي: قابلون للكذب منقادون له غير منكرين له، فهذا على المعنى الرابع، وهو سمع قبول وانقياد.
قال رحمه الله تعالى في نونيته:
وهو السَّميعُ يَرى ويَسْمعُ كلَّ ما ... في الكون من سِرٍّ ومن إعلانِ
ولكلِّ صوتٍ منه سمعٌ حاضرٌ ... فالسِّرُّ والإِعلان مستويــــــانِ
والسَّمعُ منه واسعُ الأصواتِ لا ... يخفى عليه بعيدُهـــا والدانـــــي
سبحان ربنا تبارك وتعالى تقدس اسمه وتعالى ذاته وتباركت صفاته، فالله تبارك وتعالى هو السميع الذي لا يخفى عليه شيء من المسموعات، وفي الحديث عن أبي موسى الأشعري قال: " كنا مع النبي في سفر فكنا إذا علونا كبرنا فقال النبي : أيها الناس أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا ولكن تدعون سميعا بصيرا " .
والمقصود في هذا أنه نفي الآفة المانعة من السمع والآفة المانعة من النظر وإثبات كونه سمعياً بصيراً قريباً.
والله عز وجلّ سميع لدعاء الخلق، ألفاظهم عند تفرقهم واجتماعهم مع اختلاف ألسنتهم وأقوالهم، يعلم ما في قلب القائل قبل أن يقول ويعجِز القائل عن التعبير عن موارده، فيعلمه الله فيعطيه الذي في قلبه.
فالمخلوق يزول عنه السمع بالموت، والله تبارك وتعالى لم يزل ولا يزال يُفني الخلق ويرثهم فإذا لم يبقَ أحد منهم قال: لمن الملك اليوم، فلا يكون من يرد، فيقول: لله الواحد القهار سبحان ربنا وتعالى.
وقد ورد هذا الاسم الكريم إفراداً واقتراناً فمما اقترن قوله تعالى: ( وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) [المائدة: 76] وقوله: (إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} [لقمان: 28] وقوله: (إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ) [سبأ: 50]
وهذا قد دلّ على الإحاطة بالمخلوقات كلّها وأنَّ الله جلّ وعلا محيط بها لا يخفى عليه شيء من أثرها لا يفوته شيء مِنْهَا؛ بل الخلائق كلّها تحت سمعه وبصره وعلمه .
وفي ذلك تنبيه للنبيه العاقل أن يراقب نفسه وما يصدر منها من أقوال وأفعال ؛ لأن ربنا لا يخفى عليه شيء منها وأنه سبحانه مُحْصيها ثم مجازي العبيد بها في الآخرة، إن خيراً فخيراً وإن شراً فشراً.







التوقيع



قال تعالى:" وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا"
  رد مع اقتباس